تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

الحجاب

{ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 31 ) } .

تمهيد :

يخاطب القرآن الرجال في كثير من آياته باعتبارهم الجنس الغالب الذي يتأتى منه الخطاب غالبا ، وهناك قواعد عامة وضعها القرآن ، وهي اشتراك النساء مع الرجال في أمور الشريعة ، إلا ما نص عليه الخطاب بخصوصية أي منهما . قال تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . ( البقرة : 228 ) .

وقد أمر القرآن الرجال بغض البصر وحفظ الفرج ، ثم تكرر الخطاب للنساء للتأكيد عليه ، ولأنهن زدن على الرجال أحكاما تخصهن ، وهي : النهي عن إبداء زينتهن إلا ما استثنى الله تعالى ، والأمر بإرخاء خمرهن على جيوبهن ، والنهي عن كل فعل يلفت النظر إلى زينتهن ، وينبه الناس إليها .

وتتعلق بهذه الآية الأحكام الآتية :

1 – وردت روايات مختلفة بشأن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي ، ويمكن أن نستعرض هذه الروايات على النحو الآتي :

( أ ) ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد يوم العيد ، وعائشة تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم ، حتى ملت ورجعت ، وذلك سنة سبع من الهجرة141 .

وصح أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضى إلى النساء في المسجد يوم عيد ، فذكرهن ومعه بلال ، وأمرهن بالصدقة ، وبعيد ألا ينظرن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى بلال حين يسمعن الموعظة ، ويتصدقن142 ، فدل مجموع ذلك على أنه أباح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي ، إلى ما عدا ما بين سرته وركبته ، وبهذا قال جمع من فقهاء الأمصار ، وهو أحد قولي الشافعي .

( ب ) نصوص السنة واضحة في تحريم نظر المرأة – من غير زوجها – إلى ما بين السرة والركبة ، سواء أكان ذلك بشهوة أم بغير شهوة ، كما حظرت عليها أيضا أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل بشهوة ، كل هذا محل اتفاق بين الفقهاء جميعا ، أما نظرها ما فوق السرة وتحت الركبة فقد اختلفت الروايات فيه . فمنها ما يحظر على المرأة أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل الأجنبي ، وهو قول أحمد ، وأحد قولي الشافعي ، وصححه النووي ، وهو أيضا ظاهر قوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ .

وقد استشهد أصحاب هذا الرأي بأحاديث متعددة منها : ما أخرج أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي وصححه ، عن أم سلمة قالت : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وميمونة ، فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه ، وذلك بعد أن أمر بالحجاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( احتجبا منه ) . فقلنا : يا رسول الله ، أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال : ( أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه ) ؟ .

وفي الموطأ ، عن عائشة أنها احتجبت عن أعمى ، فقيل لها : إنه لا ينظر إليك ، قالت : لكنني أنظر إليه .

وهناك نصوص اعتمد عليها من أباح نظر المرأة للرجل الأجنبي تقدم ذكرها ، في الفقرة ( أ ) ، وقد حاول أصحاب كل رأي الدفاع عن رأيهم ، وتوهين حجة الفريق الآخر .

ولعل أولى ما يجمع به بين هذه الأحاديث المتعارضة ، أن يحمل الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم على الندب ، وكذلك احتجاب عائشة – رضي الله عنها – عن الأعمى كان ورعا منها ، وعملا بما هو أجمل وأولى بالنساء ، وحينئذ لا يكون حراما على المرأة أن تنظر من الأجنبي إلى غير ما بين السرة والركبة143 .

