{ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم( 247 ) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين( 148 ) }
طالوت : اسم أعجمي قيل هو المسمى في التوراة باسم شاول وقيل إن هذا الإسم لقب له من الطول كملكوت من الملك لأن طالوت كان طويلا جسيما .
أنى يكون : كيف يكون أو من أين يكون .
سعة من المال : كثرة وفيرة من المال .
وقال لهم نبيهم إن الله استجاب لكم ، فاختار طالوت حاكما عليكم ، فاعترض كبراؤهم على اختيار الله قائلين : يكون ملكا علينا ونحن أولى منه ، لأنه ليس بذي نسب ولا مال ، قائلا : إن الله اختاره حاكما عليكم لتوافر صفات القيادة فيه ، وهي سعة الخبرة بشؤون الحرب وسياسة الحكم مع قوة الجسم ، والسلطان بيد الله يعطيه من يشاء من عباده ، ولا يعتمد على وراثة أو مال وفضل الله وعلمه شامل ، يختار ما فيه مصالحكم .
{ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا . . . }
أي قال لهم نبيهم بعد أن أوحي الله إليه بما أوحى ، إن الله تعالى وهو العليم الخبير بأحوال عباده قد اختار لكم ، ومن أجل مصلحتكم طالوت ليكون ملكا عليكم ، وقائدا لكم في قتالكم لأعدائكم فأطيعوه واتبعوا ما يأمركم به .
{ قالوا أنى يكون له ملكا علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤتمن المال . . . }
تشير هذه الجملة إلى طبيعة بني إسرائيل من اللجاجة والعناد لقد كانوا يطلبون ملكا يقاتلون تحت لوائه ، فلما اختار الله طالوت أنكره اختياره وتعجبوا منه ، وقالوا : كيف يكون له الملك علينا ، والحال أننا أحق بالملك منه ، لأننا أشرف منه نسبا ، إذ منا من هو نسل الملوك ، أما طالوت فليس من نسلهم وفضلا عن ذلك فهو لا يملك م المال ما يملكه بعضنا ، فكيف يكون هذا الشخص ملكا علينا ؟ .
فأنت تراهم لانعدام المقاييس الصحيحة عندهم ، ظنوا أن المؤهلات الحقيقة لاستحقاق الملك والقيادة ، إنما تكون بالنسب وكثرة المال أما الكفاءة العقلية والقوة البدنية والقدرة الشخصية فلا تؤهل للملك في نظرهم ، وكل هذا غش في التصور ، كما أنه من سمات بني إسرائيل المعروفة .
قال بعض الكم فسرين : " وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل ، وهو سبط لاوي بن يعقوب ، وسبط المملكة بسبط يهوذا ، ولم يكن طالوت من أحد هذين السبطين بل من ولد بنيامين " ( 297 ) .
واستبعد الأستاذ محمد عبده هذا القول من المفسرين وقال : " ولا يصح كلامهم في بيت الملك لأنه لم يكن فيه ملوك قبله ، ونفيهم سعة المال التي تؤهله للملك في رأي القائلين لا تدل على أنه كان فقيرا وإنما العبرة في العبارة هي ما دلت عليه من طباع الناس ، وهي أنهم يرون أن الملك لابد أن يكون وارثا للملك ، أو ذا نسب عظيم يدبر به الملك ، والسبب في هذا أنهم قد اعتادوا الخضوع للشرفاء والأغنياء وإن لم يمتازوا عليهم بمعارفهم وصفاتهم الذاتية ، فبين الله أنهم مخطئون في زعمهم أن استحقاق الملك يكون بالنسب وسعة المال . ( 298 ) .
{ قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم }
إن الله فضله واختاره للملك ومنحه عدة مؤهلات :
2- السعة في العلم الذي يكون فيه التدبير ويشمل ذلك معرفته بأحوال أمته واستثمار قوى الخير فيها .
3- بسطة الجسم الملتزم لصحة الفكر على قاعدة " العقل السليم في الجسم السليم " والشجاعة والقدرة على المدافعة والهيبة والوقار .
