في منتصف سورة البقرة نجد آية جامعة لخصال البر والخير هي قوله تعالى :
{ ليس البر أن تولوا وجوهكم فبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وءاتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون( 177 ) }
البر : كل ما يتقرب به العبد إلى الله من الأيمان والعمل الصالح وكل طاعة وقربة .
قبل المشرق والمغرب : ناحيتهما .
المسكين : هو الدائم السكون لأن الحاجة أسكنته ، والعجز قد أقعده عن طلب ما يكفيه .
ابن السبيل : هو المسافر البعيد عن ماله ولا يمكنه الاتصال بأهل أو بذي قرابة .
السائلين : من ألجأتهم الحاجة إلى السؤال وتكفف الناس ، والسؤال محرم شرعا إلا لضرورة ويجب على السائل ألا يتعداها .
وفي الرقاب : أي وفي تحرير الرقاب وعتقها .
وأقام الصلاة : أداها على أقوم وجه وأحسنه .
البأساء : من البؤس وهو الفقر والشدة ،
الضراء : كل ما يضر الإنسان من مرض أو فقد حبيب من أهل المال .
تتعلق هذه الآية بتحويل القبلة . وذلك أن المسلمين في مكة كانوا يتوجهون إلى الكعبة في صلاتهم ، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة أمرهم الله أن يتجهوا بصلاتهم إلى بيت المقدس ، واستمرت صلاتهم إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا . ثم جاء الأمر الأخير بتوجههم صلاتهم إلى الكعبة .
قال تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } . ( البقرة : 144 ) وقد انطلقت أبواب اليهود تلوم المسلمين وتشككهم في حقيقة دينهم ، وقالوا لهم : إن كان الوجه إلى بيت المقدس باطلا فقد ضاعت صلاتكم طوال هذه الفترة .
وإن كان حقا فالتوجه الجديد إلى المسجد الحرام باطل وصلاتكم إليه ضائعة ، وقد رد الله على اليهود شبهتهم ثم قال : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } . أي صلاتكم إلى بيت المقدس .
وإذا نحن تلمسنا حكمة التوجه إلى بيت المقدس في بداية الهجرة إلى المدينة نجد أن ذلك تم لحكمة تربوية هي تخليص المسلمين من كل نعرة عصبية . ذلك أن العرب كانوا يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم ويعدونه عنوان مجدهم القديم .
ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله وتجريدها من التعلق بغيره ، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغبر المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة ، فقد نزع المسلمون من الاتجاه إلى البيت الحرام واختار لهم الاتجاه فترة إلى المسجد الحرام ، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية ، وليظهر من يتبع الرسول اتباعا مخلصا حتى إذا استسلم المسلمون واتجهوا إلى البيت المقدس صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى البيت الحرام .
قال تعالى : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } . ( البقرة : 143 )
توجه الخطاب في هذه الآية لأهل الكتاب ، لأنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة ، حين حولت إلى الكعبة ، فقال الله لهم ما معناه ليس البر في أن تولوا وجوهكم ، في أية ناحية من نواحي الأرض حتى يكون ذلك موضع اهتمامكم ، ومثار فتنتكم للمؤمنين بغير حق .
ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر : يعني ولكن البر الذي يحق الاهتمام بشأنه هو في إيمان من آمن بالله وبالحساب والجزاء في اليوم الآخر وفي إيمان من آمن بالملائكة وبالكتب المنزلة . . .
وقد بين الإمام ابن كثير أن الخطاب في الآية موجه إلى المسلمين وإلى اليهود : " فإن الله تعالى لما أمر المسلمين بالتوجه إلى البيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة ، شق ذلك ، على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين . فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل وامتثال أوامره ، والتوجه حيثما وجه واتباع ما شرع ، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل ، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه .
ولهذا قال : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر } . الآية .
كما قال في الأضاحي والهدايا : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } .
لقد ضرب الله مثلا بالتوجه إلى المشرق والمغرب ليوضح عدم جدوى التمسك بظاهر الشعائر والطقوس الدينية حيث لا خير في مجرد أداء الشعائر والعبادات الشكلية أو إظهار التقوى والورع ليس بالخير الحقيقي عند الله ولا وزن لذلك في عينه تعالى .
وقد صورت هذه الآية جميع مكارم الأخلاق ، وجمعت بين الإيمان والعمل ، وبين حقوق الله وحقوق العباد ، وبين جهاد النفوس وجهاد الأعداء ، وبين صلاح الأفراد والجماعات .
