تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا} (60)

{ لئن لم تنته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا( 60 ) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا( 61 ) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا( 62 ) }

المفردات :

المنافقون : الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر .

مرض : ضعف إيمان أو فسوق وعصيان .

المرجفون : مروجو الأخبار الكاذبة ، ليبعثوا الرجفة والزلزلة في قلوب المؤمنين بأكاذيبهم .

لنغرينك بهم : لنحرضنك ونسلطنك عليهم .

التفسير :

{ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا } .

كان المنافقون يشيعون الأراجيف عن المسلمين فيقولون مثلا إن السرية الفلانية هزمت أو قتل عدد منها يبغون من وراء ذلك بث الذعر والخوف في نفس المؤمنين فهددهم الله بالقتال والنفي واللعن والطرد .

ومعنى الآية : أقسم لئن استمر المنافقون في إيذاء المؤمنين واستمر رواد الزنا في تتبع المؤمنات واستمر أهل الإرجاف في إشاعة الأخبار الكاذبة عن المؤمنين وإشاعة الهزيمة عنهم لنسلطنك عليهم يا محمد فتعاقبهم بالعقاب الرادع ثم لا يقيمون معك في المدينة إلا وقتا قليلا ريثما يتم إخراجهم وطردهم أو قتلهم وقد أفاد بعض المفسرين أن الآية تشير إلى ثلاث طوائف . المنافقون الذي أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام .

{ والذين في قلوبهم مرض . . . } أي شهوة الزنا .

{ والمرجفون في المدينة . . . } الذي يتبعون المرأة حتى يغلبوها على عفتها ويغتصبوها عنوة .

وهؤلاء الطوائف يستحقون العقوبة الرادعة ، مثل قتل الزناة الذين يغتصبون المرأة فيكون قتلهم من باب السياسة الشرعية ، رعاية لحق المجتمع في الأمن والالتزام . 71

وذهب أغلب المفسرين إلى أن الآية تشير إلى فئة واحدة تتصف بثلاث صفات هي النفاق والغش والخديعة والإرجاف في المدينة وهو إشاعة السوء عن المؤمنين .

والآية تهديد للمنافقين وإضرابهم من اليهود بأن الله سيمكن رسوله من طردهم وإخراجهم عقوبة لسوء فعالهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا} (60)

{ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون } عما هم عليه من النفاق وأحكامه الموجبة للإيذاء { والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } وهم قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات عليه عما هم عليه من التزلزل وما يستتبعه مما لا خير فيه { والمرجفون فِى المدينة } من اليهود المجاورين لها عما هم عليه من نشر أخبار السوء عن سرايا المسلمين وغير ذلك من الأراجيف الملفقة المستتبعة للأذية ، وأصل الأرجاف التحريك من الرجفة التي هي الزلزلة وصفت به الأخبار الكاذبة لكونها في نفسها متزلزلة غير ثابتة أو لتزلزل قلوب المؤمنين واضطرابها منها ، والغاير بين المتعاطفات على ما ذكرنا بالذات وهو الذي يقتضيه ظاهر العطف .

وأخرج ابن المنذر . وغيره عن مالك بن دينار قال : سالت عكرمة عن الذين في قلوبهم مرض فقال : هم أصحاب الفواحش ، وعن عطاء أنه فسرهم بذلك أيضاً ، وفي رواية أخرى عنه أنه قال : هو قوم مؤمنون كان في أنفسهم أن يزنوا فالمرض حب الزنا ، وإذا فسر المرجفون على ذلك بما سمعت يكون التغاير بين المتعاطفات بالذات أيضاً .

وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب أن الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون وهو المعروف في وصفهم .

وأخرج هو أيضاً عن عبيد بن حنين أن الذين في قلوبهم مرض والمرجفون جميعاً هم المنافقون فيكون العطف مع الاتحاد بالذات لتغاير الصفات على حد

هو الملك القرم وابن الهمام *** فكأنه قيل : لئن لم ينته الجامعون بين هذه الصفات القبيحة عن الاتصاف بها المفضي إلى الإيذاء { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } أي لندعونك إلى قتالهم وإجلائهم أو فعل ما يضطرهم إلى الجلاء ونحرضك على ذلك يقال : أغراه بكذا إذا دعاه إلى تناوله بالتحريض عليه ، وقال الراغب : غرى بكذا أي لهج به ولصق ، وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلصق به وقد أغريت فلاناً بكذا ألهجت به ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي لنسلطنك عليهم { ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ } عطف على جواب القسم وثم للتفاوت الرتبي والدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم ما يصيبهم وأشده عندهم { فِيهَا } أي في المدينة { إِلاَّ قَلِيلاً } أي زماناً أو جواراً قليلاً ريثما يتبين حالهم من الانتهاء وعدمه أو يتلقطون عيالاتهم وأنفسهم .

وفي الآية عليه كما في «الانتصاف » إشارة إلى أن من توجه عليه إخلاء منزل مملوك للغير بوجه شرعي يمهل ريثما ينتقل بنفسه ومتاعه وعياله برهة من الزمان حتى يتيسر له منزل آخر على حسب الاجتهاد ، ونصب { قَلِيلاً } على ما أشرنا إليه على الظرفية أو المصدري ، وجوز أن يكون نصباً على الحال أي إلا قليلين أطلاء ، ولا يخفى حاله على ذي تمييز .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا} (60)

ثم هدد - سبحانه - المنافقين وأشباههم بسوء المصير ، إذا ما استمروا فى إيذائهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين والمؤمنات . وبين - عز وجل - أن وقت قيام الساعة مرد علمه إليه وحده . وأن الكافرين عند قيامها سيندمون ولكن لني نفعهم الندم ، فقال - تعالى - : { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون . . . والعنهم لَعْناً كَبِيراً } .

والمنافقون : جمع منافق ، وهو الذى يظهر الإِسلام ويخفى الكفر .

والذين فى قلوبهم مرض : هم قوم ضعاف الإِيمان ، قليلو الثبات على الحق .

والمرجفون فى المدينة : هم الذين ينشرون أخبار السوء عن المؤمنين ويلقون الأكاذيب الضارة بهم ويذيعونها بين الناس . وأصل الإِرجاف : التحريك الشديد للشئ ، مأخوذ من الرجفة التى هى الزلزلة . ووصف به الأخبار الكاذبة ، لكونها فى ذاتها متزلزلة غير ثابتة ، أو لإِحداثها الاضطراب فى قلوب الناس .

وقد سار بعض المفسرين ، على أن هذه الأوصاف الثلاثة ، كل وصف منها لطائفة معينة ، وسار آخرون على أن هذه الأوصاف لطائفة واحدة هى طائفة المنافقين ، وأن العطف لتغابر الصفات مع اتحاد الذات .

قال القرطبى : قوله : { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِي المدينة . . . } أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشئ واحد . . والواو مقحمة كما فى قول الشاعر :

إلى الملك القرم وابن الهما . . . م وليث الكتيبة فى المزدحم

أراد إلى الملك القرم ابنا لهمام ليث الكتبية .

وقيل : كان منهم قوم يرجفون ، وقوم يتبعون النساء للريبة ، وقوم يشككون المسلمين .

وقد سار صاحب الكشاف على أن هذه الأوصاف لطوائف متعددة من الفاسقين ، فقال : { والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } قوم كان فيهم ضعف إيمان ، وقلة ثبات عليه . .

{ والمرجفون فِي المدينة } ناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : هزموا وقتلوا وجرى عليهم كيت وكيت ، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين .

والمعنى : لئن لم ينته المنافقون عن عدائكم وكيدكم ، والفسقة عن فجورهم ، والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء ، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التى تسوؤهم وتنوؤهم .

وقوله : { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } جواب القسم . أى : لنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل والتشريد ، يقال : أغرى فلان فلانا بكذا ، إذا حرضه على فعله .

وقوله : { ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على جواب القسم . أى : لنغرينك بهم ثم لا يبقون بعد ذلك مجاورين لك فيها إلا زمانا قليلا ، يرتحلون بعده بعيدا عنكم ، لكى تبتعدوا عن شرورهم .

وجاء العطف بثم فى قوله : { ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ } للإِشارة إلى أن إجلاءهم عن المدينة نعمة عظيمة بالنسبة للمؤمنين ، ونقمة كبيرة بالنسبة لهؤلاء المنافقين وأشباهههم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا} (60)

قوله : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ } ذلك تهديد ووعيد لفريق من شِرار الناس الذين يشيعون الفتنة والفوضى ويعيثون في الأرض الفساد وهم المنافقون الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ويخفون في أنفسهم الكراهية للإسلام ويتربصون بالمسلمين الدوائر . ثم الذين في قلوبهم مرض . فقد قيل : إنهم أنفسهم المنافقون . ومرضُ القلوب خسيسة ذميمة من النفاق تستقر في أطواء الخاسرين الذين يستسرون الكفر ويظهرون للناس الإيمان وحسن الحديث .

وقيل : هم أهل الفواحش والزنا ، والذين في قلوبهم حب الفجور . ثم المرجفون . من الإرجاف وهو التماسُ الفتنة أو إشاعة الكذب والباطل ليغتم به الناس ويستيئسوا . والمراد بالمرجفين ، قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يغمهم ويسوؤهم من عدوهم فيقولون إذا خرجت سرايا المسلمين للجهاد : إنهم قد قتلوا جميعا . أو يقولون للمسلمين : قد أتاكم العدو . وغير ذلك من الأخبار الكاذبة . وذلك هو الإرجاف فهو حرام لما فيه من إيذاء للمسلمين وإثارة للفتنة والاضطراب والفزع بينهم . وبذلك فإن المرجفين فريق مريب مفسد من أهل النفاق والخور ، يرمون إضعاف المسلمين وتداعي صفهم وانهيار مجتمعهم بإثارة البلبلة والهلع والارتباك بينهم . فقد ندد الله بهذا الصنف من الناس وتوعدهم بالعقوبة في الدنيا والآخرة . وهو قوله : { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } أي لنسلطنّك عليهم ولنحرشنّك بهم فتقتلهم { ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً } { قليلا } ، صفة لمصدر محذوف ؛ أي لا يسكنون معك في المدينة إلا مدة يسيرة حتى تخرجهم منها : { مّلعونين }