ويقول أبو الأعلى المودودي :

والذي يستفاد من الجمع بين هذه الروايات المختلفة : أن ليست الشدة في نظر النساء إلى الرجال الأجانب ، مثل الشدة في نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات ، لا يحل لهن أن يقصدن النظر إليهم وجها لوجه في المجالس ، ولكن يحل لهن أن ينظرن إليهم وهم يمشون في الطريق ، أو يلعبون ألعابا غير محرمة من البعيد ، بل لا حرج أن ينظرن إليهم في البيوت عند الحاجات الحقيقية ، وبه تقريبا جمع بين هذه الروايات الإمام الغزالي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمهما الله – وقد نقل الشوكاني في ( نيل الأوطار ) قول الحافظ : ويؤيد الجواز استمرار العمل على خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار ، منتقبات لئلا يراهن الرجال ، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء ، فدل ذلك على مغايرة الحكم بين الطائفتين144 .

على أنه لا يصح أن تكرر النساء النظر إلى الرجال ، ويمتعن أنفسهن بحسنهم145 .

2 – ذكر القرطبي في تفسيره لقوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ . . . أن في هذه الآية 23 مسألة ، وفي المسألة الثانية حاول التوفيق بين الأحاديث المتعارضة ؛ فذكر حديث الترمذي ، عن نبهان مولى أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها ولميمونة ، وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم : ( احتجبا ) . فقالتا : إنه أعمى . قال : ( أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه )146 ؟

ثم قال القرطبي : فإن قيل : هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل ؛ لأن روايه عن أم سلمة نبهان مولاها ، وهو ممن لا يحتج بحديثه ، وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه – عليه الصلاة والسلام – تغليظ على أزواجه لحرمتهن ، كما غلظ عليهن أمر الحجاب ، كما أشار إليه أبو داود وغيره ، ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال : ( تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتدى عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك )147 . قلنا : قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث ، على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة ، كالرأس ، ومعلق القرط ، وأما العورة فلا . فعلى هذا يكون مخصصا لعموم قوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ . . . وتكون من . للتبعيض كما هي في الآية قبلها .

قال ابن العربي : وإنما أمرها بالانتقال من بيت أم شريك ، إلى بيت ابن أم مكتوم ، لأن ذلك أولى من بقائها في بيت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها ، فيكثر الرائي لها ، وفي بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد ، فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك و أولى ، فرخص لها في ذلك ، والله أعلم .

التفسير :

31 - وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . .

الخمر : واحدها خمار ، وهو ما تغطي به المرأة رأسها ، أي : الطرحة .

جيوبهن : الجيوب : واحدها جيب ، وهو فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض الجسد .

بعولتهن : البعولة الأزواج ، واحدهم بعل .

الإربة : الحاجة إلى النساء .

الطفل : يطلق على الواحد والجمع .

لم يظهروا : لم يعلموا عورات النساء لصغرهم .

توسعت كتب التفسير في عرض ما يتصل بأحكام الآية ، ومن الخير أن نتعرض لتفسير كل جزء منها على حدة ، والله ولي التوفيق .

وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ . . .

أي : فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة ، أو الهاتفة المثيرة ، ما يستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال .

وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . .

عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق ، ويسترنها حتى لا يراها أحد .

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا . . .

أي : ولا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب ، إلا ما لا يمكن إخفاؤه مما جرت العادة بظهوره كالخاتم والكحل والخضابة ، فلا يؤاخذن إلا في إبداء ما خفى منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط ، لأن هذه الزينة واقعة في مواضع من الجسد – وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن – لا يحل النظر إليها .

وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ . . .

الخمر جمع خمار ، وهو ما يخمر به – أي : يغطى به – الرأس . والجيوب جمع جيب ، وهو الصدر ، فالمراد بضرب النساء بخمرهن على جيوبهن ، أي يغطين رءوسهن وأعناقهن ونحورهن وصدورهن بكل ما فيها من زينة وحلي ، على خلاف ما كانت عليه حال النساء في الجاهلية .

قال ابن كثير :

لقد كانت المرأة في الجاهلية تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء ، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها ؛ فأمر الله المؤمنات أن يستترون في هيئاتهن وأحوالهن .

