{ 154 - 157 } { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ }
{ ثُمَّ } في هذا الموضع ، ليس المراد منها الترتيب الزماني ، فإن زمن موسى عليه السلام ، متقدم على تلاوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب ، وإنما المراد الترتيب الإخباري . فأخبر أنه آتى { مُوسَى الْكِتَابَ } وهو التوراة { تَمَامًا } لنعمته ، وكمالا لإحسانه . { عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ } من أُمة موسى ، فإن الله أنعم على المحسنين منهم بنِعَم لا تحصى . من جملتها وتمامها إنزال التوراة عليهم . فتمت عليهم نعمة الله ، ووجب عليهم القيام بشكرها .
{ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ } يحتاجون إلى تفصيله ، من الحلال والحرام ، والأمر والنهي ، والعقائد ونحوها . { وَهُدًى وَرَحْمَةً } أي : يهديهم إلى الخير ، ويعرفهم بالشر ، في الأصول والفروع . { وَرَحْمَةٌ } يحصل به لهم السعادة والرحمة والخير الكثير . { لَعَلَّهُمْ } بسبب إنزالنا الكتاب والبينات عليهم { بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } فإنه اشتمل من الأدلة القاطعة على البعث والجزاء بالأعمال ، ما يوجب لهم الإيمان بلقاء ربهم والاستعداد له .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ثم آتينا موسى الكتاب}، يعني أعطينه التوراة، {تماما على الذي أحسن}، يقول: تمت الكرامة على من أحسن منهم في الدنيا والآخرة، فتمم الله لبني إسرائيل ما وعدهم من قوله: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا...} (القصص: 5-6) إلى آيتين، ثم قال: {وتفصيلا لكل شيء و} التوراة {وهدى} من الضلالة، {ورحمة} من العذاب، {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون}، يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"ثُمّ آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ": ثم قل بعد ذلك يا محمد: آتى ربك موسى الكتاب. فترك ذكر «قل»، إذ كان قد تقدم في أوّل القصة ما يدلّ على أنه مراد فيها، وذلك قوله: "قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ..."...
ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله: "تَماما على الّذِي أحْسَنَ"؛ فقال بعضهم: معناه: تماما على المحسنين... عن مجاهد: تَماما على الّذي أحْسَنَ المؤمنين والمحسنين.
وكأن مجاهدا وجه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جلّ ثناؤه أخبر عن موسى أنه آتاه الكتاب فضيلة على ما آتى المحسنين من عباده...
وقال آخرون: معنى ذلك: "تماما على الذي أحسن": موسى فيما امتحنه الله به في الدنيا من أمره ونهيه... أي آتيناه الكتاب لأتمم له كرامتي في الآخرة تماما على إحسانه في الدنيا في عبادة الله والقيام بما كلفه به من طاعته.
وقال آخرون في ذلك: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تماما على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم...
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تماما لنعمنا عنده على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا، لأن ذلك أظهر معانيه في الكلام، وأن إيتاء موسى كتابه نعمة من الله عليه ومنة عظيمة، فأخبر جلّ ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة... وأما قوله: "وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ "فإنه يعني: وتبيينا لكل شيء من أمر الدين الذي أمروا به.
فتأويل الكلام إذن: ثم آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده وأيادينا قِبَله، تتمّ به كرامتنا عليه على إحسانه وطاعته ربه وقيامه بما كلفه من شرائع دينه، وتبيينا لكلّ ما لقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم... "وَهُدًى وَرَحمَةً لَعَلّهُمْ بِلِقاءِ رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ" يقول تعالى ذكره: آتينا موسى الكتاب تماما وتفصيلاً لكلّ شيء. "وَهُدًى" يعني بقوله «وهدى»: تقويما لهم على الطريق المستقيم، وبيانا لهم سبل الرشاد لئلا يضلوا. "وَرَحْمَةً" يقول: ورحمة منا بهم، ورأفة، لننجيهم من الضلالة وعمى الحيرة.
