تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلنَّـٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة النازعات

أهداف سورة النازعات

( سورة النازعات مكية ، وآياتها 46 آية ، نزلت بعد سورة النبأ )

وهي نموذج من نماذج هذا الجزء ، لإشعار القلب البشري حقيقة الآخرة بهولها وضخامتها ، وفي الطريق إلى ذلك يمهّد السياق بمطلع غامض مثير ، يسوقه في إيقاع موسيقى راجف لاهث . ( الآيات : 1-5 ) .

وعقب هذا المطلع الغامض الراجف الواجف ، يجئ المشهد الأول من مشاهد ذلك اليوم . ( الآيات 6-14 ) .

ثم يأخذ السياق في عرض حلقة من قصة موسى مع فرعون ، فيهدأ الإيقاع ويسترخي شيئا ما ، ليناسب جو الحكاية والعرض . ( الآيات 15-26 ) .

ثم ينتقل السياق من ساحة التاريخ إلى كتاب الكون المفتوح ، ومشاهد الكون الهائلة ، الشاهدة بالقوة والتدبير والتقدير للألوهية المنشئة للكون ، المهيمنة على مصائره في الدنيا والآخرة ، في تعبيرات قوية الأثر تأخذ بالألباب . ( الآيات : 27-33 ) .

ثم يجيء مشهد الطامة الكبرى ، وما يصاحبها من جزاء على ما كان في الحياة . ( الآيات 34-41 ) .

ثم يرتد السياق إلى المكذبين بهذه الساعة ، الذين يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن موعدها ، يرتد إليهم بإيقاع يزيد من روعة الساعة وهولها وضخامتها . ( الآيات 42 -46 ) .

مع آيات السورة

1-5- أقسم الله تعالى بالملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار إغراقا ، أي مبالغة في النزع ، وبالملائكة الذين يخرجون أرواح المؤمنين برفق ، فيسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج الشيء من أعماق البحر ، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار ، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة ، أو يسبقون للإيمان أو للطاعة لأمر الله ، فيدبرون ما يوكل إليكم من الأمور .

وقيل : أقسم الله تعالى بالنجوم ، تنزع في مداراتها وتتحرك ، وتنشط منتقلة من منزل إلى منزل ، وتسبح سبحا في فضاء الله وهي معلقة به ، وتسبق سبقا في جريانها ودورانها ، وتدبّر من النتائج والظواهر ما وكّله الله إليه ، مما يؤثر في حياة الأرض ومن عليها .

وقيل : النازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي النجوم ، والمدبّرات هي الملائكة ، وجملة القول : فهذه أوصاف لموصوفات أقسم الله بها لعظم شأنها ، وكل ما يصدق عليه الوصف يصح أن يكون تفسير للآيات ، وهذا من إعجاز القرآن الكريم .

6- 9- اذكر يا محمد يوم تضطرب الأرض ويرتجف كل من عليها ، وتنشق السماء ، ويصعق كل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، وهذه هي الراجفة أو النفخة الأولى في الصور ، يتبع ذلك النفخة الثانية ، التي يصحون عليها ويحشرون ، وهذه هي الرادفةi .

قلوب الكافرين تكون يوم القيامة شديدة الاضطراب ، بادية الذل ، يجتمع عليها الخوف والانكسار ، والرجفة والانهيار .

10-14- يقول الكافرون المنكرون للبعث : أصحيح أننا إذا متنا راجعون إلى الأرض أحياء كما كنا ؟ أنعود للحياة بعد تحلل أجسادنا في التراب ؟ إن صح هذا فهو الخسران الخالص والرجعة الخاسرة التي لم نحسب حسابها .

لا تستبعدوا ذلك أيها الكافرون ، فإنما هي صيحة واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور ، فإذا الناس جميعا أحياء على سطح أرض القيامة .

15- 26- تحكى الآيات قصة موسى عليه السلام ، وهي قصة تكررت في القرآن ، لما لقيه موسى من شدة المعاناة مع قومه ، فأصبح نموذجا للصبر والثبات ، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) . ii .

تقول الآيات :

وهل جاءك يا محمد خبر موسى وقصته العجيبة ؟ حيث تفضّل الله عليه فناداه ، وكلّمه من وراء حجاب بالوادي المبارك من طور سيناء ( طوى )iii ، فقال له : اذهب إلى فرعون فإنه طغى وتجاوز الحد ، فتلطّف معه في القول وقل له : هل ترغب في أن تطهر نفسك من الآثام التي انغمست فيها ؟ وهل لك في الإيمان بالله ، واستشعار الجلالة والجبروت وخشية عقاب الله وحسابه ؟

بيد أن هذا القول لم يفلح في هداية قلب الطاغية الجبار ، فأظهر له موسى المعجزة الكبرى ، وهي انقلاب العصا حية وإخراج يده بيضاء بياضا ساطعا يغلب ضوء الشمس ، فأنكر فرعون رسالة موسى ، وعصى أمر ربه ، ثم أعرض عن موسى ، وسعى في إيذائه ، وحث الناس على مقاومة دعوته ، ثم جمع السحرة الذين هم تحت إمرته وسلطانه ، فقام فيهم يقول : أنا ربكم الأعلى . الذي لا يدانيه أحد في القوة والعظمة ، وما زال في عتوّه وتطاوله حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر ( بحر القلزم ) عند خروجهم من مصر ، فأغرق فيه هو وجنوده ، تنكيلا به على ما صنع ، وله في الآخرة عذاب السعير ، وسيكون مثلا للأولين والآخرين . وفي قصة فرعون عبرة لمن له عقل يتدبر به في عواقب الأمور ، فيثوب إلى رشده ويتقي ربه .

27- 33- يخاطب الله منكري البعث ويرشدهم إلى أن بعثهم هين على الله ، بدليل ما يشاهدون من آثار قدرته في هذا الكون ، فيقول لهم : هل أنتم أشد خلقا أم خلق السماء أصعب وأشق ؟ إنكم لا تنازعون في أنها أشد منكم خلقا ، ومع ذلك لم نعجز عن إبداعها ، فما الذي تستصعبونه من أمر بعثكم ؟ والذي بنى السماء وأبدعها قادر على إعادتكم .

قال تعالى : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ( غافر : 57 ) .

لقد رفع الله سمك السماء ، أي : بناءها ، وسمك كل شيء قامته وارتفاعه ، والسماء مرفوعة في تناسق كامل ، وتنسيق بين حركاتها وآثارها وتأثراتها ، وقد جعل ليلها مظلما بمغيب كوكبها ، وأنار نهارها بظهور الضحى .

والأرض بعد ذلك دحاها . ودحو الأرض تمهيدها وبسط قشرتها ، بحيث تصبح صالحة للسير عليها ، وتكوين تربة تصلح للإنبات .

أخرج منها ماءها ومرعاها . أي : فجّر منها العيون والينابيع والأنهار ، وأنبت فيها النبات ، وثبّت الجبال في أماكنها وجعلها كالأوتاد ، لئلا تميد بأهلها وتضطرب بهم .

متاعا لكم ولأنعامكم . أي : إنما جعلنا ذلك كله ليتمتع به الناس والأنعام ، وليتنبه الإنسان إلى عظمة التدبير والتقدير ، فإن بناء السماء على هذا النحو ، وإظلام الليل ، وإضاءة النهار ، وتمهيد الأرض ، وإخراج النبات والماء ، وإرساء الجبال ، لم يكن كل ذلك سدى ، وإنما كان متاعا لكم ولأنعامكم .

وهذا المدبر الحكيم وفّر لكم هذا الخير الكثير لتتمتعوا به ، ومن الحكمة والتدبير أن يكون هناك بعث وجزاء ، لإثابة الطائع ومعاقبة الطغاة والعصاة .