ويقول الزمخشري في تفسيره عن نساء الجاهلية : كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها ، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة ؛ فأمرن بأن يسدلنهامن قدامهن حتى يغطينها .

كانت نساء الجاهلية قريبات الشبه بحال المرأة في الجاهلية الحديثة في عصرنا ، فلما نزل القرآن بهذه الآيات تهذب الذوق الإسلامي ، سارعت النساء إلى امتثال أمر الله ، فحجبن مفاتن أجسامهن طائعات ، وهذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة .

روى البخاري ، عن عائشة أنها قالت : رحم الله نساء المهاجرات148 الأول لما نزل : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ . . . شققن أزرهن فاختمرن بها149 .

وأخرج أبو داود ، عن صفية بنت شيبة قالت : بينما نحن عند عائشة ، قالت : فذكرن نساء قريش وفضلهن ؛ فقالت عائشة – رضي الله عنها - :

إن لنساء قريش لفضلا ، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ، أشد تصديقا لكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل ، لما نزلت سورة النور : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ . . . انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته ؛ فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل150 ، فاعتجرت151 به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه ، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معتجرات كأن على رءوسهن الغربان152 . وفي مسند أبي داود ما يفيد أن الخمار ينبغي أن يكون من الثوب الغليظ ، ولا يكفي أن يكون ثوبا شفافا يصف ما تحته153 .

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ . . .

من هنا يشرع الله – سبحانه و تعالى – في ذكر من يحوز للمرأة المسلمة أن تبدى لهم زينتها ، أما الذين ليسوا في دائرة هؤلاء سواء أكانوا من الأقارب أم الأجانب ؛ فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تبرز إليهم بزينتها .

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ . . . .

أي : قل للمؤمنات لا يظهرن هذه الزينة الخفية إلا لأزواجهن ، فالمرأة مأمورة شرعا بأن تتزين لزوجها ، وأن تبحث عما يشبع رغبته ، ويسر ناظريه ومسامعه .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ، إن نظر إليها زوجها سرته ، وإن أمرها أطاعته ، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه )154 .

وكذلك أمر الإسلام الرجل أن يتزين لزوجته ليشبع عاطفتها ، وليشبع حاجاتها النفسية والفطرية ، وقد أخذ العلماء هذا الحق من قوله تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ . . . ( البقرة : 228 ) . فكل ما يطلبه الرجل من زوجته من أمانة وعفة ونظافة ، هو مطالب به أيضا ، بيد أن الله جعل القوامة للرجال فقال سبحانه : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ . . . ( النساء : 34 ) .

وقال سبحانه : وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ . . . ( البقرة : 228 ) . وهي درجة القوامة ، والعشرة بالمعروف والتسامح ، ولين الجانب . وقد أباح الله للزوج النظر إلى جميع بدن زوجته ، فقد خلق الله حواء لتكون سكنا لآدم . وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً . . . ( الروم : 21 ) .

جاء في تفسير القاسمي :

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ . . . أي : فإنهم المقصودون بالزينة ، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج ، لكن بكراهة على المشهور . وقال الإمام أبو الحسن بن القطان في كتاب ( أحكام النظر ) : عن أصبغ : لا بأس به وليس بمكروه ، وروى عن مالك : لا بأس أن ينظر إلى الفرج في الجماع ، ثم ذكر أن ما روى من أن ذلك يورث العمى ، حديث لا يصح ، لأن فيه بقية ، وقد قالوا : بقية أحاديثه غير نقية155 .

قال تعالى : أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ . . .

أي : لأن هؤلاء محارمهن الذين تؤمن الفتنة من قبلهم ، فإن آباءهن أولياؤهن الذين يحفظونهن عما يسوءهن ، وآباء بعولتهن يمنعون عن أبنائهم ما يسوءهم ، وأبناءهن شأنهم خدمة الأمهات ، وهم منهن ، وأبناء بعولتهن شأنهم خدمة أحبابهم ، وإخوانهم هم الأولياء بعد الآباء ، وبنيهن أولياء بعدهم ، وكذا بني أخواتهن ، هم كبني إخوانهن في القرابة فيتعيرون بنسبة السوء إلى الخالة ، تعيرهم بنسبته إلى العمة ، هذا ما أشار له المهايمي156 .