وأما قوله: "لَعَلّهُمْ بِلِقَاءِ رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ" فإنه يعني: إيتائي موسى الكتاب تماما لكرامة الله موسى على إحسان موسى، وتفصيلاً لشرائع دينه، وهدى لمن اتبعه ورحمة لمن كان منهم ضالاّ، لينجيه الله به من الضلالة، وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ بها خلقه فيه، فيرتدع عما هو عليه مقيم من الكفر به، وبلقائه بعد مماته، فيطيع ربه، ويصدّق بما جاءه به نبيه موسى صلى الله عليه وسلم.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
يهوِّن عليهم مشقة مقاساة التكليف بما ذكر من التعريف بأنَّ الذين كانوا قبلنا كانوا في الضعف والعجز مثلها، ثم صَبرُوا فظَفروا، وأخْلَصُوا فخَلُصُوا...
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
قوله -تعالى -: (ثم آتينا موسى الكتاب) فإن قيل: كيف قال: (ثم آتينا موسى الكتاب) بعد ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، وموسى أوتي الكتاب قبله، وكلمة "ثم "للتعقيب؟ قيل: معناه: ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
سبق في هذه السورة وغيرها الجمع بين ذكر التوراة والقرآن للتذكير بالتشابه بينهما لأن العرب كانوا يعلمون أن اليهود المجاورين لهم أهل كتاب اسمه التوراة ولهم رسول اسمه موسى وأنهم أهل علم وشريعة وكان بعض عقلائهم يتمنى لو يؤتى العرب مثلما أوتي اليهود، ويقولون إنه لو جاءهم كتاب مثل كتابهم لكانوا أهدى منهم وأعظم انتفاعا لما يعتقدون من امتيازهم عليهم بالذكاء والعقل وعلو الهمة...
وقوله تعالى: {تماما على الذي أحسن} معناه آتينا موسى الكتاب تماما للنعمة والكرامة على من أحسن في اتباعه واهتدى به كما قال في أواخر ما نزل من القرآن {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة 3) وقيل إن المعنى آتيناه الكتاب تماما كاملا جامعا لما يحتاج إليه من الشريعة كقوله: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء} (الأعراف 145) جزاء على إحسانه أو تماما على إحسانه...
وقوله تعالى {وتفصيلا لكل شيء} عام في بابه: أي مفصلا كل شيء من أحكام الشريعة كالعبادات والمعاملات المدنية والعقوبات والحرب "وهدى ورحمة "أي علما من أعلام الهداية وسببا من أسباب الرحمة لمن اهتدى به "لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون" أي آتاه الكتاب جامعا لما ذكر ليعد به قومه ويجعلهم محل الرجاء للإيمان بلقاء الله تعالى في دار كرامته التي أعدها للمؤمنين المهتدين بوحيه.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{ثُمّ} هنا عاطفة على جملة: {قل تعالوا} [الأنعام: 151] فليست عاطفة للمفردات، فلا يُتوهَّم أنَّها لتراخي الزّمان، بل تنسلخ عنه حين تعطف الجمل فتدل على التّراخي في الرّتبة، وهو مهلة مجازيّة، وتلك دلالة (ثُم) إذا عطفت الجُمَل. وقد استصعب على بعض المفسّرين مسلك (ثُمّ) في هذه الآية لأنّ إتيان موسى عليه السّلام الكتاب ليس برتبة أهمّ من رتبة تلاوة ما حرّمه الله من المحرّمات وما فرضه من اتّباع صراط الإسلام... والوجه عندي: أنّ (ثُمّ) ما فارقت المعروف من إفادة التّراخي الرّتبي، وأنّ تراخي رتبة إيتاء موسى عليه السّلام الكتاب عن تلاوة ما حَرّم الله في القرآن، وما أمر به من ملازمة صراط الإسلام، إنَّما يظهر بعد النَّظر إلى المقصود من نظم الكلام، فإنّ المقصود من ذكر إيتاء موسى عليه السّلام الكتاب ليس لذاته بل هو التّمهيد لقوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} [الأنعام: 92] ليرتّب عليه قوله: {أن تقولوا إنَّما أنْزِل الكتابُ على طائفتين من قبلنا} إلى قوله: {وهدى ورحمة} [الأنعام: 156، 157]، فمعنى الكلام: وفوْق ذلك، فهذا كتاب أنزلناه مبارك جمع فيه ما أوتيه موسى عليه السّلام (وهو أعظم ما أوتيه الأنبياء من قبله) وما في القرآن: الذي هو مصدّق لما بين يديه ومهيمن عليه؛ إن اتَّبعتموه واتَّقيتم رَحمناكم ولا معذرة لكم أن تقولوا لو أنزل لنا كتاب لكنّا أفضل اهتداءً من أهل الكتابين، فهذا غرض أهمّ جمعاً لاتّباع جميع ما اشتمل عليه القرآن، وأدْخل في إقناع المخاطبين بمزية أخذهم بهذا الكتاب.