34- 41- فإذا جاءت الداهية العظمى التي تعلو على سائر الدواهي ، وتشغل الإنسان عن ولده ونفسه ، غطت على كل شيء ، وطمت على كل شيء ، عندئذ يتذكر الإنسان سعيه ويستحضره أمامه ، حين يرى أعماله مدوّنة في كتابه ، وظهرت النار في مكان بارز ، حتى يراها كل ذي نظر ، عندئذ تختلف المصائر والعواقب ، فأما من تكبّر وعصى ربه وتجاوز حده ، وآثر شهوات الحياة الدنيا على ثواب الآخرة ، فالنار مثواه ومستقره .

وأما من استحضر في قلبه دائما عظمة الله تعالى ، ونهى النفس عما تهواه وتميل إليه بحسب طبيعتها ، فإن الجنة سكون له مستقرا ومقاما .

42- 46- يسألك كفار قريش والمتعنتون من المشركين عن القيامة : أيّان مرساها . متى قيامها وظهورها ؟ وأين موعدها ؟

فيم أنت من ذكراها . إنها لأعظم من أن تسأل أو تسأل عن موعدها ، فأمرها إلى ربك وهي من خاصة شأنه وليست من شأنك ، إلى ربك ينتهي علم الساعة ، فلا يعلم وقت قيامها غيره ، ولم يعط علمها لملك مكرم ، ولا لبني مرسل ، إنما أنت رسول مبعوث لتنذر من ينفعه الإنذار ، وهو الذي يشعر قلبه بحقيقتها فيخشاها ، ويعمل لها ويتوقعها .

وإذا جاءت الساعة ، ورأوا أهوالها وحسابها وجزاءها ، استهانوا بالدنيا ومتاعها وأعمارها ، ورأوا الدنيا بالنسبة للآخرة قصيرة عاجلة ، هزيلة ذاهبة ، زهيدة تافهة ، وتنطوي الدنيا في نفوس أصحابها ، فإذا هي عندهم عشية أو ضحاها ، فكأنما الدنيا ساعة من نهار ، أفمن أجل ساعة من نهار يضيع الإنسان الجنة والخلود في رضوانها ؟

قال تعالى : ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة . . . ( الروم : 55 ) .

أي أن الدنيا أو الحياة الفانية ليست إلا وقتا قصيرا بالنسبة للآخرة .

قال تعالى : بل تؤثرون الحياة الدنيا* والآخرة خير وأبقى . ( الأعلى : 16 ، 17 ) .

موضوعات سورة النازعات

1- إثبات البعث .

2- مقالة المشركين في إنكاره والرد عليهم .

3- قصة موسى مع فرعون ، وفيها عاقبة الطغاة .

4- آيات الله في الآفاق .

5- أهوال يوم القيامة .

6- الناس في هذا اليوم فريقان : سعداء وأشقياء .

7- تساؤل المشركين عن الساعة وميقاتها .

8- نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن البحث عنها .

9- ذهول المشركين من شدة الهول ، والاستهانة بالدنيا حين يرون الآخرة .

الحلف على وقوع البعث

بسم الله الرحمان الرحيم

{ والنّازعات غرقا 1 والنّاشطات نشطا 2 والسّابحات سبحا 3 فالسّابقات سبقا 4 فالمدبّرات أمرا 5 يوم ترجف الرّاجفة 6 تتبعها الرّادفة 7 قلوب يومئذ واجفة 8 أبصارها خاشعة 9 يقولون أئنّا لمردودون في الحافرة 10 أئذا كنا عظاما نخرة 11 قالوا تلك إذا كرّة خاسرة 12 فإنما هي زجرة واحدة 13 فإذا هم بالسّاهرة 14 }

المفردات :

والنازعات : أقسم الله بالملائكة تنزع أرواح الكفار من أقاصي أجسامهم .

غرقا : نزعا شديدا مؤلما بالغ الغاية .

التفسير :

1- والنّازعات غرقا .

أقسم الله تعالى بطوائف الملائكة التي تنزع أرواح الكفار بقسوة وشدة من أقاصي أجسامهم ، نزعا بالغ الصعوبة والعسر ، حيث تنزع روح الكافر من أقاصي جسده ، من تحت كل شعرة ، ومن تحت الأظافر وأصول القدمين .

