{ أم حسبتم أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ( 9 ) إذ آوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدا ( 10 ) فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ( 11 ) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ( 12 ) }
أم : حرف يدل على الانتقال من كلام إلى آخر .
الرقيم : لوح حجري رقمت فيه أسماؤهم .
9- { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرّقيم كانوا من آياتنا عجبا } .
أي لا تظنّنّ يا محمد أن قصة أصحاب الكهف والرقيم ، هي أعجب آياتنا وأغربها في الدلالة على القدرة ؛ فإن في خلق السماوات والأرض ، وتسخير الشمس والقمر ، وغير ذلك من الآيات المبثوثة في صفحات الكون ما يوفق قصة أصحاب الكهف .
قال مجاهد : أحسبت أنهم كانوا أعجب آياتنا ؟ قد كان في آياتنا ما هو أعجب12 .
{ أَمْ حَسِبْتَ } خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم والمقصود غيره كما ذهب إليه غير واحد ، و { أَمْ } منقطعة مقدرة ببل التي هي للانتقال من كلام إلى آخر لا للإبطال وهمزة الاستفهام عند الجمهور وببل وحدها عند بعض ، وقيل : هي هنا بمعنى الهمزة والحق الأول أي بل أحسبن { أَنَّ أصحاب الكهف والرقيم كَانُواْ } في بقائهم على الحياة ونومهم مدة طويلة من الدهر { مِنْ ءاياتنا } أي من بين دلائلنا الدالة على القدرة والألوهية { عَجَبًا } أي آية ذات عجب وضعا له موضع المضاف أو وصفاً لذلك بالمصدر مبالغة ، وهو خبر لكانوا و { مِنْ ءاياتنا } حال منه كما هو قاعدة نعت النكرة إذا تقدم عليها ، وجوز أبو البقاء أن يكون { عَجَبًا . وَمِنْ ءاياتنا } خبرين وأن يكون { عَجَبًا } حالاً من الضمير في الجار والمجرور وليس بذاك ، والمعنى أن قصتهم وإن كانت خارقة للعادة ليست بعجيبة بالنسبة إلى سائر الآيات التي من جملتها ما تقدم ، ومن هنا يعلم وجه الربط ، وفي «الكشف » أنه تعالى ذكر من الآيات الكلية وإن كان لتسليته صلى الله عليه وسلم وإنه لا ينبغي أن يبخع نفسه على آثارهم فالمسترشد يكفيه أدنى إشارة والزائغ لا تجدي فيه آيات النذارة والبشارة ما يشتمل على أمهات العجائب وعقبه سبحانه بقوله : { أَمْ حَسِبْتَ } الخ يعني أن ذلك أعظم من هذا فمن لا يتعجب من ذلك لا ينبغي أن يتعجب من هذا وأريد من الخطاب غيره صلى الله عليه وسلم لأنه كان يعرف من قدرته تعالى ما لا يتعاظمه لا الأول ولا الثاني فأنكر اختلافهم في حالهم تعجباً وإضرابهم عن مثل تلك الآيات البينات والاعتراض عليه بأن الإضراب عن الكلام الأول إنما يحسن إذا كان الثاني اغرب ليحصل الترقي ، وإيثار أن الهمزة للتقرير وهو قول آخر في الآية لذلك غير قادح لأن تعجبهم عن هذا دون الأول هو المنكر وهو الأغرب فافهم ، وبأن المنكر ينبغي أن يكون مقرراً عند السامع معلوماً عنده ، وهذا ابتداء إعلام منه تعالى على ما يعرف من سبب النزول كذلك لأن الإنكار من تعجبهم ويكفي في ذلك معرفتها إجمالاً وكانت حاصلة كيف وقد علمت أنه راجع إلى الغير أعني أصحاب الكتاب الذين أمروا قريشاً بالسؤال وكانوا عالمين ، ثم إنه مشترك الإلزام لأن التقرير أيضاً يقتضي العلم بل أولى انتهى ، وقال الطبري : المراد إنكار ذلك الحسبان عليه عليه الصلاة والسلام على معنى لا يعظم ذلك عندك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة فإن سائر آيات الله تعالى أعظم من قصتهم وزعم أن هذا قول ابن عباس .
ومجاهد . وقتادة . وابن إسحاق وفي القلب منه شيء ، وقيل : المراد من الاستفهام إثبات أنهم عجب كأنه قيل اعلم أنهم عجب كما تقول أعلمت أن فلاناً فعل كذا أي قد فعل فاعلمه .
