84 - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .
كان أيوب قد ابتلي في نفسه بالمرض ، وفي أولاده بالموت ، وفي ماله بالضياع ؛ امتحانا من الله تعالى ، وكانت له الأموال والأولاد والزوجة والعافية ، وكان دائم الصبر ، حيث قالت له زوجته مرة : لو دعوت الله حتى يذهب عنك البلاء ؟ ! فقال لزوجته : كم مكثنا في الصحة والعافية والنعمة ؟ قالت : ثمانين سنة ؛ قال أيوب : كم مكثنا في البلاء ؟ قالت : ثلاثا أو سبعا أو ثماني عشرة سنة ، فقال أيوب : أستحي أن أدعو الله ليرفع البلاء ؛ ولم أمكث في البأساء مثل ما مكثت في النعماء .
فلما كثر إلحاح زوجته عليه ؛ مد يديه إلى الله متضرعا ، طالبا أن يشمله الله برحمته ؛ فاستجاب الله دعاءه ؛ فكشف عنه الضر الذي نزل به اختبارا وابتلاء .
وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ .
استرد زوجته وولدت له من الأولاد بعدد من مات من أولاده ؛ ثم ضاعف الله له عدد أولاده .
رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .
أي : تلطفا وتكرما وترحما من الله عليه ، حيث أكرمه في نفسه وأولاده وماله .
وتذكيرا للعباد الصالحين ؛ ألا ييئسوا من فضل الله ، وأن يتوقعوا من الامتحان بالبلاء ، والكشف بالرحمة والنعماء ؛ وقد ذكرت قصة أيوب في مواضع أخرى في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . ( ص : 41 – 44 ) .
لقد جعل الله من أيوب نموذجا للصبر ؛ فقد امتحن في نفسه ، وفي أولاده وزوجته وأمواله ؛ ثم عوضه الله بالشفاء والعافية ، حيث اغتسل بالماء فبرئ ظاهره ، وشرب من الماء فبرئ باطنه ، ورزقه الله من الأولاد بعدد من مات منهم ، ثم ضاعف له عددا من الأولاد والأحفاد ؛ فقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ، ويختبر بعض الناس بالنعماء قال تعالى : ليبلوني أأشكر أم أكفر . . . ( النمل : 40 ) .
وأمره الله أن يأخذ حزمة من الحشيش الأخضر ، الذي يختلط فيها الرطب باليابس ، وبها أكثر من 100 عود ، فيضرب بها زوجته مرة واحدة ، حتى لا يحنث في يمينه ؛ وكان قد أقسم إذا شفاه الله ليضربن زوجته 100 ضربة ، ثم وضع الحق سبحانه وساما يؤيد الصبر ، وصدق العبودية ، والرجوع إلى الله وعبادته ، والتبتل إليه واستمرار ذكره ؛ فقال تعالى : إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب .
وفي الحديث الشريف : ( أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل )27 .
قوله تعالى : { فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ } ثم كسى حلة وجلس على مكان مشرف ولم تعلم امرأته بذلك فأدركتها الرقة عليه فقالت في نفسها : هب إنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعاً وتأكله السباع لأرجعن فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة ولا تلك الحال فجعلت تطوف حيث الكناسة وتبكي وهابت صاحب الحلة أن تأتيه وتسأله فدعاها أيوب عليه السلام فقال : ما تريدين يا أمة الله ؟ فبكت وقالت : أريد ذلك المبتلي الذي كان ملقى على الكناسة قال لها : ما كان منك ؟ فبكت وقالت : بعلي قال : أتعرفينه إذا رأيتيه ؟ قالت : وهل يخفى علي فتبسم فقال : أنا ذرك فعرفته بضحكة فأعتنقته { وءاتيناه أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } الظاهر أنه عطف على { كَشَفْنَا } فيلزم أن يكون داخلاً معه في حيز تفصيل استجابة الدعاء ، وفيه خفاء لعدم ظهور كون الاتيان المذكور مدعواً به وإذا عطف على { استجبنا } لا يلزم ذلك ، وقد سئل عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية ، أخرج ابن مردويه . وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : { وَءاتَيْنَاهُ } الخ قال : رد الله تعالى امرأته إليه وزاد في شبابها حتى ولدت له ستاً وعشرين ذكراً » فالمعنى على هذا آتيناه في الدنيا مثل أهله عدداً مع زيادة مثل آخر ، وقال ابن مسعود . والحسن . وقتادة في الآية : إن الله تعالى أحيى له أولاده الذين هلكوا في بلائه وأوتي مثلهم في الدنيا ، والظاهر أن المثل من صلبه عليه السلام أيضاً ، وقيل : كانوا نوافل ؛ وجاء في خبر أنه عليه السلام كان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فأفرغت إحداهما في أندر القمح الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض ، وأخرج أحمد ، والبخاري . وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «بينما أيوب عليه السلام يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب عليه السلام يحثي في ثوبه فناداه ربه سبحانه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال : بلى وعزتك لكن لا غنى بي عن بركتك » وعاش عليه السلام بعد الخلاص من البلاء على ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سبعين سنة ، ويظهر من هذا مع القول بأن عمره حين أصابه البلاء سبعون أن مدة عمره فوق ثلاثين وتسعين بكثير ، ولما مات عليه السلام أوصى إلى ابنه حرمل كما روى عن وهب ، والآية ظاهرة في أن الأهل ليس المرأة { رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وذكرى للعابدين } أي وآتيناه ما ذكر لرحمتنا أيوب عليه السلام وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب ، فرحمة نصب على أنه مفعول له و { للعابدين } متعلق بذكري ، وجوز أن يكون { رَحْمَةً وذكرى } تنازعاً فيه على معنى وآتيناه العابدين الذين من جملتهم أيوب عليه السلام وذكرنا إياهم بالإحسان وعدم نسياننا لهم
فتوسل إلى الله بالإخبار عن حال نفسه ، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ ، وبرحمة ربه الواسعة العامة فاستجاب الله له ، وقال له : { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فركض برجله فخرجت من ركضته عين ماء باردة فاغتسل منها وشرب ، فأذهب الله عنه ما به من الأذى ، { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ } أي : رددنا عليه أهله وماله .
{ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } بأن منحه الله العافية من الأهل والمال شيئا كثيرا ، { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } به ، حيث صبر ورضي ، فأثابه الله ثوابا عاجلا قبل ثواب الآخرة .
{ وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } أي : جعلناه عبرة للعابدين ، الذين ينتفعون بالعبر ، فإذا رأوا ما أصابه من البلاء ، ثم ما أثابه الله بعد زواله ، ونظروا السبب ، وجدوه الصبر ، ولهذا أثنى الله عليه به في قوله : { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.