وفي الحديث الشريف ما يفيد أن روح الكافر تنزع بشدة ، حيث يكابد الكافر أشد الآلام في خروج روحه ، وأن روح المؤمن تنزع برفق ويسر ، وتخرج بسهولة ولطف ، كما تنزل القطرة من فم السّقاء .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلنَّـٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة النازعات

وتسمى سورة الساهرة والطامة ، وهي مكية بالاتفاق ، وعدد آياتها ست وأربعون في الكوفي وخمس وأربعون في غيره ، وعن ابن عباس ، أنها نزلت عقب سورة عم ، وأولها يشبه أن يكون قسما لتحقيق ما في آخ عم ، أو ما تضمنته كلها . وفي البحر لما ذكر سبحانه في آخر ما قبلها الإنذار بالعذاب يوم القيامة أقسم عز وجل في هذه على البعث ذلك اليوم فقال جل شأنه { والنازعات غَرْقاً والناشطات نَشْطاً والسابحات سَبْحاً فالسابقات سَبْقاً فالمدبرات أَمْراً } .

{ والنازعات غَرْقاً والناشطات نَشْطاً والسابحات سَبْحاً فالسابقات سَبْقاً فالمدبرات أَمْراً } أقسام من الله تعالى بطوائف من ملائكة الموت عليهم السلام الذين ينزعون الأرواح من الأجساد على الإطلاق كما في رواية عن ابن عباس ومجاهد أو أرواح الكفرة على ما أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه وجويبر في تفسيره عن الحبر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وعبد بن حميد عن قتادة وروي عن سعيد بن جبير ومسروق وينشطونها أي يخرجونها من الأجساد من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ويسبحون في إخراجها سبح الذي يخرج من البحر ما يخرج فيسبقون ويسرعون بأرواح الكفرة إلى النار وبأرواح المؤمنين إلى الجنة فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن يهيؤها لإدراك ما أعد لها من الآلام واللذات ومال بعضهم إلى تخصيص النزع بأرواح الكفار والنشط والسبح بأرواح المؤمنين لأن النزع جذب بشدة وقد أردف بقوله تعالى غرقاً وهو مصدر مؤكد بحذف الزوائد أي إغراقاً في النزع من أقاصي الأجساد وقيل هو نوع والنزع جنس أي في هذا المحل وذلك أنسب بالكفار قال ابن مسعود تنزع الملائكة روح الكافر من جسده من تحت كل شعرة ومن تحت الأظافر وأصول القدمين ثم تغرقها في جسده ثم تنزعها حتى إذا كادت تخرج يردها في جسده وهكذا مراراً فهذا عملها في الكفار والنشط الإخراج برفق وسهولة وهو أنسب بالمؤمنين وكذا السبح ظاهر في التحرك برفق ولطافة قال بعض السلف : إن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلاً رقيقاً ثم يتركونها حتى تستريح رويداً ثم يستخرجونها برفق ولطف كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق لئلا يغرق فهم يرفقون في ذلك الاستخراج لئلا يصل إلى المؤمن ألم وشدة وفي التاج أن النشط حل العقدة برفق ويقال كما في «البحر » أنشطت العقال ونشطته إذا مددت أنشوطته فانحلت والأنشوطة عقدت يسهل انحلالها إذا جذبت كعقدة التكة فإذا جعلت الناشطات من النشط بهذا المعنى كان أوفق للإشارة إلى الرفق والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي كما مر غير مرة للإشعار بأن كل واحد من الأوصاف المعدودة من معظمات الأمور حقيق بأن يكون على حياله مناطاً لاستحقاق موصوفة للإجلال والإعظام بالإقسام به من غير انضمام الأوصاف الأخر إليه ولو جعلت النازعات ملائكة العذاب والناشطات ملائكة الرحمة كان العطف للتغاير الذاتي على ما هو الأصل والفاء في الأخيرين للدلالة على ترتبهما على ما قبلهما بغير مهلة وانتصاب نشطاً وسبحاً وسبقاً على المصدرية كانتصاب غرقاً وأما انتصاب أمراً فعلى المفعولية للمدبرات لا على نزع الخافض أي بأمر منه تعالى كما قيل وزعم أنه الأولى وتنكيره للتهويل والتفخيم وجوز أن يكون غرقاً مصدراً مؤولاً بالصفة المشبهة ونصبه على المفعولية أيضاً للنازعات أو صفة للمفعول به لها أي نفوساً غرقة في الأجساد وحمل بعضهم غرقها فيها بشدة تعلقها بها وغلبة صفاتها عليها وكان ذلك مبني على تجرد الأرواح كما ذهب إليه الفلاسفة وبعض أجلة المسلمين هذا ولم نقف على نص في أن الملائكة حال قبض الأرواح وإخراجها هل يدخلون في الأجساد أم لا وظاهر تفسير الناشطات أنهم حالة النزع خارج الجسد كالواقف والسابحات دخولهم فيه لإخراجها على ما قيل وأنت تعلم أن السبح ليس على حقيقته ولا مانع من أن يراد به مجرد الاتصال ونحوه مما لا توقف له على الدخول وجوز أن يكون المراد بالسابحات وما بعدها طوائف من الملائكة يسبحون في مضيهم فيسبقون فيه إلى ما أمروا به من الأمور الدنيوية والأخروية فيدبرون أمره من كيفيته وما لا بد منه فيه ويعم ذلك ملائكة الرحمة وملائكة العذاب والعطف عليه لتغاير الموصوفات كالصفات وأياً ما كان فجواب القسم محذوف يدل عليه ما بعد من أحوال القيامة ويلوح إليه الأقسام المذكورة والتقدير { والنازعات } الخ لتبعثن وإليه ذهب الفراء وجماعة وقيل أقسام بالنجوم السيارة التي تنزع أي تسير من نزع الفرس إذا جرى من المشرق إلى المغرب غرقاً في النزع وجدا في السير بأن تقطع الفلك على ما يبدو للناس حتى تنحط في أقصى الغرب وتنشط من برج إلى برج أي تخرج من نشط الثور إذا خرج من مكان إلى مكان آخر ومنه قول هميان بن قحافة :

