الإسراف : مجاوزة الحدّ في النفقة بالنظر لنظرائه في المال .
67-{ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } .
من صفات عباد الرحمان ، الاعتدال في النفقة والتوسط فيها ، فالإسلام قد جاء بنظمه في العبادات والمعاملات ، ومن هذه النظم : إخلاص الوجه لله ، والتوسط في العبادة وفي النفقة ، لقد حظي الإسلام بنظام اقتصادي متوازن ، فيه محاسن الرأسمالية والاشتراكية ، وليس فيه المساوئ التي فيهما ، فالمال مال الله ، والعبد مستخلف عن الله في إرادته ، والإنسان موظف في ماله ، عليه إخراج الزكاة والصدقة والتكافل الاجتماعي وصلة الرحم ، ومساعدة المحتاجين ، قال تعالى : { والذين في أموالهم حق معلوم*للسائل والمحروم } [ المعارج : 24-25 ] .
كما حرم الإسلام الشح والبخل ، قال تعالى : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [ الحشر : 9 ] .
وتوعد الكانزين ومانعي الزكاة بالسعير والعذاب . قال تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } [ التوبة : 34 ] .
أن الفضيلة وسط بين رذيلتين ، وأن من صفة عباد الرحمان التوسط في النفقة ، والبعد عن البخل وعن الإسراف ، فالإسراف والبخل كلاهما مفسدة للحياة والمال ، والجماعات والأمم .
قال تعالى : { ولا تبذر تبذيرا* إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا } [ الإسراء : 26-27 ] .
والبخل فيه إمساك للمال عن الإنفاق في الوجوه المشروعة .
قال تعالى : { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء . . . } [ محمد : 38 ] .
أما التوسط والاعتدال في النفقة فهو سمة العقلاء ، الذين فقهوا رسالة المال ، وجعلوه وسيلة لإصلاح أنفسهم وأقاربهم ومجتمعهم ، وأسعدوا بتصرفهم الأفراد والجماعات .
قال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } [ الإسراء : 29 ]
وصف القرآن عباد الرحمان بالتوسط في الإنفاق ، والقتر والإقتار ، والتضييق نقيض الإسراف ، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثيابا للجمال والزينة ، ولكن ما يسد جوعتهم ، ويستر عورتهم ويكنّهم من الحر والقرّ .
عن عمر : كفى شرها ألا يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله . اه .
قواما : أي : وسطا بين الإسراف والبخل ، وقوام الرجل : قامته ، وحسن طوله وهيئته .
وجاء في تفسير ابن كثير طائفة من الأحاديث تمدح التوسط في النفقة والاعتدال والقصد ، مثل :
قال الحافظ أبو بكر البزار : عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحسن القصد في الغنى ، وما أحسن القصد في الفقر ، وما أحسن القصد في العبادة ) ثم قال : لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه .
وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف ، وقال غيره : السرف : النفقة في معصية الله عز وجل .
{ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ } أي لم يتجاوزوا حد الكرم { وَلَمْ يَقْتُرُواْ } أي ولم يضيقوا تضييق الشحيح ، وقال أبو عبد الرحمن الحبلى : الإسراف هو الإنفاق في المعاصي والقتر الإمسام عن طاعة ، وروي نحو ذلك عن ابن عباس . ومجاهد . وابن زيد ، وقال عون بن عبد الله بن عتبة : الإسراف أن تنفق مال غيرك .