والمقصود بالخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً وليس بشيء ، وزعم الطيبي أن الوجه أن يجري الكلام على التسلي والاستفهام على التنبيه ويقال : إنه عليه الصلاة والسلام لما أخذه من الكآبة والأسف من إباء القوم عن الإيمان ما أخذه قيل له ما قيل وعلل بقوله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَا } [ الكهف : 7 ] إلى آخره على معنى أنا جعلنا ذلك لنختبرهم وحين لم تتعلق إرادتنا بإيمانهم تشاغلوا به عن آياتنا وشغلوا عن الشكر وبدلوا الإيمان بالكفران فلم نبال بهم وإنا لجاعلون أبدانهم جزراً لأسيافكم كما إنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً ألا ترى إلى أولئك الفتيان كيف اهتدوا وفروا إلى الله تعالى وتركوا زينة الدنيا وزخرفها فأووا إلى الكهف قائلين : { رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } [ الكهف : 10 ] وكما تعلقت الإرادة بإرشادهم فاهتدوا تتعلق بإرشاد قوم من أمتك يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين اه ، ويكاد يكون أعجب من قصة أهل الكهف فتأمل ، والحسبان إما بمعنى الظن أو بمعنى العلم وقد استعمل بالمعنيين ، والكهف النقب المتسع في الجبل فإن لم يكن واسعاً فهو غار ، وأخرج ابن أبي حاتم أنه غار الوادي ، وعن مجاهد أنه فرجة بين الجبلين ، وعن أنس هو الجبل وهو غير مشهور في اللغة ، والرقيم اسم كلبهم على ما روي عن أنس( {[585]} ) والشعبي وجاء في رواية عن ابن جبير ويدل عليه قول أمية بن أبي الصلت :
وليس بها إلا الرقيم مجاورا*** وصيدهمو والقوم في الكهف هجدا
وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جبير أنه لوح من حجارة كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف وأمرهم ثم وضع على باب الكهف ، وقيل لوح من حجارة كتب فيه أسماؤهم وجعل في سور المدينة وروي ذلك عن السدي .
وقيل لوح من رصاص كتب فيه شأنهم ووضع في تابوت من نحاس في فم الكهف وقيل لوح من ذهب كتب فيه ذلك وكان تحت الجدار الذي أقامه الخضر عليه السلام ، وروي عن ابن عباس أنه كتاب كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السلام ، وقيل من دين قبل عيسى عليه السلام فهو لفظ عربي وفعيل بمعنى مفعول .
وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس أنه واد دون فلسطين قريب من أيلة والكهف على ما قيل في ذلك الوادي فهو من رقمة الوادي أي جانبه ، وأخرجاهما وجماعة من طريق آخر عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : لا أدري ما الرقيم وسألت كعباً فقال : اسم القرية التي خرجوا منها ، وعلى جميع هذه الأقوال يكون أصحاب الكهف والرقيم عبارة عن طائفة واحدة ، وقيل إن أصحاب الرقيم غير أصحاب الكهف وقصتهم في «الصحيحين » وغيرهما .
فقد أخرج البخاري . ومسلم . والنسائي . وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض : إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحد منهم : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل على فرق من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أنني اشتريت منه بقراً وأنه أتاني يطلب أجره فقلت أعمد إلى تلك البقر فسقها فقال لي : إنما لي عندك فرق من أرز فقلت : اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عليهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكينا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء . فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إليّ وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت : اتق الله تعالى ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركت المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله تعالى عنهم فخرجوا » وروي نحو ذلك عن ابن عباس . وأنس . والنعمان بن بشير كل يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والرقيم على هذا بمعنى محل في الجبل ، وقيل بمعنى الصخرة ، وقيل بمعنى الجبل ، ويكون ذكر ذلك تلميحاً إلى قصتهم وإشارة إلى أنه تعالى لا يضيع عمل أحد خيراً أو شراً فهو غير مقصود بالذات ، ولا يخفي أن ذلك بعيد عن السياق ، وليس في الأخبار الصحيحة ما يضطرنا إلى ارتكابه فتأمل .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أصحاب الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ ءاياتنا عَجَبًا } [ الكهف : 9 ] قال الجنيد قدس الله سره : أي لا تتعجب منهم فشأنك أعجب من شأنهم حيث أسرى بك ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وبلغ بك سدرة المنتهى وكنت في القرب كقاب قوسين أو أدنى ثم ردك قبل انقضاء الليل إلى مضجعك .
