تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ} (84)

{ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ( 84 ) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( 85 ) وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ( 86 ) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ( 87 ) } .

84 – { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ . . . } الآية .

سبب النزول :

روى الشيخان : عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ، جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ، فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه ؛ فقام ليصلي عليه ؛ فقام عمر بن الخطاب ، وأخذ بثوبه ، وقال : يا رسول الله ، أتصلي عليه ، وقد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين . قال : إنما خيرني الله ، فقال ، { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة . . . } وسأزيده على السبعين ؛ فقال عمر : إنه منافق . . . !

وجاء في مسنده الإمام أحمد :

ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبي ومشى معه ، وقام على قبره حتى فرغ منه .

قال عمر : فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسوله أعلم قال : فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا . . . } الآية .

قال : فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد على ذلك منافق ، ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل .

وقد أورد الإمام ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية في هذا المعنى .

ضعف الحديث :

ضعّف جماعة العلماء كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني ، والغزالي ، حديث الصلاة على زعيم المنافقين ؛ لمخالفته لظاهر الآية من أوجه هي :

1 – أن الآية نزلت أثناء رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك ، وابن أبي مات في السنة التي بعدها .

2 – قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله خيرني " ، يعارض صريح الآية ، بأن الله لن يغفر لهم بسبب كفرهم ، ف أو فيه للتسوية لا للتخيير .

الجمع بين الآية والحديث :

حاول بعض العلماء الجمع بين الآية والحديث ، ومن هؤلاء الزمخشري في تفسير الكشاف فقال : روى : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم ؛ فلما مرض رأس النفاق عبد الله بن أبي ، بعث إليه ليأتيه ، فلما دخل عليه قال له النبي : " أهلك حب يهود " فقال عبد الله بن أبي : يا رسول الله ، إنما بعثت إليك لتستغفر لي لا تؤنبني ، وسأله أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده ، ويصلّى عليه .

فلما مات دعاه ابنه عبد الله – وكان مؤمنا صالحا – فقال : يا رسول الله ، أسألك أن تكفنه في بعض قمصانك ، وأن تقوم على قبره ؛ حتى لا يشمت به الأعداء .

وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن تكفينه في قميصه لا ينفعه مع كفره ، فلا فرق بينه وبين غيره من الأكفان ، وليكون إلباسه إياه لطفا لغيره .

فقد روى أنه قيل للرسول صلى الله عليه وسلم : لم وجهت إليه قميصك وهو كافر ؟ فقال : " إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا ، وإني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب " ؛ فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوا زعيمهم عبد الله بن أبي يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك ترحمه واستغفاره ؛ كان للدعاء إلى التراحم والتعاطف ؛ لأنهم إذا رأوه يترحم على من يظهر الإيمان وباطنه على خلاف ذلك ؛ دعا المسلم على أن يتعاطف على من واطأ قلبه لسانه ، ورآه حتما عليه .

ثم قال الزمخشري في تفسير الكشاف :

فإن قلت : كيف جازت الصلاة على عبد الله بن أبي المنافق ؟

قلت : لم يتقدم نهى عن الصلاة عليهم ، وكانوا يجرون مجرى المسلمين لظاهر إيمانهم ، لما في ذلك من المصلحة .

وعن ابن عباس رضي الله عنه : ما أدري ما هذه الصلاة إلا أني أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخادع .

تأمل في الموضوع

تفيد روايات متعددة : أن عمر رضي الله عنه كان ميالا إلى عدم الصلاة على المنافقين ؛ استنباطا من إشارات غير صريحة في القرآن إلى ذلك .

وجاء في رواية عن ابن عباس : فقال عمر رضي الله عنه : لم تعطي قميصك الرجس النجس ؟ ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا ، فلعل الله أن يدخل به ألفا في الإسلام " وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله بن أبي ، فلما رأوه يطلب هذا القميص ، ويرجو أن ينفعه ؛ أسلم منهم يومئذ ألف ، وكان صلى الله عليه وسلم رحيما سهلا مألفا محببا وكان ميالا إلى الصلاة على عبد الله بن أبي ؛ بناء على الظاهر من إسلامه .

وأخرج أبو يعلى وغيره عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي ؛ فأخذ جبريل بثوبه فقال : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره . . . } الآية .

فهذه الرواية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على عبد الله بن أبي .

وأمام هذا التعارض في الروايات رجح بعض العلماء رواية البخاري ، وجمع بعضهم بين الروايتين فقال : المراد من الصلاة في رواية عمر وابنه : الدعاء ، أو الهم بالصلاة عليه ، ثم منعه جبريل .

مناقب عمر

من مناقب عمر رضي الله عنه : شدته على المشركين والمنافقين ؛ فهو صاحب رأى قتل الأسرى في بدر ، وقد أيد الوحي رأيه في أسارى بدر ، وآية تحريم الخمر ، وآية تحويل القبلة ، وآية أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب ، وآية عدم الصلاة على المنافقين ، لهذا قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه " 128 .

