تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ} (52)

المفردات :

لا يهدي كيد الخائنين : أي : لا ينفذه ولا يواصله إلى غايته .

التفسير :

52 { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } .

أي : قالت امرأة العزيز تعقيبا على شهادتها ؛ ببراءة يوسف من مراودتها : إني فعلت ذلك ، وبرّأت ساحة يوسف ، مع أنه غائب عن مجلسنا ؛ ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيابه ولم أفتر عليه ، وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين .

ولعل هذه السنون ، قد طحنت هذه المرأة ؛ ولعل ضميرها عذّبها حين قذفت ببريء إلى السجن ، طوال هذه المدة ، ولعلها تابت ورجعت إلى طريق النور والهدى ، وطرقت باب الله معلنة رغبتها في التوبة إلى : { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب } .

ويذهب بعض المفسرين : إلى أن هذه الآية من كلام يوسف ؛ حين ذهب مندوب الملك بنتيجة التحقيق ، وبراءة يوسف على لسان النسوة ، وعلى لسان امرأة العزيز ؛ فقال يوسف : { َذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } . أي : هذا الذي فعلته ، من رد رسول الملك ؛ حتى يحقق الملك في قضيتي ، وتظهر براءتي ؛ ليعلم العزيز : أني لم أخنه في زوجته في غيبته ؛ بل تعففت عنها .

{ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } . أي : لا يوفّق الخائن ، ولا يسدد خطاه .

منزلة يوسف

بلغ يوسف منزلة من النزاهة وكرم النفس ، وحسبك أنه لم يتعجل الخروج قبل أن تظهر براءته ، براءة علنية على هذا النحو المشرّف ؛ وذلك أنه خشي أن يخرج من السجن ، وينال منزلة عالية ، فيقول الناس : هذا هو الذي راود امرأة مولاه ، وقد صفح عنه الملك ، وينظر إليه الناس باستمرار نظرة فيها ريبة وشك .

من الصحاح

ورد في كتب الحديث الصحيحة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ، ثم جاءني الرسول ؛ لأجبت الداعي ، ثم قرأ : { بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ . . . ) } . 23

قال ابن عطية في التفسير : مدح النبي صلى الله عليه وسلم يوسف ، بالصبر والأناة ، ثم ذكر : أنه لو دعي إلى الخروج من السجن ؛ لبادر بالخروج ، ثم حاولوا بيان عذره وبراءته بعد ذلك .

يريد الرسول صلى الله عليه وسلم : حمل الناس على الأحزم من الأمور ؛ حتى لا تضيع فرصة الخروج من السجن ، وتنصرف نفس مخرجه عنه وإذا كان يوسف قد أمن ذلك بعلمه من الله ؛ فغيره من الناس لا يأمن ذلك ؛ فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ، وما فعله يوسف عليه السلام صبر وجلد . ا ه .

وصل اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

وكان الفراغ منه عشية يوم الخميس 5 صفر 1415ه / الموافق 14/7/1994 م بمدينة المقطم الهضبة العليا ، مسجد حراء ، قرب ميدان النافورة ، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مباركا فيه كما يرضى ربنا ويحب ، وآخر دعوانا : أن الحمد لله رب العالمين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ} (52)

{ ذَلكَ ليَعْلَمَ } الذي ذهب إليه غير واحد أن ( ذلك ) إشارة إلى التثبت مع ما تلاه من القصة أجمع( {[401]} ) فهو من كلام يوسف عليه السلام جعله فذلكة منه لما نهض له أولاً من التشمر لطهارة ذيله وبراءة ساحته ، وقد حكى الله تعالى ما وقع من ذلك طبق الوجود مع رعاية ما عليه دأب القرآن من الإيجاز كحذف فرجع إلى ربه فأنهاه مقالة يوسف فأحضرهن سائلاً قال : ما خطبكن الخ ؛ وكذلك كما قيل في { قالت امرأة العزيز } [ يوسف : 51 ] الخ ، وكذلك هذا أيضاً لأن المعنى فرجع إليه الرسول قائلاً فتش الملك عن كنه الأمر وبان له جلية الحق من عصمتك وأنك لم ترجع في ذلك المقام الدحض بمس ملام فعند ذلك قال عليه السلام : ذلك ليعلم العزيز { أنِّي لَمْ أَخُنْهُ } في حرمته { بالْغيْب } أي بظهر الغيب ، وقيل : ضمير { يعلم } للملك ، وضمير { أخنه } للعزيز ، وقيل : للملك أيضاً لأن خيانة وزيره خيانة له ، والباء إما للملابسة أو للظرفية ، وعلى الأول هو حال من فاعل { أخنه } أي تركت خيانته وأنا غائب عنه ، أو من مفعوله أي وهو غائب عني وهما متلازمان ، وجوز أن يكون حالاً منهما وليس بشيء ، وعلى الثاني فهو ظرف لغو لما عنده أي لم أخنه بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة ، ويحتمل الحالية أيضاً .