قال الثوري : " في هذه الآية أنواع البر كلها " .
وصدق فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل إلى عرى الإسلام كلها بمجامع الخير كله .
وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى ربا وخالقا ورازقا بيده الخير والأمر ، وهو على كل شيء قدير .
والإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث وحشر وثواب وعقاب ليلقى كل إنسان جزاء عمله .
والإيمان بالملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله .
والإيمان بالكتاب وهو اسم جني يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها ، وهو القرآن المبين على ما فبله من الكتب .
والإيمان بالنبيين هو الإيمان بالرسالات جميعا وبالرسل أجمعين .
6- وآتى المال حلى حبه ذوي القربى .
أي أخرجه وهو محب له راغب فيه ولكن غلب جانب الإيثار وضحى بالعاجلة في سبيل الآجلة ، وتحرر من عبودية المال وأنفقه في وجوه الخير على : ذوي القربى . وهم أقرباؤه ، روى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الصدقة على المساكين صدقة ، وعلى ذوي الرحم ثنتان : صدقة وصلة " ورواه الترمذي وقال حديث حسن .
وأنفق المال أيضا عن رغبة وطيب نفس على اليتيم الذي فقد ولده .
وهو المسافر المنقطع عن ماله ، وهو في حاجة على المساعدة والمعاونة حتى يستطع الوصول إلى بلده ، وفي هذا تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغي أن يكونوا في التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسر الواحدة .
وفي تحرير الرقاب ، وعتق الأرقاء وتخليص الأسرى من يد العدو بفدائهم . وهذه الأصناف الستة التي ذكري في تلم الجملة الكريمة : وآتى المال على حبه . . . ليس المقصود من ذكرها الاستيعاب والحصر ، ولكنها ذكرت كأمثلة وخصت بالذكر لأنها أحوج من غيرها إلى العون والمساعدة .
ومن ينظر في القرآن الكريم يجده قد عنى عناية كبرى بالفقراء والمساكين ، وجميع أصناف المحتاجين حتى لا تكاد سورة من سوره تخلوا من الحث على الإنفاق عليهم وبذل العون في مساعدتهم ، وأيضا هناك العديد من الأحاديث النبوية في الحض على مد يد العون إلى ذوي القرابة والمعسرين ، وذلك لأن المجتمعات تحيى وتنهض بالتراحم ، وتذل وتشقى بالتقاطع والتدابير بين أبنائها .
ثم ذكرت الآية ألوانا أخرى من البر تدل على قوة الإيمان ، وحسن الخلق فقالت :
أي أداها كاملة الأركان في أوقاتها مخلصا فيها مناجيا ربه ساجدا لخالقه فالصلاة صلة بين المخلوق والخالق ، وهي حصن الأمان وراحة النفس ودليل الإيمان بالله رب العالمين .
أي أعطى الزكاة المفروضة في ماله وهي نسبة 3/1 العشر من رأس المال أو 2/1 2% ، وللزكاة أثرها في تكافل المجتمع وترابطه وهي ركن عظيم من أعمال البر ومن ثم أجمع الصحابة على محاربة مانعي الزكاة من العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن مانعها يهدم ركنا من أركان الإسلام ، وينقض أساس الإيمان .
13- { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } .
أي والذين يوفون بعهودهم إذا عاهدوا عليها ، وهذا شامل لما يعاهد عليه الناس بعضهم بعضا ولما يعاهد عليه المؤمنون ربهم من السمع والطاعة لكل ما أمر به .
ومثل العهود العقود فيجب علينا الوفاء بها ما لم تكن مخالفة لقواعد الدين العامة .
وفي الوفاء بالعهود والعقود حفظ كيان المجتمع من أن ينفرط عقده ، كما أ الغدر والإخلاف هادم للنظام ، مفسد للعمران .
ولو شمل الناس الوفاء لسلموا من التطاحن والبلاء .
15- { والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس } .
أي الصابرين لدى الفقر والشدة وعند الضر من مرض وفقد أهل أو ولد ومال ، وفي ميادين القتال . والبأساء من البؤس وهي ما يصيب الناس في الأموال كالفقر والاحتياج .
والضراء من الضر وهي ما يصيبهم في أنفسهم كالأمراض والأسقام ، وحين البأس أي ووقت القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته .
{ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } .
أي هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البر هم الصادقون في إيمانهم وفي كل أحوالهم ، وأولئك هم المتقون لعذاب الله تعالى بسبب امتثالهم لأوامره .
وقد رسمت هذه الآية الكريمة منهجا متكاملا للحياة الإسلامية واشتملت على خمسة عشر نوعا من أنواع البر الذي يهدي إلى الحياة السعيدة في الدنيا وإلى رضا الله تعالى في الآخرة .
وقد أرشدت إلى أن البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير وبر في العقيدة ، وبر في العمل ، وبر في الخلق .
أما بر العقيدة فقد بينته أكمل بيان في قوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولمن البر من آمن بالله والآخر والملائكة والكتاب والنبيين . فقد جمعت في هذه الجملة الكريمة مالا يتم الإيمان إلا بتحقيقه .
وأما بر العمل فقد وضحته أبلغ توضيح في قوله تعالى : وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب . ولاشك أن إنفاق المال في تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد والجماعات والأمم .
وأما بر الخلق فقد ذكرته بأحكم عبارة في قوله تعالى : { وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس } .
وذلك لأن التمسك بهذه الفضائل أداء الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود ، والتذرع بالصبر ، يدل على صفاء الإيمان وطهارة الوجدان وحسن الخلق .
وهكذا تجمع آية واحدة من كتاب الله بين بر العقيدة وبر العمل وبر الخلق .
إن سعادة المسلمين تكون في عودتهم إلى دينهم ، وإلى كتاب ربهم وهدى نبيهم : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا . ( الإسراء : 82 ) .
{ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب } . البر اسم جامع لأنواع الخير والطاعات المقربة إلى الله تعالى والخطاب لأهل الكتابين والمراد من { قِبَلَ المشرق والمغرب } السمتان المعينان ، فإن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس من أفق مكة ، والنصارى قبل المشرق والآية/ نزلت رداً عليهم حيث أكثروا الخوض في أمر القبلة وادعى كل طائفة حصر البر على قبلته رداً على الآخر فرد الله تعالى عليهم جميعاً بنفي جنس البر عن قبلتهم لأنها منسوخة ، فتعريفه للجنس لإفادة عموم النفي لا للقصر إذ ليس المقصود نفي القصر أو قصر النفي . ويحتمل أن يكون الخطاب عاماً لهم وللمسلمين فيكون عوداً على بدء فإن الكلام في أمر القبلة وطعنهم في النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كان أساس الكلام إلى هذا القطع ، فجعل خاتمة كلية أجمل فيها ما فصل . والمراد من ذكر المشرق والمغرب التعميم لا تعيين السمتين وتعريف البر حينئذ إما للجنس فيفيد القصر ، والمقصود نفي اختصاص البر بشأن القبلة مطلقاً على ما يقتضيه الحال من كثرة الاشتغال والاهتمام بذلك والذهول عما سواه ، وإما لعهد أي ليس البر العظيم الذي أكثرتم الخوض فيه وذهلتم عما سواه ذلك ، وقدم المشرق على المغرب مع تأخر زمان الملة النصرانية رعاية لما بينهما من الترتيب المتفرع على ترتيب الشروق والغروب ، وقرأ حمزة وحفص البر بالنصب والباقون بالرفع ووجه الأول : أن يكون خبراً مقدما كما في قوله :
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم *** فليس ( سواءاً ) عالم وجهول
وحسن ذلك أن المصدر المؤول أعرف من المحلى باللام ؛ لأنه يشبه الضمير من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به والأعرف أحق بالاسمية ولأن في الاسم طولاً فلو روعي الترتيب المعهود لفات تجاوب أطراف النظم الكريم . ووجه الثانية : أن كل فريق يدعي أن البر هذا فيجب أن يكون الرد موافقاً لدعواهم وما ذلك إلا بكون البر اسماً كما يفصح عنه جعله مخبراً عنه في الاستدراك . وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : { لَّيْسَ البر } بالنصب بأن تولوا بالباء
{ ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله } تحقيق للحق بعد بيان بطلان الباطل ، و( أل ) في البر إما للجنس فيكون القصر ادعائياً لكمال ذلك الجنس في هذا الفرد ، وإما للعهد أي ما ينبغي أن يهتم به ويعتني بشأنه ويجد في تحصيله ، والكلام على حذف مضاف أي برّ من آمن إذ لا يخبر بالجثة عن المعنى ويجوز أن لا يرتكب الحذف ويجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل أو يقال باطلاق البر على البار مبالغة ، والأول أوفق لقوله : { لَّيْسَ البر } وأحسن في نفسه لأنه كنزع الخف عند الوصول إلى الماء ولأن المقصود من كون ذي البر من آمن إفادة أن البر إيمانه فيؤول إلى الأول .