4- توفيق الله وتسخيره لأسباب الملك .
والاستعداد هو الركن الأول في المرتبة فلذلك قد همه ، والعلم بحال الأمة ومواضع قوتها وضعفها وجودة الفكر في تدبير شئونها هو الركن الثاني في المرتبة ، فكم من عالم بحال زمانه غير مستعد للسلطة . اتخذه من هو مستعد لها سراجا يستضيء برأيه في تأسيس مملكته أو سياستها ، ولم ينهض به رأيه إلى أن يكون هو السيد الزعيم فيها .
" وكمال الجسم في قواه هو الركن الثالث في المرتبة ، وهو في الناس أكثر من سابقيه ، وأما المال فليس بركن من أركان تأسيس الملك لأن المزايا الثلاث إذا وجدت سهل على صاحبها الإتيان بالمال ، وإنا لنعرف في الناس من أسس دولة وهو فقير أمي ولمن استعداده ومعرفته بحال الأمة التي سادها وشجاعته كانت كافية للاستيلاء عليها والاستعانة بأهل العلم والإرادة ، والشجعان على تمكن سلطته فيها " ( 299 ) .
{ والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم } : فالله سبحانه إذا أراد أمرا هيأ له الأسباب ثم قال له : كن فيكون .
( فإيتاؤه الملك لمن يشاء بمقتضى سنته ، إما يكون بجعله مستعدا للملك في نفسه وبتوفيق الأسباب لسعيه في ذلك " ( 300 ) .
{ والله واسع } : الفضل والعطاء عليم بشؤون عباده خبير بأحوالهم وأعمالهم .
قال تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير }( آل عمران : 26 ) .
{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } شروع في التفصيل بعد الإجمال أي قال بعد أن أوحى لهم ما أوحي { إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا } يدبر أمركم وتصدرون عن رأيه في القتال . وطالوت فيه قولان أظهرهما أنه علم أعجمي عبري كداود ولذلك لم ينصرف ، وقيل : إنه عربي من الطول وأصله طولوت كرهبوت ورحموت فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ومنع صرفه حينئذ للعلمية وشبه العجمة لكونه ليس من أبنية العرب ، وأما ادعاء العدل عن طويل ، والقول بأنه عبراني وافق العربي فتكلف . و{ مَلَكًا } حال من { طَالُوتُ } أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن نبيهم لما دعا ربه أن يملكهم أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت . وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن وهب بن منبه أنه لما دعا تعالى قال له : أنظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي فيه فهو ملك بني إسرائيل فأدهن رأسه منه وملكه عليهم فأقام ينتظر متى يدخل ذلك الرجل عليه ، وكان طالوت رجلاً دباغاً يعمل الأدم ، وقيل : كان سقاءاً وكان من سبط بنيامين بن يعقوب عليه السلام ولم يكن فيهم نبوة ولا ملك فخرج طالوت في ابتغاء دابة له ضلت ومعه غلام فمرا ببيت النبي فقال غلام طالوت له : لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر دابتنا فيرشدنا ويدعو لنا فيها بخير فقال طالوت : ما بما قلت من بأس فدخلا عليه فبينما هو عنده يذكر له شأن دابته ويسأله أن يدعو له إذ نش الدهن الذي في القرن فقام إليه النبي فأخذه ثم قالت لطالوت : قرب رأسك فقربه فدهنه منه ثم قال : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملك عليهم فجلس عنده وقال الناس : ملك طالوت فأتت عظماء بني إسرائيل نبيهم مستغربين ذلك حيث لم يكن من بيت النبوة ولا الملك .
