تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (16)

10

المفردات :

بارزون : ظاهرون لا يسترهم جبل ولا أكمة ولا نحوها .

التفسير :

16- { يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } .

في هذا اليوم – يوم التلاق – يتلاقى الخلْق والخالق ، فيلقى كل إنسان جزاء عمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وفي هذا اليوم نجد الجميع بارزين ظاهرين بعضهم لبعض ، لا يحجبهم حجاب ، ولا جبل ، ولا سهل ولا أكمة ، فقد سوّيت الأرض ، وأزيل منها الجبال والهضاب ، فلا ترى عوجا ولا أمْتا ، وحينئذ تسأل الملائكة جميع أهل المحشر : { لمن الملك اليوم } . فيجيب الجميع مؤمنهم و كافرهم : { لله الواحد القهار } .

وفي تفسير ابن كثير :

إن إسرافيل ينفخ في الصور ، فيصعق الناس جميعا ميتين ، فينادي الحق سبحانه وتعالى : { لمن الملك اليوم } . ثلاث مرات ، فلا يجيبه أحد ، فيجيبه الحق سبحانه : { لله الواحد القهار } . الإله الواحد لا شريك له ، الذي قهر كل شيء وغلبه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (16)

{ يَوْمَ هُم بارزون } بدل من { يَوْمَ التلاق } [ غافر : 15 ] و { هُمْ } مبتدأ و { بارزون } خبر والجملة في محل جر بإضافة { يَوْمٍ } إليها ، وقيل : وهذا تخريج على مذهب أبي الحسن من جواز إضافة الظرف المستقبل كاذا إلى الجملة الاسمية نحو اجيئك إذا زيد ذاهب ، وسيبويه لا يجوز ذلك ويوجب تقدير فعل بعد الظرف يكون الاسم مرتفعاً به ، وجوز أن يكون { يَوْمٍ } ظرفاً لقوله تعالى : { لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْء } والظاهر البدلية ، وهذه الجملة استئناف لبيان بروزهم وتقرير له وإزاحة لما كان يتوهمه بعض المتوهمين في الدنيا من الاستتار توهماً باطلاً ، وجوز أن تكون خبراً ثانياً لهم .

وقيل : هي حال من ضمير { بارزون } و { يَوْمَ التلاق } يوم القيامة سمي بذلك قال ابن عباس : لالتلقاء الخلائق فيه ، وقال مقاتل : للالتقاء الخالق والمخلوق فيه . وحكاه الطبرسي عن ابن عباس ، وقال السدي : لالتقاء أهل السماء وأهل الأرض ؛ وقال ميمون بن مهران : لالتقاء الظالم والمظلوم ، وحكى الثعلبي أن ذلك لالتقاء كل امرء وعمله ، واختار بعض الأجلة ما قال مقاتل وقال : هو أولى الوجوه لما فيه من حل المطلق على ما ورد في كثير من المواضع نحو { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء لَهُ } [ الكهف : 110 ] { إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } [ يونس : 7 ] { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } [ الفرقان : 21 ] ) .

وقال «صاحب الكشف » : القول الأول وهو ما نقل عن ابن عباس أولا أشبه لجريان الكلام فيه على الحقيقة ونفي ما يتوهم من المساواة بين الخالق والمخلوق واستقلال كل من البدلين بفائدة التهويل لما في الأول من تصوير تلاقي الخلائق على اختلاف أنواعها ، وفي الثاني من البروز لمالك أمرها بروزاً لا يبقى لأحد فيه شبهة .

وأما نحو قوله تعالى : { لِقَاء رَبّهِ } فمسوق بمعنى آخر ، و { بارزون } من برز وأصله حصل في براز أي فضاء ، والمراد ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء لأن الأرض يومئذٍ قاع صفصف وليس عليهم ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء في «الصحيحين » عن ابن عباس " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلاً " وقيل : المراد خارجون من قبورهم أو ظاهرة أعمالهم وسرائرهم ، وقيل : ظاهرة نفوسهم لا تحجب بغواشي الأبدان مع تعلقها بها ، ولا يقبل هذا بدون ثبت من المعصوم ، والمراد بقوله تعالى : { مِنْهُمْ } على ما قيل : من أحوالهم وأعمالهم . وقيل : من أعيانهم ، واختير التعميم أي لا يخفى عليه عز شأنه شيء ما من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم الجلية والخفية السابقة واللاحقة .

وقرأ أبي { لِيُنذِرَ يَوْمَ } ببناء ينذر للفاعل ورفع يوم على الفاعلية مجازاً .