والمراد بهذا الإيمان إيمان خال عن شائبة الإشراك لا كإيمان اليهود والنصارى القائلين عزيز ابن الله والمسيح ابن الله وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن ) بالتخفيف ، وقرأ بعضهم البار بصيغة اسم الفاعل .
{ واليوم الأخر } أي المعاد الذي يقول به المسلمون وما يتبعه عندهم { والملائكة } أي وآمن بهم وصدق بأنهم عباد مكرمون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة ومنهم المتوسطون بينه تعالى وبين أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام بإلقاء الوحي وإنزال الكتب { والكتاب } أي جنسه فيشمل جميع الكتب الإلهية لأن البر الإيمان بجميعها وهو الظاهر الموافق لقرينه ولما ورد في الحديث : «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله » أو القرآن لأنه المقصود بالدعوة والكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً والإيمان به الإيمان بجميع الكتب لكونه مصدقاً لما بين يديه ، وقيل : التوراة ويبعده عدم ظهور القرينة المخصصة لها وأن الإيمان بها لا يستلزم الإيمان بالجميع إلا باعتبار استلزامه الإيمان بالقرآن ، والإيمان بالكتب أن يؤمن بأنها كلام الرب جل شأنه منزهة عن الحدوث منزلة على ذويها ظاهرة لديهم حسبما اقتضته الحكمة من اللغات { والنبين } أي جميعهم من غير تفرقة بين أحد منهم كما فعل أهل الكتابين والإيمان بهم أن يصدق بأنهم معصومون مطهرون وأنهم أشرف الناس/ حسباً ونسباً وأن ليس فيهم وصمة ولا عيب منفر ويعتقد أن سيدهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع والتمسك بها لازم لجميع المكلفين إلى يوم القيامة .
{ والنبيين وَءاتَى المال على حُبّهِ } حال من ضمير ( ءاتى ) ، والضمير المجرور للمال أي أعطى المال كائناً على حب المال والتقييد لبيان أفضل أنواع الصدقة فقد أخرج البخاري . ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا لفلان كذا الا وقد كان لفلان » وفي هذا إيذان بأن درجات الثواب تتفاوت حسب تفاوت المراتب في الحب حتى إن صدقة الفقير والبخيل أفضل من صدقة الغني والكريم إلا أن يكونا أحب للمال منهما ، ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : «أفضل الأعمال أحمزها » وجوز رجوع الضمير لله تعالى أو للمصدر المفهوم من الفعل ، والتقييد حينئذ للتكميل ، وبيان اعتبار الإخلاص أو طيب النفس في الصدقة ودفع كون إيتاء المال مطلقاً براً ، والأول : هو المأثور عن السلف الصالح ، ولعله المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
{ ذَوِي القربى } مفعول أول ل { أتى } قدم عليه مفعوله الثاني للاهتمام أو لأن فيه مع ( ما ) عطف عليه طولا لو روعي الترتيب لفات تجاوب الأطراف ، وهو الذي اقتضى تقديم الحال أيضاً ، وقيل : هو المفعول الثاني ، والمراد ب { ذَوِي القربى } ذوو قرابة المعطي لكن المحاويج منهم لا مطلقاً لدلالة سوق الكلام ، وعد مصارف الزكاة على أن المراد الخير والصدقة وإيتاء الأغنياء هبة لا صدقة ، وقدم هذا الصنف لأن إيتاءهم أهم فقد صح عن أم كلثوم بنت عقبة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح » وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن سلمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة »
{ واليتامى } عطف على { ذَوِي القربى } وقيل : على { القربى } إذ لا يصح إيصال المال إلى من لا يعقل فالمعطي حينئذ كافلهم لأجلهم ، وفيه ما لا يخفى { والمساكين } جمع مسكين وهو الدائم السكون لما أن الحاجة أسكنته بحيث لا حراك به أو دائم السكون والالتجاء إلى الناس ، وتخصيصه بمن لا شيء له أو بمن لا يملك ما يقع موقعاً من حاجته خارج عن مفهومه { وابن السبيل } أي المسافر كما قاله مجاهد وسمي بذلك لملازمته الطريق في السفر أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه فهو أبداً يتوق إلى الجمع ، ويشتاق إلى الربع ، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف إلى عطنه ، أو لأنه لما لم يكن بين أبناء السبيل ، والمعطي تعارف غالباً يهون أمر الإعطاء ويرغب فيه أفردهم ليهون أمر إعطائهم وليشير إلى أنهم وإن كانوا جمعاً ينبغي أن يعتبروا كنفس واحدة فلا يضجر من إعطائهم لعدم معرفتهم وبعد منفعتهم فليفهم ، وروي عن ابن عباس وقتادة وابن جبير أنه الضيف الذي ينزل بالمسلمين { والسائلين } أي الطالبين للطعام سواء كانوا أغنياء إلا أن ما عندهم لا يكفي لحاجتهم أو فقراء كما يدل عليه ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «للسائل حق وإن جاء على فرس » فإن الجائي على فرس يكون في الغالب غنياً ، وقيل : أرد المساكين/ الذين يسألون فتعرف حالهم بسؤالهم ، والمساكين السابق ذكرهم الذين لا يسألون وتعرف حاجتهم بحالهم وإن كان ظاهرهم الغنى وعليه يكون التقييد في الحديث لتأكيد رعاية حق السائل وتحقيق أن السؤال سبب للاستحقاق ، وإن فرض وجوده من الغني كالقرابة واليتم .