{ قَالُواْ أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا } أي من أين يكون أو كيف يكون له ذلك ؟ والاستفهام حقيقي أو للتعجب/ لا لتكذيب نبيهم والإنكار عليه في رأي ، وموضعه نصب على الحال من الملك ، ويكون يجوز أن تكون الناقصة فيكون الخبر ( له ) ، و( علينا ) حال من الملك أو الخبر ( علينا ) و( له ) حال ، ويجوز أن تكون التامة فيكون له متعلقاً بها . و{ عَلَيْنَا } حال { وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ المال } الواو الأولى : حالية ، والثانية : عاطفة جامعة للجملتين أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق منه ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال ، أو لعدم ما يجبر نقصه لو كان ويلحقه بالأشراف عرفاً من ذلك ، وأصل سعة وسعة بالواو وحذفت لحذفها من يسع وكان حق الفعل كسر السين فيه ليتأتى الحذف كما في يعد ، وإنما ارتكب الفتح لحرف الحلق فهو عارض ، ولذا أجرى عليه حكم الكسرة ، ولذلك الفتح فتحت السين في المصدر ولم تكسر كما كسرت عين عدة .
{ قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ } رد عليهم بأبلغ وجه وأكمله كأنه قيل : لا تستبعدوا تملكه عليكم لفقره وانحطاط نسبه عنكم ، أما أولاً : فلأن ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى وقد اصطفاه واختاره وهو سبحانه أعلم بالمصالح منكم ، وأما ثانياً : فلأن العمدة وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية ، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب وأقوى على كفاح الأعداء ومكابدة الحروب لا ما ذكرتم وقد خصه الله تعالى بحظ وافر منهما ، وأما ثالثاً : فلأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق وللمالك أن يمكن من شاء من التصرف في ملكه بإذنه ، وأما رابعاً : فلأنه سبحانه واسع الفضل يوسع على الفقير فيغنيه ، عليم بما يليق بالملك من النسيب وغيره ، وفي تقديم البسطة في العلم على البسطة في الجسم إيماء إلى أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف من الفضائل الجسمانية بل يكاد لا يكون بينهما نسبة لا سيما ضخامة الجسم ولهذا حمل بعضهم البسطة فيه هنا على الجمال أو القوة لا على المقدار كطول القامة كما قيل : إن الرجل القائم كان يمد يده حتى ينال رأسه فإن ذلك لو كان كمالاً لكان أحق الخلق به رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه عليه الصلاة والسلام كان ربعة من الرجال ، ولعل ذكر ذلك على ذلك التقدير لأنه صفة تزيد الملك المطلوب لقتال العمالقة حسناً لأنهم كانوا ضخاماً ذوي بسطة في الأجسام وكان ظل ملكهم جالوت ميلاً على ما في بعض الأخبار لا أنها من الأمور التي هي عمدة في الملوك من حيث هم كما لا يخفى على من تحقق أن المرء بأصغريه لا بكبر جسمه وطول برديه .
وفي اختيار واسع وعليم في الأخبار عنه تعالى هنا حسن المناسبة لبسطة الجسم وكثرة العلم ما تهتش له الخواطر لا سيما على ما يتبادر من بسطة الجسم ، وقدم الوصف الأول مع أن ما يناسبه ظاهراً مؤخر لأن له مناسبة معنى لأول الأخبار إذ الاصطفاء من سعة الفضل أيضاً ، ولأنّ عليم أوفق بالفواصل وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ } الروح الإنساني ملكاً متوجاً بتاج الأنوار الإلهية جالساً على كسرى التدبيرات الصمدانية { قَالُواْ } : لاحتجابهم بحجاب الأنانية وغفلتهم عن العلوم الحقانية كيف يكون له الملك علينا مع انحطاط مرتبته بتنزله إلى عالم الكثافة من عالمه الأصلي وليس فيه مشابهة لنا { وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ } لاشتراكنا في عالمنا ومشابهة بعضنا بعضاً وشبيه الشيء ميال إليه قريب اتباعه له :
{ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً } من مال التصرف إذ لا يتصرف إلا بالواسطة { قَالَ إِنَّ الله } تَعَالَى اختاره عليكم لبساطته وتركبكم وزاده سعة في العلم الإلهي وقوة في الذات النوراني ، { والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء } فيدبره بإذنه ، { والله واسع } لسعة الإطلاق ، { عَلِيمٌ } [ البقرة : 7 24 ] بالحكم التي تقتضي الظهور والتجلي بمظاهر الأسماء ،