وأجمل ذلك الزمخشري بقوله : وإنما سومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون ، لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلهم ومخالفتهم157 . ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم ، ولما في الطباع من النفرة عن ممارسة القرائب ، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك .

أو نسائهن . . .

قيل : هن المؤمنات أخذا من الإضافة ، فليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية ، وقيل : النساء كلهن سواء في حل نظر بعضهن إلى بعض .

قال في الإكليل : فيه إباحة نظر المرأة إلى المرأة كمحرم .

وروى ابن أبي حاتم ، عن عطاء ، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدموا بيت المقدس ، كان قوابل نسائهم اليهوديات والنصرانيات .

وقال الرازي : القول الثاني هو المذهب ، وقول السلف الأول محمول على الاستحباب والأولى158 .

وقد ساق المودودي آراء الفقهاء والمفسرين في المراد بقوله تعالى : أو نسائهن . وخلاصتها ما يأتي :

1 . تقول طائفة منهم : إن المراد بها النساء المسلمات فقط .

2 . تقول طائفة أخرى : إن المراد جميع النساء ، وهذا هو أصح المذاهب عند الإمام الرازي .

3 . وتقول طائفة ثالثة – وقولهم هو المعقول والأقرب إلى ألفاظ القرآن - : إن المراد النساء المختصات بهن بالصحبة والخدمة والتعارف ، سواء أكن مسلمات أم غير مسلمات ، وأن الغرض من الآية أن تخرج من دائرة النساء الأجنبيات اللاتي لا يعرف شيء عن أخلاقهن وآدابهن وعاداتهن ، أو تكون أحوالهن الظاهرة مشتبهة لا يوثق بها ، يقولون : ليست العبرة في هذا الشأن بالاختلاف الديني ، بل هي بالاختلاف الخلقي ، فللنساء المسلمات أن يظهرن زينتهن بدون حجاب ولا تحرج للنساء الكريمات المنتميات إلى البيوت المعروفة الجديرة بالاعتماد على أخلاق أهلها ، سواء أكن مسلمات أم غير مسلمات ، وأما الفاسقات اللائي لا حياء عندهن ، ولا يعتمد على أخلاقهن وآدابهن ، فيجب أن تحتجب عنهن كل امرأة صالحة ، ولو كن مسلمات ، لأن صحبتهن لا تقل عن صحبة الرجال ضررا على أخلاقها .

أما النساء الأجنبيات اللاتي لا يعرف شيء عن أحوالهن فحدود إظهار الزينة لهن – عندنا – هي ما يجوز إظهاره للرجال من الأقارب غير المحارم ، أي : على المرأة المؤمنة ألا تكشف لهن من جسدها وزينتها أكثر من وجهها ويديها159 .

أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ . . .

من الجواري ، أما العبيد فقد اختلفوا فيهم ، فقال قوم : عبد المرأة محرم لها ، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفا ، وله أن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم ، وروى ذلك عن عائشة وأم سلمة ، وقد روى أن عائشة كانت تمتشط وعبدها ينظر إليها . وقال قوم : هو كالأجنبي معها ، وهو رأى ابن مسعود والحسن وابن سيرين ، ومن ثم قالوا : لا ينظر العبد إلى شعر مولاته . وسئل طاووس : هل يرى غلام المرأة رأسها وقدمها ؟ قال : ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاما صغيرا ، فأما رجل ذو لحية فلا .

أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ . . .

الإربة والأرب : الحاجة ، والمراد بالإربة هنا : الحاجة إلى النساء ، والمراد بالتابعين : الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم ، ولا غرض لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم إلى النساء ، وفي تعيين المراد بغير أولى الإربة أقوال كثيرة للسلف :

قال عبد الله بن عباس : هو المغفل الذي لا حاجة له إلى النساء .