{ وَفِي الرقاب } متعلق ب { أتى } أي آتى المال في تخليص الرقاب وفكاكها بمعاونة المكاتبين ، أوفك الأسارى ، أو ابتياع الرقاب لعتقها ، والرقبة مجاز عن الشخص وإيراد كلمة في للإيذان بأن ما يعطى لهؤلاء مصروف في تخليصهم لا يملكونه كما في المصارف الأخر { وَأَقَامَ الصلاة } عطف على صلة ( من ) والمراد بالصلاة المفروضة كالزكاة في { وَءاتَى الزكواة } بناءاً على أن المراد بما مر من إيتاء المال نوافل الصدقات وقدمت على الفريضة مبالغة في الحث عليها ، أو حقوق كانت في المال غير مقدرة سوى الزكاة ، أخرج الترمذي والدارقطني وجماعة عن فاطمة بنت قيس قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " في المال حق سوى الزكاة ثم قرأ الآية " وأخرج البخاري في «تاريخه » عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحو ذلك ، واختلف هل بقي هذا الحق أم لا ؟ فذهب قوم إلى الثاني واستدلوا بما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً نسخ الأضحى كل ذبح ، ورمضان كل صوم ؛ وغسل الجنابة كل غسل ، والزكاة كل صدقة وقال جماعة بالأول لقوله تعالى : { وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم } [ الذاريات : 9 1 ] ولقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاً وجاره طاو إلى جنبه " وللإجماع على أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوا مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ولو امتنعوا عن الأداء جاز الأخذ منهم وأجابوا عن الحديث بأنه غريب معارض ، وفي إسناده المسيب بن شريك ، وهو ليس بالقوي عندهم وبأن المراد أن الزكاة نسخت كل صدقة مقدرة ، وجوز أن يكون المراد بما مر الزكاة المفروضة أيضاً ولا تكرار ؛ لأن الغرض مما تقدم بيان مصارفها ، ومن هذا بيان أدائها والحث عليها وترك ذكر بعض المصارف لأن المقصود ههنا بيان أبواب الخير دون الحصر ، وقدم بيان المصرف اهتماماً بشأنه فإن الصدقة إنما تعتبر إذا كانت في مصرفها ومحلها كما يدل عليه قوله تعالى : { قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والأقربين } [ البقرة : 5 21 ] وعلى هذا يتعين أن يراد بالسائلين الفقراء
{ والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا } عطف على { مَنْ ءامَنَ } ولم يقل وأوفى كما قبله إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء ، وقيل : رمزاً إلى أنه أمر مقصود بالذات ، وقيل : إيذاناً بمغايرته لما سبق فإنه من حقوق الله تعالى والسابق من حقوق الناس ، وعلى هذا فالمراد بالعهد ما لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً من العهود الجارية فيما بين الناس ، والظاهر حمل العهد على ما يشمل حقوق الحق وحقوق الخلق ، وحذف المعمول يؤذن بذلك ، والتقييد بالظرف للإشارة إلى أنه لا يتأخر إيفاؤهم بالعهد عن وقت المعاهدة ، وقيل : للإشارة إلى عدم كون العهد من ضروريات الدين وليس للتأكيد كما قيل : به { والصابرين في البأساء والضراء } نصب على المدح بتقدير أخص أو أمدح وغير سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته على سائر الأعمال حتى كأنه ليس من جنس الأول ، ومجي القطع في العطف مما أثبته الأئمة الأعلام ووقع في الكتاب أيضاً واستحسنه الأجلة وجعلوه أبلغ من الاتباع وقد جاء في النكرة أيضاً كقول الهذلي :
ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثا مراضيع مثل السعالى
/و البأساء البؤس والفقر ، والضراء السقم والوجع وهما مصدران بنيا على فعلاء وليس لهما أفعل لأن أفعل وفعلاء في الصفات والنعوت ولم يأتيا في الأسماء التي ليست بنعوت وقرئ ( والصابرون ) كما قرئ ( والموفين ) .