ومناسبة هذا الانتقال: ما ذكر من صراط الله الذي هو الإسلام، فإنّ المشركين لمّا كذّبوا دعوة الإسلام ذكَّرهم الله بأنَّه آتى موسى عليه السّلام الكتاب كما اشتهر بينهم حسبما بيّناه عند قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} (91) الآية، في هذه السّورة، لينتقل إلى ذكر القرآن والتّحريض على اتّباعه فيكون التّذكير بكتاب موسى عليه السّلام تمهيداً لذلك الغرض.
و {الكتاب} هو المعهود، أي التّوراة، و {تماما} حال من الكتاب، والتّمام الكمال، أي كان ذلك الكتاب كمالاً لما في بني إسرائيل من الصّلاح الذي هو بقيّة ممّا تلقّوه عن أسلافهم: من صلاح إبراهيم، وما كان عليه إسحاق ويعقوبُ والأسباط عليهم السّلام، فكانت التّوراة مكمّلة لصلاحهم، ومزيلة لما اعتراهم من الفساد، وأنّ إزالة الفساد تكملة للصّلاح. ووصف التّوراة بالتّمام مبالغة في معنى المُتِمّ.
والموصول في قوله: {على الذي أحسن} مراد به الجنس، فلذلك استوى مفرده وجمعه.
والمراد به هنا الفريق المحسن، أي تماماً لإحسان المحسنين من بنِي إسرائيل، فالفعل منزّل منزلة اللاّزم، أي الذي اتَّصف بالإحسان.
والتّفصيل: التّبيين، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {وكذلك نفصّل الآيات} في هذه السّورة (55).
و {كلّ شيء} مراد به أعظم الأشياء، أي المهمّات المحتاج إلى بيان أحكامها في أحوال الدّين. فتكون (كلّ) مستعملة في معنى الكثرة كما تقدّم في قوله تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك} في سورة البقرة (145). أو في معنى العظيم من الأشياء كأنَّه جمع الأشياء كلّها.
أو يراد بالشّيء: الشّيء المهمّ، فيكون من حذف الصّفة، كقوله: {يأخذ كل سفينة غصباً} [الكهف: 79]، أي كلّ سفينة صالحة، ومثله قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38].
وقوله: {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} رجاء أن تؤمنوا بلقاء ربّهم، والضّمير عائد إلى معلوم من المقام وهم بنو إسرائيل، إذ قد علم من إيتاء موسى عليه السّلام الكتاب أنّ المنتفعين به هم قومه بنو إسرائيل، ومعنى ذلك: لعلّهم إن تحَرّوا في أعمالهم، على ما يناسب الإيمانَ بلقاء ربّهم، فإنّ بني إسرائيل كانوا مؤمنين بلقاء الله من قبل نزول التّوراة، ولكنّهم طرأ عليهم من أزمنة طويلة: من أطوار مجاورة القبط، وما لحقهم من المذلّة والتغرّب والخصاصة والاستعباد، ما رفع منهم العلم، وأذْوَى الأخلاق الفاضلة، فنسوا مراقبة الله تعالى، وأفسدوا، حتّى كان حالهم كحال من لا يؤمن بأنَّه يلقى الله، فأراد الله إصلاحهم ببعثة موسى عليه السّلام، ليرجعوا إلى ما كان عليه سلفهم الصّالح من مراقبة الله تعالى وخشية لقائه، والرّغبة في أن يلقوه وهو راض عنهم. وهذا تعريض بأهل مكة ومن إليهم من العرب، فكذلك كان سلفهم على هدى وصلاح، فدخل فيهم من أضلّهم ولقَّنهم الشّرك وإنكارَ البعث، فأرسل الله إليهم محمّدا صلى الله عليه وسلم ليردّهم إلى الهدى ويؤمنوا بلقاء ربّهم.
ولما كانت هذه الآيات الثلاث وافية بالآيات العشر التي كتبها الله لموسى عليه السلام على لوحي{[31651]} الشهادة في أول ما أوحي إليه في طور سيناء المشار إليها بقوله{ وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم }[ الأنعام : 91 ] وبنى عليها التوراة وأمره أن يودعها في تابوت العهد لتكون{[31652]} شهادة عليهم وعلى أعقابهم كما هو مذكور في وسط السفر الثاني من التوراة وقد مضى بيانه في البقرة ويأتي في آخر هذه المقولة وزائدة عليها من الأحكام والمحاسن ما شاء الله ؛ حسن أن تذكر بعدها التوراة ، فقال مشيراً بأداة التراخي إلى كل من الترتيب{[31653]} والتعظيم : { ثم آتينا } أي بما لنا من العظمة التي تقتضي{[31654]} تعظيم ما كان من{[31655]} عندنا { موسى الكتاب } أي المشار إليه بقوله تعالى{ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى }[ الأنعام : 91 ] - وهي - والله أعلم - معطوفة على قوله{ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر }[ الأنعام : 146 ] لأنه تعالى بعد أن أعطى موسى العشر الآيات واعده إلى الجبل مواعدة ثانية ، فشرع له بعض الأحكام وأمره بنصب قبة الزمان التي{[31656]} يوحي إليه فيها ويصلون إليها ، وببعض ما يتخذ من آلاتها كما مضى في البقرة ، ثم ذكر بعد ذلك بيسير تحريم الشحوم عليهم ، فقال في أوائل السفر الثالث وهو سفر الكهنة ، وفيه تلخيص{[31657]} أمر القرابين : ودعا الرب موسى وكلمه في قبة الأمد وقال له : كلم بني إسرائيل وقل لهم : كل إنسان منكم إذا قرب للرب قرباناً من البهائم فلتكن قرابينكم{[31658]} من البقر ومن الغنم - إلى أن قال{[31659]} : ويقرب قرباناً للرب الحجاب المبسوط على الأحشاء وكل الثوب الذي على الأكشاح والكليتين{[31660]} {[31661]} والشحم الذي عليهما وعلى الجنب - إلى أن قال : وقال : الشحوم{[31662]} للرب عهد الأبد ، ولا تأكلوا دماً ولا شحماً ، ثم قال : وكلم الرب موسى وقال له : كلم{[31663]} بني إسرائيل وقل لهم : لا تأكلوا شحم البقر ولا شحم الغنم : الضأن والماعز جميعاً ، لأن كل من أكل شحم بهيمة و{[31664]} يقرب قرباناً للرب ، تهلك تلك النفس من شعبها ، ولا تأكلوا دماً حيث ما سكنتم ، لا دم البهائم ولا دم الطير ، وأيّة{[31665]} نفس أكلت دماً تهلك تلك النفس من شعبها ، وقال في السفر الخامس : فأما الدم فلا تأكلوا ولكن ادفقوه على الأرض مثل الماء ، ثم قال بعده بقليل : وكلوا في قراكم من كل شهوات أنفسكم ، ولكن إياكم أن تأكلوا دماً ، لأن دم البهيمة هو في نفسها ، فلا تأكلوا النفس{[31666]} مع اللحم ليحسن إليكم وإلى أولادكم من بعدكم إذا عملتم الحسنة{[31667]} أمام الله ربكم ؛ رجع إلى السفر الثالث ثم قال : ودخل موسى وهارون إلى قبة الزمان وخرجا ودعوا الشعب ، فظهر مجد الرب أمام جميع الشعب ، ونزلت نار من قبل الرب فأحرقت الشحم والذبيحة الكاملة لله{[31668]} على المذبح ، وعاين ذلك جميع الشعب{[31669]} وحمدوا الله ، وخر{[31670]} الشعب كله على وجهه ؛ ثم ذكر عقب ذلك بيسير{[31671]} محرمات الحيوان ، وكذا ذكر{[31672]} في السفر الخامس وقد جمعت بينهما ومعظم السياق للخامس : قال : لا تأكلوا شيئاً نجساً ، هذا ! كلوا من