وقال قتادة : هو التابع يتبعك ليصيب من طعامك .

وقال مجاهد : هو الأبله الذي لا يتبع إلا بطنه ، ولا يعرف شيئا من أمر النساء .

وقال الشعبي : من تبع الرجل وحشمه ، الذي لم يبلغ إربه أن يطلع على عورة النساء .

وقال ابن زيد : هو الذي يتبع القوم حتى كأنه كان منهم ونشأ فيهم ، وليس يتبعهم لإربة نسائهم ، وليس له في نسائهم إربة ، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إياه .

وقال الزهري وطاووس : هو الذي لا همة له بالنساء ولا أرب160 .

ويمكن أن نختصر ما ورد عن السلف في الآتي : الشيخ الذي فنيت شهوته ، أو الأبله الذي لا يدري من أمر النساء شيئا ، أو المجبوب ، أو الخصى ، أو الممسوح ، أو خادم القوم للعيش ، أو المخنث . والذي عليه المعول أن المراد به : كل من ليس له حاجة إلى النساء ، وأمنت من جهته الفتنة ونقل أوصاف النساء للأجانب .

ومن ذلك نعرف أن هؤلاء الخدام والغلمان ، المكتملين شبابا في البيوت أو المطاعم والفنادق ، لا يشملهم هذا التعريف للتابعين غير أولى الإربة بحال من الأحوال . أخرج مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وغيرهم ، عن عائشة رضي الله عنها – قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أم سلمة وعندها هذا المخنث ، وعندها أخوها عبد الله بن أبي أمية .

والمخنث يقول : يا عبد الله ، إن فتح الله عليكم الطائف غدا ، فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان161 . فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( يا عدو الله ، لد غلغلت النظر فيها ) . ثم قال : لأم سلمة : ( لا يدخلن هذا عليك ) . فأمر بإخراجه من المدينة ، فكان بالبيداء يدخل في كل جمعة مرتين ، فيسأل ثم يرجع162 ، وكذلك أخرج من المدينة من كان بها من المخنثين غيره ، لأن النساء ما كن يحتجبن منهم ، وكانوا يبينون للرجال أحوال النساء في البيوت .

أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء . . .

أي : لم يفهموا أحوالهن ولم يعرفوا ما العورة لصغرهم . ( وهم الأطفال الذين لا يثير فيهم جسم المرأة وحركاتها شعورا بالجنس ، وهذا التعريف لا ينطبق إلا على من كان في نحو عشر أو اثنتي عشرة سنة على الأكثر من الأطفال ، وأما الأطفال الكبار عن هذه السن فإن الشعور بالجنس يبدأ يثور فيهم ، ولو كانوا لم يبلغوا الحلم )163 .

و لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ . . .

أي : ولا يضربن بأرجلهن الأرض لتقعقع خلاخلهن ، فإن ذلك مما يهيج الرجال ويورث ميلا إليهن ، وللنساء أفانين في هذا ، فقد يجعلن الخرز ونحوه في جوف الخلخال ؛ فإذا مشين ولو هونا كان له رنين وصوت خاص ، ومن الناس من يتأثر بوسوسة الحلى أكثر من رؤيتها .

قال ابن كثير :

يدخل في هذا ، النهي عن كل شيء من زينتها كان مستورا فتحركت بحركة ، لتظهر ما خفى منها ، ومن ذلك ما ورد من نهيها عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها ، فروى الترمذي ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( كل عين زانية ، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا ) . وقال قولا شديدا164 .

وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

أي : ارجعوا إليه ، بالعمل بأوامره واجتناب نواهيه ، لكي تفوزوا بسعادة الدارين .

قال ابن كثير :

أي : افعلوا ما أمركم به من الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة ، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة ، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به رسوله ، وترك ما نهى عنه ، والله المستعان .

