اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَٱلنَّـٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة [ النازعات ]{[1]}

مكية ، وهي ست وأربعون آية ، ومائة وسبعون كلمة ، وسبعمائة وثلاثون حرفا .

قوله تعالى : { والنازعات غَرْقاً } يجوز في «غرقاً » أن يكون مصدراً على حذفِ الزوائد ، بمعنى «إغْرَاقاً » ، وانتصابه بما قبله لملاقاته في المعنى .

وإمَّا على الحال ، أي : ذواتُ إغراقٍ ، يقال : أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل ، وبلغ أقصى غايته ، ومنه أغرق النازع في القوس أي : بلغ غاية المد والاستغراق والاستيعاب .

فصل في المراد بالنازعات

أقسم الله تعالى بهذه الأسماء الخمسة على أن القيامة حق .

و«النَّازعات » قيل : هي الملائكة التي تنزع أرواح الكُفَّار ، قاله علي ، وابن مسعود ، ومسروق ، ومجاهد{[59201]} .

قال ابن مسعود : يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم ، من تحت كل شعرة ، ومن تحت الأظافير ، وأصول القدمينِ نزعاً ، كالسَّفُّود ينزع من الصوف الرَّطب ، ثم يغرقُها ، يرجعها إلى أجسادهم ، ثم ينزعها ، فهذا عمله في الكفَّار{[59202]} .

وقال سعيد بن جبير : نُزعَتْ أرْواحُهم ، ثم غرقت ، ثم حرقت ، ثم قذف بها في النار{[59203]} .

وقيل : يرى الكافر نفسه في وقت النَّزع كأنها تغرق .

وقال السدي : «والنَّازِعَات » هي النفوس حين تغرقُ في الصُّدور{[59204]} .

وقال مجاهد : هي الموت ينزع النفوس{[59205]} .

وقال الحسن وقتادة : هي النَّجوم تنزع من أفق إلى أفق{[59206]} ، أي : تذهب ، من قولهم : نزع إليها أي ذهب ، أو من قولهم : نزعت الخيل ، أي : «جرت » ، «غرقاً » أي أنها تغرق وتغيب وتطلع من أفق إلى أفق آخر ، وهو قول أبي عبيدة وابن كيسان والأخفش .

وقال عطاء وعكرمة : «والنَّازعَاتِ » القسيُّ تنزع بالسهام .

«غرقاً » بمعنى : إغراق ، وإغراق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدِّ حتى ينتهي إلى النَّصلِ ، ويقال لقشرة البيضة الدَّاخلة «غِرقئ » .

وقيل : هم الغُزَاةُ الرُّماة ، وهو الذي قبله سواء ؛ لأنه إذا أقسم بالقسي فالمراد : النازعون بها تعظيماً لها ، كقوله تعالى : { والعاديات ضَبْحاً } [ العاديات : 1 ] .

وقال يحيى بنُ سلام : هي الوحش تنزع من الكلأ{[59207]} وتنفر .

ومعنى «غرقاً » أي : إبعاداً في النزع .


[1]:في النسختين تقدم. وندم تصحيح من الرازي. وانظر تصحيح ذلك وغيره في تفسير الإمام 28/117.
[59201]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/420)، عن ابن مسعود وابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير.
[59202]:ذكره البغوي في "تفسيره" (19/124).
[59203]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/420).
[59204]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/509)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن السدي. وأخرجه الطبري (12/421).
[59205]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/421)، عن مجاهد. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/509) وعزاه إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ في "العظمة".
[59206]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/422)، عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/509). عن قتادة والحسن وعزاه إلى عبد بن حميد.
[59207]:في أ: الكلاب.