قال الإِمام الرازى : " اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف ، وسألوا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان ، فقال - تعالى - : { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً } ؟ لا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب فإن من كان قادرا على خلق السموات والأرض ، وعلى تزيين الأرض بما عليها من نبات وحيوان ومعادن ، ثم يجعلها بعد ذلك صعيدا جرزا خالية من الكل ، كيف يستبعد من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة من الناس مدة ثلاثمائة سنة وأكثر فى النوم . . " .
وعلى ذلك يكون المقصود بهذه الآيات الكريمة ، بيان أن قصة أصحاب الكهف ليست شيئاً عجبا بالنسبة لقدرة الله - تعالى - .
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول قصة أصحاب الكهف روايات ملخصها : أن قريشا بعثت النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبى معيط ، إلى أحبار اليهود بالمدينة ، فقالوا لهم : سلوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم ، وصفوا لهم صفته ، وأخبروهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول . وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء .
فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفوا لهم أمره صلى الله عليه وسلم فقالوا لهما سلوه عن ثلاث نأمركم بهن . فإن أخبركم بهن ، فهو نبى مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول .
سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ماذا كان من خبرهم . فإنهم قد كان لهم حديث عجيب .
وسلوه عن رجل طواف طاف المشارق والمغارب ماذا كان من خبره ؟ وسلوه عن الروح ، ما هو ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبى فاتبعوه .
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش . فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور .
ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا ، ثم سألوه عما قالته لهم يهود .
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سأجيبكم غدا بما سألتم عنه ولم يستثن - : أى . ولم يقل إن شاء الله - فانصرفوا عنه .
ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة . لا يحدث الله إليه فى ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبريل - عليه السلام - حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمسة عشر قد أصبحنا فيها ، لا يخبرنا بشئ عما سألناه عنه . وحتى أَحْزَن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُكْثُ الوحى عنه ، وشق عليه ما تكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب أصحاب الكهف ، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم ، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف ، وقول الله - تعالى -
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً } والخطاب فى قوله - تعالى - { أم حسبت . . . } للرسول صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره من المكلفين .
و " أم " فى هذه الآية هى المنقطعة ، وتفسر عند الجمهور بمعنى بل والهمزة ، أى : بل أحسبت ، وعند بعض العلماء تفسر بمعنى بل ، فتكون للانتقال من كلام إلى آخر ، أى : بل حسبت . ويرى بعضهم أنها هنا بمعنى الهمزة التى للاستفهام الإِنكارى أى : أحسبت أن أصحاب الكهف والرقيم .
والكهف : هو النقب المتسع فى الجبل ، فإن لم يكن فيه سعة فهو غار ، وجمعه كهوف .
والمراد به هنا : ذلك الكهف الذى اتخذه هؤلاء الفتية مستقرا لهم .
وأما الرقيم فقد ذكروا فى المراد به أقوالا متعددة منها : أنه اسم كلبهم ، ومنها أنه اسم الجبل أو الوادى الذى كان فيه الكهف ، ومنها أنه اسم القرية التى خرج منها هؤلاء الفتية .
ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن المراد به اللوح الذى كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم ، فيكون الرقيم بمعنى المرقوم - فهو فعيل بمعنى مفعول - ومأخوذ من رقمت الكتاب إذا كتبته .
ومنه قوله - تعالى - { كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ } أى مكتوب .
قال بعض العلماء : " والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم : طائفة واحدة أضيفت إلى شيئين : أحدهما : معطوف على الآخر ، خلافا لمن قال أن أصحاب الكهف طائفة ، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى ، وأن الله قص على نبيه فى هذه السورة الكريمة قصة أصحاب الكهف ، ولم يذكر له شيئا عن أصحاب الرقيم . وخلافا لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدّت عليهم باب الكهف فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت ، وهم البار بوالديه ، والعفيف ، والمستأجر ، وقصتهم مشهورة ثابتة فى الصحيح ، إلا أن تفسير الآية بأنهم هم المراد بعيد كما ترى " .
والمعنى : أظننت - أيها الرسول الكريم - أن ما قصصناه عليك من شأن هؤلاء الفتية ، كان من بين آياتنا الدالة على قدرتنا شيئا عجبا ؟ لا ، لا تظن ذلك فإن قدرتنا لا يعجزها شئ .