{ وَأَنَّ اللهَ } اي وليعلم أن الله تعالى { لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائنينَ } أي لا ينفذه ولا يسدّده بل يبطله ويزهقه فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه ، ويجوز أن يكون المراد لا يهدي الخائنين بسبب( {[402]} ) كيدهم فأوقع الهداية المنفية على لاكيد وهي واقعة عليهم تجوزاً للمبالغة لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى . وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته وبه في خيانته أمانة الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعدما رأوا الآيات الدالة على نزاهته عليه السلام ، ويجوز أن يكون مع ذلك تأكيداً لأمانته عليه السلام على معنى لو كنت خائناً لما هدى الله تعالى كيدي ولا سدّده ، وتوهم عبارة بعضهم عدم اجتماع التأكيد والتعريض ، والحق أنه لا مانع من ذلك ؛ وأراد بكيده تشمره وثباته ذلك ، وتسميته كيداً على فرض الخيانة على بابها حقيقة كما لا يخفى ، فما في «الكشف » من أنه سماه كيداً استعارة أو مشاكلة ليس بشيء . وقيل : إن ضمير { يعلم } و { لم أخنه } لله تعالى أي ذلك ليعلم الله تعالى أني لم أعصه أي ليظهر أني غ ير عاص ويكرمني به ويصير سبب رفع منزلتي وليظهر أن كيد الخائن لا ينفذ وأن العاقبة للمطيع لا للعاصي فهو نظير قوله تعالى : { لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب } [ البقرة : 143 ] وله نظائر أخر في القرآن كثيرة إلا أن الله تعالى أخبر عن نفسه بذلك وأما غيره فلم يرد في الكتاب العزيز ، وفيه نوع إيهام التحاشي عنه أحسن على أن المقام لما تقدم أدعى .


[401]:- وفي الكشاف صح ذلك لدلالة المعنى عليه ونحوه قوله تعالى: (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تامرون)، وفيه دغدغة اهـ منه.
[402]:- في عبارة بعضهم بكيدهم فالباء إما متعلقة بالفعل أو متعلقة بالخائنين، وفيه تنبيه على أنه تعالى يهدي كيد من لم يقصد الخيانة بكيده كيوسف عليه السلام في كيده إخوته كذا قيل، فتدبر اهـ منه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ} (52)

قوله تعالى : { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ 52 *وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } اختلف المفسرون فيمن قال ذلك . فقد قيل : قالته امرأة العزيز ؛ لأنه متصل بقولها { الآنَ حَصْحَصَ الْحَق } أي أنني أقررت بالصدق فأدنت نفسي بالذنب والمراودة ليعلم يوسف أنني { لم أخنه بالغيب } أي لم أكذب عليه حال غيابه ولم تهمه بالباطل وفعل الفاحشة { وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } لا يسدد مكرهم وخداعهم ولا يوفقهم في صنيعهم .

وقال أكثر المفسرون : إن هذا قول يوسف عليه السلام . وهو أن ما فعلته من رد الرسول الذي أرسله الملك إلي وعدم إجابته أو الخروج معه إلا أن يسأل الملك النسوة عن تقطيع أيديهم –إنما كان ذلك كله ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته حال غيابه ، فإن الله لا يسدد عمل الخائنين الذين يخونون الأمانات .