جميع البهائم : الثور : والحمل والنعجة والمعز والأيل والظبي{[31673]} والجوذر والرخ والرئم والوعل والثيثل{[31674]} كل بهيمة ذات ظلف مقسوم ظلفها تجتر كلوها ، وحرموا من التي لا تجتر ، ومن التي لها ظلوف مقسومة ولا تجتر{[31675]} الجمل والأرنب والوبر التي تجتر وليس لها أظلاف مقسومة هي نجسة لكم ، وفي الثالث : وحرموا من البهائم التي ليست لها أظلاف التي تجتر{[31676]} : الجمل الذي يجتر وليس له أظلاف هو نجس{[31677]} محرم عليكم ، والأرنب الذي يجتر وليس له{[31678]} أظلاف منجس محرم عليكم ؛ رجع : والخنزير الذي له أظلاف ولا يجتر هو نجس ، لا تأكلوا من لحوم هذه ولا تقربوا إلى أجسادها ؛ وقال في الثالث : ولا تمسوا لحومها لأنها{[31679]} نجسة محرمة عليكم ؛ وقال في الخامس من ترجمة الاثنين والسبعين : وإياكم أن تأكلوا كل نجس ، ويكون الذي تأكلونه من الدواب العجل من البقر والخروف من الغنم والجدي من المعز أو الأيل والغزال والعين والوعل وعنز الجبل واليحمور وناقة القمر{[31680]} والزرافة ، وكل دابة مشقوقة الظلف وهي تنبت أظافير في{[31681]} كل ظلفها واجتر من الدواب .
فإياه فكلوا ، والذي لا تأكلون منه من الذي يجتر ومن المشقوق الظلف الذي ينبت{[31682]} له أظافير الجمل والأرنب واليربوع ، فإن ذلك يجتر ولكنه غير مشقوق الظلف ، وهو لا يحل{[31683]} لكم ، والخنزير أيضاً فإن ظلفه مشقوق{[31684]} وينبت في ظلفه أظافير غير أنه لا يجتر ، وما لا يجتر فإنه لا يحل لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تقربوا أجسادها ؛ وقال في الثالث منها : وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما : كلما بني إسرائيل وقولا لهما : إن الذي تأكلونه من المواشي من جميع الأنعام التي على الأرض كل بهيمة قد شق ظلفها و{[31685]} هي تخرج{[31686]} أظفاراً في كلا{[31687]} ظلفيها وتجتر{[31688]} ، فذلك الذي تأكلونه من الأنعام ، والذي لا يحل مما يجتر{[31689]} ولم يشق ظلفه الجمل الذي يجتر وظلفه غير مشقوق{[31690]} فإنه غير طاهر لكم ، واليربوع - وفي نسخة : السنجاب - الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم لم يطهر لكم ، والأرنب الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه لا يطهر لكم والخنزير فإنه مشقوق{[31691]} الظلف ويخرج أظفاراً في ظلفه وهو لا يجتر فإنه لا يطهر لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تمسوا ما مات منها ، فإن ذلك لا يطهر لكم ؛ رجع إلى نسختي ، ثم ذكر في الطير ودواب البر قريباً مما في{[31692]} شرعنا إلى أن قال : ولا تأكلوا أشياء نجسة بل ادفعوها إلى السكان الذين في قراكم يأكلونها أو يبيعونها{[31693]} من الغرباء ، لأنك شعب طاهر لله ربك لا تطبخوا جدياً بلبن أمه ؛ وقال في ترجمة الاثنين والسبعين : ولا تطبخ الخروف بلبن أمه ؛ وقال في السفر الخامس : وكلوا من الطير ما كان زكياً وحرموا هذه التي أصف لكم ، لا تأكلوا منها شيئاً : النسر والحداء - وذكر نحواً مما عندنا ، وقال في نسختي في الثالث : فمن مس شيئاً من هذه - أي المحرمات - يكون نجساً إلى المساء ، ومن حمل منها شيئاً فليغسل ثيابه ويكون نجساً إلى الليل - انتهى .