وقرأ اليماني فيما ذكر صاحب اللوامح { لّيُنذِرَ } مبنياً للمفعول { يَوْمٍ } بالرفع على النيابة عن الفاعل . وقرأ الحسن . واليماني فيما ذكر ابن خالويه { لّتُنذِرَ } بالتاء الفوقية فقيل : الفاعل فيه ضمير الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ضمير الروح لأنها تؤنث ؛ وقوله تعالى : { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } حكاية لما يسئل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به بتقدير قول معطوف على ما قبله من الجملة المنفية المستأنفة أو مستأنف يقع جواباً عن سؤال نشأ من حكاية بروزهم وظهور أحوالهم كأنه قيل : فما يكون حينئذٍ ؟ فقيل : يقال : { لّمَنِ الملك } الخ

ومن باب الإشارة : { لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْء لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] إذ ليس في الدار غيره ديار

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (16)

ثم صور - سبحانه - أحوال الناس فى هذا اليوم العصيب ، فقال : { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ . . . }

وهذه الجملة الكريمة بدل من قوله { يَوْمَ التلاق } أى : يلقى - سبحانه - على من يشاء من عباده ، لكى ينذر الناس من أهوال ذلك اليوم الذى يتلقى فيه الخلائق ، والذى يظهرون فيه ظهورا تاما ، دون أن يخفى منهم شئ على الله - تعالى - .

والله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أمرهم لا فى هذا اليوم ولا فى غيره ، ولكنه - سبحانه - ذكر بروزهم وعدم خفائهم عليه فى هذا اليوم ، لأنهم - لجهلهم - كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم يستطيعون التستر عنه ، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله - تعالى -

{ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } ورحم الله صاحب الشكاف : فقد قال : قوله : { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ } أى : ظاهرون لا يسترهم شئ من جبل أو أكمة أو بناء ، لأن الأرض بارزة قاع صفصف ، ولا عليهم ثياب ، إنما هم عراة مكشوفون ، كما جاء فى الحديث : " يحشرون عراة حفاة غرلا " { لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ } بيان وتقرير لبروزهم ، والله - تعالى - لا يخفى عليه منهم شئ برزوا أم لم يبرزوا ، فما معناه ؟

قلت : معناه أنهم كانوا يتوهمون فى الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب ، أن الله لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم ، فهم اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه قال - تعالى - : { ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ . . } وقوله - تعالى - : { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } السائل والمجيب هو الله - تعالى - .

أى : ينادى الله - تعالى - فى المخلوقات فى ذلك اليوم ، لمن الملك فى هذا اليوم الهائل الشديد ؟ ثم يجيب - سبحانه - على هذا السؤال بقوله : { لِلَّهِ الواحد القهار } .

قال القرطبى ما ملخصه : قال الحسن : هو السائل - تعالى - وهو المجيب ، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه ، فيجيب نفسه سبحانه فيقول : { لِلَّهِ الواحد القهار } .

فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا ، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا .

ثم قال : والقول الأول ظاهر جدا ، لأن المقصود إظهار انفراده - تعالى - بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين ، وانتساب المنتسبين ، إذ قد ذهب كل ملك وملكه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (16)

قوله : { يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ } بدل من قوله : { يَوْمَ التَّلاقِ } وقيل : يوم منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر{[4011]} وبارزون : أي خارجون من قبورهم ؛ فهم ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمةٍ أو بناء عال ؛ فالأرض بارزة بهم ؛ لأنها قاع مستوية صفصف . وحينئذ يحشرون عراة لا يسترهم شيء من ثياب أو غواش ولا ينفعهم شيء إلا الإيمان وعمل الصالحات .

قوله : { لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ } ذلك بيان من الله لعباده أن الناس بارزون يوم القيامة لا يحجبهم ولا يسترهم شيء ولا يخفى منهم على الله شيء ؛ بل هم ظاهرون مكشوفون ، مستبينون لله في أقوالهم وأعمالهم .

قوله : { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } ينادي يوم القيامة منادٍ بذلك . وذلك إذا هلك أهل السماوات والأرض فليس حينئذ من حيِّ موجود إلا الله الخالق الموجد . وقيل : قائل ذلك هو الرب سبحانه وليس حينئذ من مجيب ؛ بل الله وحده يجيب نفسه فيقول : { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } الملك لله وحده ؛ فهو سبحانه له ملكوت كل شيء وليس له في ذلك شريك ولا نديد . وهو سبحانه القوي الغالب الذي لا يقهره أحد بل هو القاهر الجبار ، المنتقم من الظالمين والخاسرين والأشرار .


[4011]:الدر المصون ج 9 ص 464