أرى همومي تنشط المناشطا

الشأم بي طوراً وطوراً واسطاً *** وتسبح في الفلك فيسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فتدبر أمراً نيط بها كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات والمعاملات المؤجلة ولما كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب سريعة قسرية وتابعة لحركة الفلك الأعظم ضرورة وحركاتها من برج إلى برج بإرادتها من غير قسر لها وهي غير سريعة أطلق على الأولى النزع لأنه جذب بشدة وعلى الثانية النشط لأنه برفق وروى حمل النازعات على النجوم عن الحسن وقتادة والأخفش وابن كيسان وأبي عبيدة وحمل الناشطات عليها عن ابن عباس والثلاثة الأول وحمل السابحات عليها عن الأولين وحملها أبو روق على الليل والنهار والشمس والقمر منها والمدبرات عليها عن معاذ وإضافة التدبير إليها مجاز وقيل أقسام بالنفوس الفاضلة حالة المفارقة لأبدانها بالموت فإنها تنزع عن الأبدان غرقاً أي نزعاً شديداً من أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المد حتى ينتهي إلى النصل لعسر مفارقتها إياها حيث الفه وكان مطية لها لاكتساب الخير ومظنة لازدياده فتنشط شوقاً إلى عالم الملكوت وتسبح به فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات أي ملحقة بالملائكة أو تصلح هي لأن تكون مدبرة كما قال الإمام : إنها بعد المفارقة قد تظهر لها آثار وأحوال في هذا العالم فقد يرى المء شيخه بعد موته فيرشده لما يهمه وقد نقل عن جالينوس أنه مرض مرضاً عجز عن علاجه الحكماء فوصف له في منامه علاجه فأفاق وفعله فأفاق وقد ذكره الغزالي ولذا قيل وليس بحديث كما توهم إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أصحاب القبور أي أصحاب النفوس الفاضلة المتوفين ولا شك في أنه يحصل لزائرهم مدد روحاني ببركتهم وكثيراً ما تنحل عقد الأمور بأنامل التوسل إلى الله تعالى بحرمتهم وحمله بعضهم على الأحياء منهم الممتثلين أمر موتوا قبل أن تموتوا وتفسير النازعات بالنفوس مروى عن السدي إلا أنه قال هي جماعة النفوس تنزع بالموت إلى ربها والناشطات بها عن ابن عباس أيضاً إلا أنه قال هي النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج والسابقات بها عن ابن مسعود إلا أنه قال هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة عليهم السلام الذين يقبضونها وقد عاينت السرور شوقاً إلى لقاء الله تعالى وقيل أقسام بالنفوس حال سلوكها وتطهير ظاهرها وباطنها بالاجتهاد في العبادة والترقي في المعارف الإلهية فإنها تنزع عن الشهوات وتنشط إلى عالم القدس فتسبح في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات للنفوس الناقصة وقيل أقسام بأنفس الغزاة أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وتنشط بالسهم للرمي وتسبح في البر والبحر فتسبق إلى حرب العدو فتدبر أمرها وإسناد السبح وما بعده إلى الأيدي عليه مجاز للملابسة وحمل النازعات على الغزاة مروى عن عطاء إلا أنه قال هي النازعات بالقسي وغيرها وقيل بصفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها غرقاً أي تمد أعنتها مداً قوياً حتى تلصقها بالأعناق من غير ارتخائها فتصير كأنها انغمست فيها وتخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر وتسبح في جريها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر وإسناد التدبير إليها إسناد إلى السبب وحمل السابحات على الخيل مروى عن عطاء أيضاً وجماعة ولا يخفي أن أكثر هذه الأقوال لا يليق بشأن جزالة التنزيل وليس له قوة مناسبة للمقام ومنها ما فيه قول بما عليه أهل الهيئة المتقدمون من الحركة الإرادية للكوكب وهي حركته الخاصة ونحوها مما ليس في كلام السلف ولم يتم عليه برهان ولذا قال بخلافه المحدثون من الفلاسفة وفي حمل المدبرات على النجوم إيهام صحة ما يزعمه أهل الأحكام وجهلة المنجمين وهو باطل عقلاً ونقلاً كما أوضحنا ذلك فيما تقدم وكذا في حملها على النفوس الفاضلة المفارقة إيهام صحة ما يزعمه كثير من سخفة العقول من أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد على معنى أن الله تعالى فوض إليهم ذلك ومنهم من خص ذلك بخمسة من الأولياء والكل جهل وإن كان الثاني أشد جهلاً نعم لا ينبغي التوقف في أن الله تعالى قد يكرم من شاء من أوليائه بعد الموت كما يكرمه قبله بما شاء فيبرىء سبحانه المريض وينقذ الغريق وينصر على العدو وينزل الغيث وكيت وكيت كرامة له وربما يظهر عز وجل من يشبهه صورة فتفعل ما سئل الله تعالى بحرمته مما لا إثم فيه استجابة للسائل وربما يقع السؤال على الوجه المحظور شرعاً فيظهر سبحانه نحو ذلك مكراً بالسائل واستدراجاً له ونقل الإمام في هذا المقام عن الغزالي أنه قال : إن الأرواح الشريفة إذا فارقت أبدانها ثم اتفق إنسان مشابه للإنسان الأول في الروح والبدن فإنه لا يبعد أن يحصل للنفس المفارقة تعلق بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال الخير فتسمى تلك المعاونة إلهاماً ونظيره في جانب النفوس الشريرة وسوسة انتهى ولم أر ما يشهد على صحته في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة وقد ذكر الإمام نفسه في المباحث المشرقية استحالة تعلق أكثر من نفس ببدن واحد وكذا استحالة تعلق نفس واحدة بأكثر من بدن ولم يتعقب ما نقله هنا فكأنه فهم أن التعلق فيه غير التعلق المستحيل فلا تغفل وقال في وجه حمل المذكورات على الملائكة أن الملائكة عليهم السلام لها صفات سلبية وصفات إضافية أما الأولى فهي أنها مبرأة عن الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة والموت والهرم والسقم والتركيب والأعضاء والأخلاط والأركان بل هي جواهر روحانية مبرأة عن هذه الأحوال فالنازعات غرقاً إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعاً كلياً من جميع الوجوه على أن الصيغة للنسبة والناشطات نشطاً إشارة إلى أن خروجها عن ذلك ليس كخروج البشر على سبيل الكلفة والمشقة بل بمقتضى الماهية فالكلمتان إشارتان إلى تعريف أحوالهم السلبية وأما صفاتهم الإضافية فهي قسمان الأول : شرح قوتهم العاقلة وبيان حالهم في معرفة ملك الله تعالى وملكوته سبحانه والاطلاع على نور جلاله جل جلاله فوصفهم سبحانه في هذا المقام بوصفين أحدهما : والسابحات سبحاً فهم يسبحون من أول فطرتهم في بحار جلاله تعالى ثم لا منتهى لسبحهم لأنه لا منتهى لعظمة الله تعالى وعلو صمديته ونور جلاله وكبريائه فهم أبداً في تلك السباحة .

