فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَٱلنَّـٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة النازعات

وتسمى سورة الساهرة خمس أو ست وأربعون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله .

{ والنازعات غرقا } أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد ، وكذا المراد بالناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات ، يعني الملائكة{[1679]} ، والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي ، وإنما جاءت هذه الأقسام بلفظ التأنيث والكل وصف للملائكة مع أنهم ليسوا إناثا لأن المقسم به طوائف من الملائكة ، والطوائف جمع طائفة وهي مؤنثة ، وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .

وقال السدي : النازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور ، وقال جاهد : هي الموت ينزع النفس ، وقال قتادة : هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق ، من قولهم نزع إليه إذا ذهب ، أو من قولهم نزعت بالحبل أي أنها تغرب وتغيب وتطلع من أفق آخر ، وبه قال أبو عبيدة والأخفش وابن كيسان .

وقال عطاء وعكرمة : النازعات القسي تنزع بالسهام ، وإغراق النازع في القوس أن يمده غاية المد حتى ينتهي به إلى النصل ، وقيل أراد بالنازعات الغزاة الرماة ، وانتصاب غرقا على أنه مصدر محذوف الزائد أي إغراقا ، والناصب له ما قبله لملاقاته له في المعنى إغراقا في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد ، أو على الحال أي ذوات إغراق يقال أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل فيه وبلغ غايته ، وعن علي قال : هي الملائكة تنزع أرواح الكفار ، وعن ابن عباس قال : هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار وقال ابن مسعود الملائكة الذين يلون أنفس الكفار .


[1679]:ذكر ابن كثير أن الصحيح في قوله: {والنازعات غرقا}: الملائكة، قال: يعنون حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرقه في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط، وهو قوله: {والناشطات نشطا}.