وقال صلى الله عليه وسلم : " إنه كان فيما مضى من الناس ملهمون ولو كان في أمتي محدثون لكان عمر " 129 .

وقال صلى الله عليه وسلم : " لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبيا " .

التفسير :

{ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } .

هذه الآية استمرار في الحديث عن المنافقين ، وكيفية معاملتهم ؛ فقد منعت الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة على موتاهم . . .

والمعنى : تبرأ أيها الرسول من المنافقين ، ولا تصل على أحد منهم إذا مات ولا تقم على قبره ؛ لتستغفر له ، أو تدعوا له ؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله ، فأنكروا وجود الله وتوحيده ، وأنكروا بعثة نبيه ، وماتوا وهم فاسقون ؛ خارجون من دين الإسلام ، متمردون على أحكامه ، متجاوزون حدوده وأوامره ونواهيه .

وتفيد الآية : الامتناع عن الصلاة على الكفار ، وكل من عرف نفاقه .

وإن كان سبب نزول الآية : الصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ذكر ابن كثير وغيره من المفسرين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ} (84)

{ وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مات أَبَدًا } إشارة إلى إهانتهم بعد الموت .

أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : " لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما خيرني الله فقال : { استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً } [ التوبة : 08 ] وسأزيده على السبعين قال : إنه منافق قال فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله سبحانه : { وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم } الآية " . وفي رواية أخرى له عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أنه لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دعى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فلما قام وثبت إليه فقلت : يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا كذا وكذا أعدد عليه قوله فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " أخر عني يا عمر " فلما أكثرت عليه قال : " أخر عني لو أعلم لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها " قال فصلي عليه عليه الصلاة والسلام ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة { وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم } إلى قوله : { وَهُمْ فاسقون } فعجبت من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظاهر هذين الخبرين أنه لم ينزل بين { استغفر لَهُمْ * أَوَلاَ *تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } [ التوبة : 80 ] ، وقوله تعالى : { وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم } شيء ينفع عمر رضي الله تعالى عنه وإلا لذكر ، والظاهر أن مراده بالنهي في الخبر الأول ما فهمه من الآية الأولى لا ما يفهم كما قيل من قوله تعالى : { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة : 113 ] لعدم مطابقة الجواب حينئذ كما لا يخفى ، وأخرج أبو يعلى . وغيره عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على ابن أبي فأخذ جبريل عليه السلام بثوبه فقال : دولا تصل } الآية ، وأكثر الروايات أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وأن عمر رضي الله تعالى عنه أحب عدم الصلاة عليه وعد ذلك أحد موافقاته للوحي وإنما لم ينه صلى الله عليه وسلم عن التكفين بقميصه ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كانت مظنة الإخلال بالكرم على أنه كان مكافأة لقميصه الذي ألبسه العباس رضي الله تعالى عنه حين أسر ببدر فإنه جيء به رضي الله تعالى عنه ولا ثوب عليه وكان طويلاً جسيماً فلم يكن ثوب بقدر قامته غير ثوب ابن أبي فكساه إياه ، وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أنهم ذكروا القميص بعد نزول الآية فقال عليه الصلاة والسلام : «وما يغنى عنه قميصي والله إني لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج » وقد حقق الله تعالى رجاء نبيه كما في بعض الآثار ، والأخبار فيما كان منه عليه الصلاة والسلام مع ابن أبي من الصلاة عليه وغيرها لا تخلو عن التعارض ، وقد جمع بينهما حسبما أمكن علماء الحديث ، وفي لباب التأويل نبذة من ذلك فليراجع .

والمراد من الصلاة المنهى عنها صلاة الميت المعروفة وهي متضمنة للدعاء والاستغفار والاستشفاع له قيل : والمنع عنها لمنعه عليه الصلاة والسلام من الدعاء للمنافقين المفهوم من الآية السابقة أو من قوله سبحانه :

{ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } [ التوبة : 113 ] الخ ، وقيل : هي هنا بمعنى الدعاء ، وليس بذاك ، و { أَبَدًا } ظرف متعلق بالنهي ، وقيل : متعلق بمات ، والموت الأبدي كناية عن الموت على الكفر لأن المسلم يبعث ويحيا حياة طيبة ، والكافر وإن بعث لكنه للتعذيب فكأنه لم يحي ، وزعم بعضهم أنه لو تعلق بالنهي لزم أن لا تجوز الصلاة على من تاب منهم ومات على الإيمان مع أنه لا حاجة للنهي عن الصلاة عليهم إلى قيد التأبيد ، ولا يخفى أنه أخطأ ولم يشعر بأن دمنهم } حال من الضمير في مات أي مات حال كونه منهم أي متصفاً بصفتهم وهي النفاق كقولهم : أنت مني يعني على طريقتي وصفتي كما صرحوا به على أنه لو جعل الجار والمجرور صفة لأحد لا يكاد يتوهم ما ذكر وكيف يتوهم مع قوله تعالى الآتي { منهم } حال من الضمير في مات أي مات حال كونه منهم أي متصفاً بصفتهم وهي النفاق كقولهم : أنت مني يعني على طريقتي وصفتي كما صرحوا به على أنه لو جعل الجار والمجرور صفة لأحد لا يكاد يتوهم ما ذكر وكيف يتوهم مع قوله تعالى الآتي { أَنَّهُمْ كَفَرُواْ } الخ ، وقوله : مع أنه لا حاجة إلى النهي الخ لظهور ما فيه لا حاجة إلى ذكره ، و { مَّاتَ } ماض باعتبار سبب النزول وزمان انلهي ولا ينافي عمومه وشموله لمن سيموت ، وقيل : إنه بمعنى المستقبل وعبر به لتحققه ؛ والجملة في موضع الصفة لأحد { وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ } أي لا تقف عليه ولا تتول دفنه من قولهم : قام فلان بأمر فلان إذا كفاه إياه وناب عنه فيه ، ويفهم من كلام بعضهم أن { على } بمعنى عند ، والمراد لا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة ، والقبر في المشهور مدفن الميت ويكون بمعنى الدفن وجوزوا إرادته هنا أيضاً .

وفي فتاوي الجلال السيوطي هل يفسر القيام هنا بزيارة القبور وهل يستدل بذلك على أن الحكمة في زيارته صلى الله عليه وسلم قبر أمه أنه لاحيائها لتؤمن به بدليل أن تاريخ الزيارة كان بعد النهي ؟

الجواب المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعة ، ويحتمل أن يعم الزيارة أيضاً أخذاً من الإطلاق وتاريخ الزيارة كان قبل النهي لا بعده فإن الذي صح في الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم زارها عام الحديبية والآية نازلة بعد غزوة تبوك ، قم الضمير في { مِنْهُمْ } خاص بالمنافقين وإن كان بقية المشركين يلحقون بهم قياساً ، وقد صح في حديث الزيارة أنه استأذن ربه في ذلك فأذن له وهذا الاذن عندي يستدل به على أنها من الموحدين لا من المشركين كما هو اختياري ، ووجه الاستدلال به أنه نهاه عن القيام على قبور الكفار وأذن له في القيام على قبر أمه فدل على أنها ليست منهم وإلا لما كان يأذن له فيه ، واحتمال التخصيص خلاف الظاهر ويحتاج إلى دليل صريح ، ولعله عليه الصلاة والسلام كان عنده وقفة في صحة توحيد من كان في الجاهلية حتى أوحى إليه صلى الله عليه وسلم بصحة ذلك ، فلا يرد أن استئذانه يدل على خلاف ذلك وإلا لزارها من غير استئذان اه وفي كون المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعة خفاء إذ المتبادر من القيام على القبر ما هو أعم من ذلك نعم كان الوقوف بعد الدفن قدر تحر جزور مندوباً ولعله لشيوع ذلك إذ ذاك أخذ في مفهوم القيام على القبر ما أخذ .

وفي جواز زيارة قبور الكفار خلاف وكثير من القائلين بعدم الجواز حمل القيام على ما يعم الزيارة ومن أجاز استدل بقوله صلى الله عليه وسلم : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة » فإنه عليه الصلاة والسلام علل الزيارة بتذكير الآخرة ولا فرق في ذلك بين زيارة قبور المسلمين وقبور غيرهم ، وتمام البحث في موضعه والاحتياط عندي عدم زيارة قبور الكفار { إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ } جملة مستأنفة سيقت لتعليل النهي على معنى أن الصلاة على الميت والاحتفال به إنما يكون لحرمته وهم بمعزل عن ذلك لأنهم استمروا على الكفر بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مدة حياتهم { وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون } أي متمردون في الكفر خارجون عن حدوده .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ} (84)

{ 84 } { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ }

يقول تعالى : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبدا } من المنافقين { وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } بعد الدفن لتدعو له ، فإن صلاته ووقوفه على قبورهم شفاعة منه لهم ، وهم لا تنفع فيهم الشفاعة .

{ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } ومن كان كافرا ومات على ذلك ، فما تنفعه شفاعة الشافعين ، وفي ذلك عبرة لغيرهم ، وزجر ونكال لهم ، وهكذا كل من علم منه الكفر والنفاق ، فإنه لا يصلى عليه .

وفي هذه الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين ، والوقوف عند قبورهم للدعاء لهم ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يفعل ذلك في المؤمنين ، فإن تقييد النهي بالمنافقين يدل على أنه قد كان متقررا في المؤمنين .