ونلحظ أن القرآن يختم أوامره بهذه الدعوة الرقيقة إلى التوبة والاستقامة ، فالله يفتح بابه للتائبين ، وهو عفو غفور رحيم ، وبذلك يثير الحساسية برقابة الله ، وعطفه و رعايته وعونه للبشر في ضعفهم أمام الميل الفطري العميق ، الذي لا يضبطه مثل الشعور بالله وبتقواه .

في أعقاب الآية :

1 . نقل القرطبي عن مكي قال : ليس في كتاب الله – تعالى – آية أكثر ضمائر من هذه ، جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع .

2 . إذا كان السبب في تحريم ضرب الخلخال ، ما يؤدي إليه من الفتنة والفساد ، كان كل ما في معناه ملحقا به في التحريم ، كتحريم الأيدي بالأساور ، وتحريك الجلاجل في الشعر ، فالتنصيص على الضرب بالأرجل ليس لقصر النهي عليه ، لأنه كان السبب في نزول الآية .

3 . بالقياس على ما تقدم قال الفقهاء : إنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها متعطرة بحيث تشم منها رائحة الطيب ، فقد أخرج أبو داود ، وابن ماجة ، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة )165 .

4 . استدل الحنفية بهذا النهي على أن صوت المرأة عورة ، فإنها إذا كانت منهية عن فعل يسمع له صوت خلخالها ، فهي منهية عن رفع صوتها بالطريق الأولى ، والظاهر أنه إن أمنت الفتنة لم يكن صوتها ، عورة ؛ فإن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كن يروين الأخبار للرجال وفيهم الأجانب من غير نكير ولا تأثيم166 .

5 . نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلو أحد من الرجال بامرأة . ولو كان من أقربائها ، إذا لم يكن معها أحد من محارمها .

عن جابر بن عبد الله : أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا تلجوا على المغيبات )167 ، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم )168 .

وعن جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم ، فإن ثالثهما الشيطان )169 .

6 . ما أباح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يمس الرجل بيده جسد امرأة غير ذات محرم ، فكان يصافح الرجال عند البيعة ولا يصافح النساء ، فعن عروة : أن عائشة - رضي الله عنها – أخبرته عن بيعة النساء قالت : ما مس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يد امرأة قط إلا أن يأخذ عليها ، فإذا أخذ عليها فأعطته قال : ( اذهبي فقد بايعتك )170 .

7 . نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشدة عن الاختلاط بين الرجال والنساء ، وبذل سعيه للقضاء عليه . فلا يخفى على أحد ما للجمعة والصلاة بالجماعة في المسجد من الأهمية في الحياة الإسلامية ، ومع ذلك فقد أعفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء من وجوب الجمعة ، وأعفاهن من وجوب الجماعة .

وقد صرح بأن صلاتهن في البيوت خير من صلاتهن في المساجد ، روى أحمد ، وأبو داود ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تمنعوا نساءكم المساجد ، وبيوتهن خير لهن )171 . وبعض العلماء العاملين في زماننا يدعو إلى حث النساء على حضور مجالس العلم ، وإحياء نشاط المرأة المسلمة لتفهم أصول دينها ، وتدرك معالم الشريعة الغراء ، وتستغنى بنظام الإسلام ، عن نظام الغرب وتقاليده ، ويحث على أن تكون في المساجد أماكن للنساء ، حتى يلتزمن بأحكام الإسلام وآدابه ، بعيدا عن تقاليد الجاهلية القديمة والحديثة .

( وإنه ليتضح من أحكام الشريعة أن المجالس المختلطة من الرجال والنساء لا تتفق بحال مع طبيعة الإسلام ومزاجه ، فالدين الذي لا يسمح باختلاط الجنسين للعبادة في مواضعها ، هل لأحد أن يتصور عنه أنه يبيح الاختلاط بينهما في الكليات والمكاتب والمجالس والنوادي الساهرة )172 .