وقرأ الحسن . وطلحة . والأعمش . وحمزة . والكسائي . وعاصم { يَقْتُرُواْ } بفتح الياء وضم التاء . ومجاهد . وابن كثير . وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء . ونافع . وابن عامر بضم الياء وكسر التاء . وقرأ العلاء ابن سبابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء مشددة وكلها لغات في التضييق . وأنكر أبو حاتم لغة أقتر رباعيا هنا وقال : إنما يقال أقتر إذا افتقر ومنه { وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ } [ البقرة : 236 ] وغاب عنه ما حكاه الأصمعي . وغيره من أقتر بمعنى ضيق { وَكَانَ } انفاقهم { بَيْنَ ذلك } المذكور من الاسراف والقتر { قَوَاماً } وسطار وعدلاً سمى به لاستقامة الطرفين وتعادلهما كأن كلا منهما يقاوم الآخر كما سمي سواء لاستوائهما . وقرأ حسان { قَوَاماً } بكسر القاف ، فقيل : هما لغتان بمعنى واحد وقيل : هو بالكسر ما يقام به الشيء ، والمراد به هنا ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص . وهو خبر ثان لكان مؤكد للأول وهو { بَيْنَ ذلك } أو هو الخبر و { بَيْنَ ذلك } إما معمول لكان على مذهب من يرى أن كان الناقصة تعمل في الظرف وإما حال من { قَوَاماً } لأنه لو تأخر لكان صفة ، وجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً به أو { بَيْنَ ذلك } هو الخبر و { قَوَاماً } حال مؤكدة ، وأجاز الفراء أن يكون «بين ذلك » اسم كان وبنى لاضافته إلى مبني كقوله تعالى : { وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ } [ هود : 66 ] في قراءة من فتح الميم . ومنه قول الشاعر :
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت *** حمامة في غصون ذات أوقال
وتعقبه الزمخشري بأنه من جهة الإعراب لا بأس له ولكن المعنى ليس بقوي لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة . وحاصله أن الكلام عليه من باب كان الذاهب جاريته صاحبها وهو غير مفيد . ولا يخفى أنه غير وارد على قراءة «قواماً » بالكسر على القول الثاني فيه وعلى غير ذلك متجه . وما قيل من أنه من باب شعري شعري والمعنى كان قواماً معتبراً مقبولاً غير مقبول لأنه مع بعده إنما ورد فيما اتحد لفظه وما نحن فيه ليس كذلك . وكذا ما قيل : إن «بين ذلك » أعم من القوام بمعنى العدل الذي يكون نسبة كل واحد من طرفيه إليه على السواء فإن ما بين الاقتار والإسراف لا يلزم أن يكون قواماً بهذا المعنى إذ يجوز أن يكون دون الإسراف بقليل وفق الاقتار بقليل فإنه تكلف أيضاً إذ ما بينهما شامل لحاق الوسط وما عداه الكوسط من غير فرق ومثله لا يستعمل في المخاطبات لا لغازه ، وقيل : لأنه بعد تسليم جواز الأخلار عن الأعم بالأخص يبعد أن يكون مدحهم بمراعاة حاق الوسط مع ما فيه من الحرج الذي نفي عن الإسلام .
وفيه أنه لا شك في جواز الأخبار عن الأعم بالأخص نحو الذي جاءني زيد والقائل لم يرد إلحاق الحقيقي بل التقريبي كما يذل عليه قوله بقليل ولا حرج في مثله فتأمل .
ولعل الأخبار عن إنفاقهم بما ذكر بعد قوله تعالى : { إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } المستلزم لكون إنفاقهم كذلك للتنصيص على أن فعلهم من خير الاْمور فقد شاع خير الأمور أوساطه ، والظاهر أن المراد بالإنفاق ما يعم إنفاقهم على أنفسهم وإنفاقهم على غيرها والقوام في كل ذلك خير ، وقد أخرج أحمد . والطبراني . عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من فقه الرجل رفقه في معيشته »
وأخرج ابن ماجه في سننه عن أنس قال : ْقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت » وحكى عن عبد الملك بن مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز عليه الرحمة حين زوجه ابنته فاطمة ما نفقتك فقال له عمر : الحسنة بين السيئتين ثم تلا الآية . وقد مدح الشعراء التوسط في الأمور والاقتصاد في المعيشة قديماً وحديثاً ، ومن ذلك قوله :
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد *** كلا طرفي قصد الأمور ذميم
إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله *** وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت *** ولم ينهها تافت إلى كل باطل
وساقت إليه الأثم والعار بالذي *** دعته إليه من حلاوة عاجل
ومن باب الإشارة : { والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } [ الفرقان : 67 ] إشارة إلى أن فيوضاتهم حسب قابلية المفاض عليه لا يسرفون فيها بأن يفيضوا فوق الحاجة ولا يقترون بأن يفيضوا دون الحاجة أو إلى أنهم إذا أنفقوا وجودهم في ذات الله تعالى وصفاته جل شأنه لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ولم يقتروا في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات
{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا } النفقات الواجبة والمستحبة { لَمْ يُسْرِفُوا } بأن يزيدوا على الحد فيدخلوا في قسم التبذير وإهمال الحقوق الواجبة ، { وَلَمْ يَقْتُرُوا } فيدخلوا في باب البخل والشح { وَكَانَ } إنفاقهم { بَيْنَ ذَلِكَ } بين الإسراف والتقتير { قَوَامًا } يبذلون في الواجبات من الزكوات والكفارات والنفقات الواجبة ، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي من غير ضرر ولا ضرار وهذا من عدلهم واقتصادهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.