الظبي - بالمعجمة المشاركة{[31694]} - معروف ، والجوذر - بفتح الجيم والذال المعجمة والراء{[31695]} : البقرة الوحشية ، والرئم - بكسر المهملة : الظبي الخالص البياض ، والثيثل - بمثلثتين مفتوحتين بينهما ياء تحتانية ساكنة : بقر الوحش ، والأيل - بفتح الهمزة وكسر التحتانية المشددة ، الوعل - بفتح الواو وكسر المهملة - وهو تيس الجبل ، والحمل - بفتح المهملة : الرضيع من أولاد الضأن ، وقوله : لا تطبخوا جدياً بلبن أمه ، الظاهر أن معناه النهي عن أكله ما دام يرضع ، وما بعد الذي في الثالث هو معظم التوراة ، والذي في الخامس إنما هو إعادة لما في الثالث ، فإن الخامس تلخيص لجميع ما تقدمه من القصص والأحكام مع زيادات ، فصدق أن إيتاء الكتاب أتى معظمه بعد تحريم ما حرم عليهم ، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون معطوفاً على محذوف تقديره : ذلكم وصاكم به كما وصى بني إسرائيل في الفصل الذي نسبته من التوراة كنسبة أم القرآن من القرآن ، وذلك هي العشر الآيات التي{[31696]} هي أول ما كتبه الله لموسى عليه السلام ، وهي أول التوراة في الحقيقة لأنها أول الأحكام ، وما قبلها فهو قصص و{[31697]} حاصل هذه العشر{[31698]} آيات{[31699]} : الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر من العبودية والرق ، لا يكونن{[31700]} لك إله غيري ، لا تقسم باسمي كذباً ، احفظ يوم السبت ، أكرم والديك ، لا تقتل ، لا تزن ، لا تسرق ، لا تشهد بالزور ، لا تمدن عينيك{[31701]} إلى ما في أيدي الناس ، فالمعنى : ذلك وصيناكم به كما وصينا بني إسرائيل به في العشر الآيات{[31702]} وبعض ما آتينا موسى من التوراة ، ويجوز أن يكون التقدير : لكون هذه الآيات{[31703]} محكمة في كل الشرائع لم تنسخ في أمة من الأمم ولا تنسخ{[31704]} ، وصاكم به يا بني آدم في الزمن الأقدم ، ولم يزدد الأمر بها في التوصية إلا شدة { ثم آتينا } أي بما لنا من العظمة { موسى الكتاب } أي جميعه وهي فيه ، حال كونه { تماماً } لم ينقص عما يصلحهم شيئاً { على } الوجه { الذي أحسن } أي أتى{[31705]} بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه بما بيّن من الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك{[31706]} بعامه ، فإنه نقل أن الله تعالى لم يهلك قوماً هلاكاً عاماً بعد{[31707]} إنزال التوراة{[31708]} { وتفصيلاً لكل شيء } من جملة ذلك الفصل المحتوي على الكلمات الحاوية لكل شيء يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا ، كما أن القرآن تفصيل لكل شيء من الجوامع السبع التي حوتها أم القرآن الحاوية لمصالح الدارين ، وفي هذين الاحتمالين المقتضيين لكون " ثم " على حقيقتها من الترتيب والمهلة علم من أعلام النبوة ، وهو الاطلاع على أن العشر الآيات وتحريم ما حرم عليهم بالبغي في أوائل ما أوحي إلى موسى عليه السلام بعد إغراق فرعون وأن معظم التوراة{[31709]} أنزل بعد ذلك ، وهذا لا يعرفه إلا أحبارهم { وهدى } أي بياناً { ورحمة } أي إكراماً لمن يقبله ويعمل به { لعلهم } أي بني إسرائيل { بلقاء ربهم } أي{[31710]} الذي أخرجهم من مصر من العبودية والرق بقوته العظيمة وكلماته التامة { يؤمنون * } أي ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب - لما يرون من حسن شرائعه{[31711]} وفخامة كلامه وجلالة أمره - حال من يرجى أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه لقدرته على البعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء لأنه لا{[31712]} تستقل به العقول ، وإنما يثبت{[31713]} بالسمع مع تجويز العقل له ، فيعلموا أنه لا يشبهه شيء كما أن كلامه لا يشبهه كلام فلا يبغوا باتخاذ عجل غاية أمره خوار لا يفهم ومجمجة لا تفيد .