وثانيهما : فالسابقات سبقاً وهو إشارة إلى تفاوت مراتبهم في درجات المعرفة وفي مراتب التجلي والثاني : شرح قوتهم العاملة وبيان حالهم فيها فوصفهم سبحانه في هذا المقام بقوله تعالى : { لَكَ أمْراً } ولما كان التدبير لا يتم إلا بعد العلم قدم شرح القوة العاقلة على شرح القوة العاملة انتهى وهو على ما في بعضه من المنع ليس بشديد المناسبة للمقام ونقل غير واحد أقوالاً غير ما ذكر في تفسير المذكورات فعن مجاهد النازعات المنايا تنزع النفوس وحكى يحيى بن سلام أنها الوحش تنزع إلى الكلأ وعن الأول تفسير الناشطات بالمنايا أيضاً وعن عطاء تفسيرها بالبقر الوحشية وما يجري مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر وعنه أيضاً تفسير السابحات بالسفن وعن مجاهد تفسيرها بالمنايا تسبح في نفوس الحيوان وعن بعضهم تفسيرها بالسحاب وعن آخر تفسيرها بدواب البحر وعن بعض تفسير السابقات بالمنايا على معنى أنها تسبق الآمال وعن غير واحد تفسير المدبرات بجريل يدبر الرياح والجنود والوحي وميكال يدبر القطر والنبات وعزرائيل يدبر قبض الأرواح وإسرافيل يدبر الأمر المنزل عليهم لأنه ينزل به ويدبر النفخ في الصور والأكثرون تفسيرها بالملائكة مطلقاً بل قال ابن عطية لا أحفظ خلافاً في أنها الملائكة وليس في تفسير شيء مما ذكر خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أعلم وما ذكرته أولاً هو المرجح عندي نظراً للمقام والله تعالى أعلم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱلنَّـٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة النازعات وهي مكية

{ 1 - 14 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ }

هذه الإقسامات بالملائكة الكرام ، وأفعالهم الدالة على كمال انقيادهم لأمر الله ، وإسراعهم في تنفيذ أمره ، يحتمل أن المقسم عليه ، الجزاء والبعث ، بدليل الإتيان بأحوال القيامة بعد ذلك ، ويحتمل أن المقسم عليه والمقسم به متحدان ، وأنه أقسم على الملائكة ، لأن الإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة ، ولأن في ذكر أفعالهم هنا ما يتضمن الجزاء الذي تتولاه الملائكة عند الموت وقبله وبعده ، فقال : { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } وهم الملائكة التي تنزع الأرواح بقوة ، وتغرق في نزعها حتى تخرج الروح ، فتجازى بعملها .