{ وَحِينَ البأس } أي وقت القتال وجهاد العدو وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر والصبر على القتال فوق الصبر على المرض ، وعدى الصبر على الأولين بفي ؛ لأنه لا يعد الإنسان من الممدوحين إذا صبر على شيء من ذلك إلا إذا صار الفقر والمرض كالظرف له ، وأما إذا أصاباه وقتاً مّا وصبر فليس فيه مدح كثير إذ أكثر الناس كذلك وأتى بحين في الأخير لأن القتال حالة لا تكاد تدوم في أغلب الأوقات .
{ أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا } في إيمانهم أو طلب البر . { وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون } عذاب الله تعالى بتجنب معاصيه وامتثال أوامره ، وأتى بخبر أولئك الأولى : موصولاً بفعل ماض إيذانا بتحقق اتصافهم به ، وإن ذلك قد وقع منهم واستقر ، وغاير في خبر الثانية : ليدل على أن ذلك ليس بمتجدد بل صار كالسجية لهم ، وأيضاً لو أتى به على طبق سابقه لما حسن وقوعه فاصلة ، هذا والآية كما ترى مشتملة على خمس عشرة خصلة وترجع إلى ثلاثة أقسام ، فالخمسة الأولى منها تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل صحة الاعتقاد ، وآخرها قوله : { والنبيين } وافتتحها بالإيمان بالله واليوم الآخر لأنهما إشارة إلى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب في الحقيقة فليلتئم مع ما نفاه أولاً غاية الالتئام ، والستة التي بعدها تتعلق بالكمالات النفسية التي هي من قبيل حسن معاشرة العباد وأولها { لَّيْسَ البر } وآخرها { وَفِي الرقاب } والأربعة الأخيرة تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل تهذيب النفس وأولها { لَّيْسَ البر } وآخرها { وَحِينَ البأس } ولعمري من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان ونال أقصى مراتب الإيقان .
ومن باب التأويل : { لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ } مشرق عالم الأرواح ومغرب عالم الأجساد فإن ذلك تقيد واحتجاب { ولكن البر } بر الموحد الذي آمن بالله والمعاد في مقام الجمع وشاهد الجمع في تفاصيل الكثرة ولم يحتجب بالجمع عن التفصيل الذي هو باطن عالم الملائكة وظاهر عالم النبيين والكتاب الجامع بين الظاهر والباطن { وَءاتَى } العلم الذي هو مال القلب مع كونه محبوباً ذوي قربى القوى الروحانية القريبة منه ، ويتامى القوى النفسانية المنقطعة عن الأب الحقيقي وهو نور الروح ، ومساكين القوى الطبيعية التي لم تزل دائمة السكون إلى تراب البدن وأبناء السبيل السالكين إلى منزل الحق ، والسائلين الطالبين بلسان استعدادهم ما يكون غذاء لأرواحهم ، وفي فك رقاب عبدة الدنيا وأسراء الشهوات بالوعظ والإرشاد ، وأقام صلاة الحضور ، وآتى ما يزكي نفسه بنفي الخواطر ومحو الصفات ، والموفون بعهد الأزل بترك المعارضة في العبودية والإعراض عما سوى الحق في مقام المعرفة ، والصابرين في بأساء الافتقار إلى الله تعالى دائماً ، وضراء كسر النفس ، وحين بأس محاربة العدو الأعظم { أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا } الله تعالى في السير إليه وبذل الوجود { وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون } عن الشرك المنزهون عن سائر الرذائل .