{ قُلْ } يا أيها الرسول لقومك إذا دعوتهم إلى الله ، وبينت لهم ما لهم وما عليهم من حقوقه ، فامتنعوا من الانقياد لأمره ، واتبعوا أهواءهم ، واستمروا على شركهم : { يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } أي : على حالتكم التي أنتم عليها ، ورضيتموها لأنفسكم . { إِنِّي عَامِلٌ } على أمر الله ، ومتبع لمراضي الله . { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } أنا أو أنتم ، وهذا من الإنصاف بموضع عظيم ، حيث بيَّن الأعمال وعامليها ، وجعل الجزاء مقرونا بنظر البصير ، ضاربا فيه صفحا عن التصريح الذي يغني عنه التلويح . وقد علم أن العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة للمتقين ، وأن المؤمنين لهم عقبى الدار ، وأن كل معرض عما جاءت به الرسل ، عاقبته سوء وشر ، ولهذا قال : { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } فكل ظالم ، وإن تمتع في الدنيا بما تمتع به ، فنهايته [ فيه ] الاضمحلال والتلف " إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته "
قوله تعالى : " قل يا قوم اعملوا على مكانتكم " وقرأ أبو بكر بالجمع " مكاناتكم " . والمكانة الطريقة . والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه فأنا أثبت على ما أنا عليه . فإن قيل : كيف يجوز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه وهم كفار . فالجواب أن هذا تهديد ، كما قال عز وجل : " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا{[6730]} " [ التوبة : 82 ] . ودل عليه " فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار " أي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها ، أي من له النصر في دار الإسلام ، ومن له وراثة الأرض ، ومن له الدار الآخرة ، أي الجنة . قال الزجاج : " مكانتكم " تمكنكم في الدنيا . ابن عباس والحسن والنخعي : على ناحيتكم . القتبي : على موضعكم . " إني عامل " على مكانتي ، فحذف لدلالة الحال عليه . " من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون " " ومن " من قوله " من تكون في موضع نصب بمعنى الذي ؛ لوقوع العلم عليه . ويجوز أن تكون في موضع رفع ؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فيكون الفعل معلفا . أي تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار ، كقول : " لنعلم أي الحزبين أحصى{[6731]} " وقرأ حمزة والكسائي " من يكون " بالياء .
قوله : { قل يقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل } أي اعملوا أيها المشركون على طريقتكم وشاكلتكم وأنا عامل على طريقتي وشاكلتي . أي اعملوا ما أنتم عاملون فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني ربي به وهو الثبات على الإسلام والامتثال لأوامر الله والخضوع لدينه الحنيف . أما أن يؤمر المشركون بالثبات على ما هم عليه ، فذلك على سبيل التهديد لهم والوعيد . وذلك كقوله تعالى : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } .
قوله : { فسوف تعلمون من تكون له عقبة الدار } المراد بالدار : هذه الدنيا . والعاقبة : الحسنى ، أو عاقبة الخير ، أو العاقبة المحمودة . وعاقبة الدار أي العاقبة الحسنة التي خلق الله تعالى هذه الدار لها . ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وقنطرة يمر من فوقها العباد في طريقهم إلى يوم الحساب . ومن ، استفهامية ، في محل رفع على الابتداء ، والجملة بعدها خبرها . والمعنى : سوف تعلمون أيها المشركون أينا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار . وقيل : من اسم موصول بمعنى الذي وهو في محل نصب مفعول { تعلمون } أي سوف تعلمون الذي له عاقبة الدار . وفي ذلك من الإنذار والوعيد ما لا يخفى .
قوله : { إنه لا يفلح الظالمون } أي أن هؤلاء المشركون لن يفوزوا أو يفلحوا في حياتهم الدنيا ولا الآخرة . فلسوف يحرمون في حياتهم هذه من البركة ورضى النفس وسكينتها فضلا عما يبتليهم به الله من أمراض الهلع والجشع وفرط الأنانية واحترار الشهوات التي تظل تؤزهم أزا ثم يثوبون بعد ذلك إلى جحيم البرزخ وهو التوطئة المفروضة للعذاب الواصب الأكبر في الآخرة{[1281]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.