فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ} (18)

{ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا } استعجال استهزاء منهم وتكذيبا بمجيئها ، فلا يشفقون منها { وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا } أي خائفون وجلون من مجيئها ، أي فلا يستعجلونها ، ففي الآية احتباك حيث ذكر الاستعجال أولا ، وحذف الإشفاق ، وذكر الإشفاق ثانيا وحذف الاستعجال . قال مقاتل لأنهم لا يدرون ما يهجمون عليه وقال الزجاج لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون .

{ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ } أي أنها آتية لا ريب فيها ، وكائنة لا محالة ومثل هذا قوله { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } ثم بين ضلال الممارين فيها فقال :

{ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ } أي يخاصمون فيها مخاصمة شك وريبة من المماراة ، وهي المخاصمة والمجادلة أو من المرية وهي الشك والريبة { لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ } عن الحق لأنهم لم يتفكروا في الموجبات للإيمان بها من الدلائل التي هي مشاهدة لهم ، منصوبة لأعينهم ، مفهومة لعقولهم ولو تفكروا لعلموا أن الذي خلقهم ابتداء قادر على الإعادة ، وقد دل الكتاب والسنة على وقوعها ، والعقول تشهد على أنه لابد من دار جزاء والبعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه .