التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{۞لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا} (60)

قوله : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ } ذلك تهديد ووعيد لفريق من شِرار الناس الذين يشيعون الفتنة والفوضى ويعيثون في الأرض الفساد وهم المنافقون الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ويخفون في أنفسهم الكراهية للإسلام ويتربصون بالمسلمين الدوائر . ثم الذين في قلوبهم مرض . فقد قيل : إنهم أنفسهم المنافقون . ومرضُ القلوب خسيسة ذميمة من النفاق تستقر في أطواء الخاسرين الذين يستسرون الكفر ويظهرون للناس الإيمان وحسن الحديث .

وقيل : هم أهل الفواحش والزنا ، والذين في قلوبهم حب الفجور . ثم المرجفون . من الإرجاف وهو التماسُ الفتنة أو إشاعة الكذب والباطل ليغتم به الناس ويستيئسوا . والمراد بالمرجفين ، قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يغمهم ويسوؤهم من عدوهم فيقولون إذا خرجت سرايا المسلمين للجهاد : إنهم قد قتلوا جميعا . أو يقولون للمسلمين : قد أتاكم العدو . وغير ذلك من الأخبار الكاذبة . وذلك هو الإرجاف فهو حرام لما فيه من إيذاء للمسلمين وإثارة للفتنة والاضطراب والفزع بينهم . وبذلك فإن المرجفين فريق مريب مفسد من أهل النفاق والخور ، يرمون إضعاف المسلمين وتداعي صفهم وانهيار مجتمعهم بإثارة البلبلة والهلع والارتباك بينهم . فقد ندد الله بهذا الصنف من الناس وتوعدهم بالعقوبة في الدنيا والآخرة . وهو قوله : { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } أي لنسلطنّك عليهم ولنحرشنّك بهم فتقتلهم { ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً } { قليلا } ، صفة لمصدر محذوف ؛ أي لا يسكنون معك في المدينة إلا مدة يسيرة حتى تخرجهم منها : { مّلعونين }