اختلف الفقهاء في معنى قوله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها . . .

( أ‌ ) فرأى الإمام أحمد بن حنبل أن معناه : أن النساء منهيات عن إبداء الزينة ، إلا الزينة التي ظهرت بنفسها من غير قصد فمعفو عنها ، كأن كشف الريح عن نحر امرأة أو ساقها . وذهب الإمام أحمد إلى أن بدن المرأة كله عورة ؛ فيحرم إبداء شيء منه للأجنبي ، وهو أصح قولي الشافعي ، وقالوا : إن المراد بما ظهر منها : ما ظهر بنفسه بغير قصد إلى إظهاره .

( ب‌ ) وذهب الحنفية والمالكية إلى أن معنى الآية : ولا يبدين زينتهن إلا شيئا جرت العادة بظهوره ، فلسن منهيات عن إبدائه ، وذلك هو الوجه والكفين وما فيهما من زينة كالكحل والخضاب والخاتم ، وعلى هذا التأويل تكون الزينة نوعين : ظاهرة ، وباطنة . فالله قد حظر إبداء شيء من الزينة الباطنة لغير من استثنى في بقية الآية ، ولم يحظر إبداء الزينة الظاهرة لأن الحاجة تقضي بظهورها .

( ت‌ ) وعلى هذا قال الحنفية والمالكية : إن الوجه والكفين ليسا بعورة وهو أحد قولي الشافعي ، واستشهدوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا أسماء ، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا ) . وأشار إلى وجهه وكفيه173 . وفي رواية عن أبي حنيفة – رحمه الله – أن القدمين ليستا من العورة أيضا ، ونظر في ذلك إلى أن الحرج في سترهما أشد منه في ستر الكفين ، لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء القرى الفقيرات ، اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات ، وعن أبي يوسف أن الذراعين ليستا بعورة كذلك لما في سترهما من الحرج .

وقالوا : إن النساء منهيات عن إبداء زينتهن إلا ما دعت الحاجة إلى ظهوره ، وجرى عرف الناس في عصر التنزيل على أنه من الزينة الظاهرة ، التي لم يحظر إبداؤها .

( ج ) وقد رجح الأستاذ أبو الأعلى المودودى رأي الحنابلة ؛ لأن الظاهر من الآية أن القرآن ينهى عن إبداء الزينة ، ويرخص فيها إذا ظهرت من غير قصد ، فالتوسع في هذه الرخصة إلى حد إظهارها عمدا مخالف للقرآن ، ومخالف للروايات التي يثبت بها أن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كن يبرزن إلى الأجانب سافرات الوجوه ، وأن الأمر بالحجاب كان شاملا للوجه ، وكان النقاب قد جعل جزءا من لباس النساء إلا في الإحرام174 .

( د ) أما الأستاذ الشيخ محمد على السايس فقد رجح رأي الحنفية فقال : ولعلك إذا نظرت إلى أن الشريعة سهلة سمحة ، لا حرج فيها ولا مشقة ، ترجح القول بأن الوجه والكفين من الأجنبية ليسا من العورة ، فإن في تكليف النساء ستر الوجه والكفين حرجا ومشقة عليهن ، ولا سيما الفقيرات اللاتي ليس لهن خدم ، فيضطررن إلى قضاء حاجاتهن من الأسواق بأنفسهن175 .

وينبغي أن يكون القول بهذا الرأي خاصا بالحالات التي تؤمن فيها الفتنة ، أما في غيرها من الحالات التي تخشى فيها الفتنة ، وفي الأوقات التي يكثر فيها الفساق في الأسواق والطرقات ، فلا يجوز للمراة أن تخرج سافرة عن وجهها ، ولا أن تبدي شيئا من زينتها .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

{ وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن } فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه كالعورات من الرجال والنساء وهي ما بين السرة والركبة ، وفي الزواجر لابن حجر المكي كما يحرم نظر الرجل للمرأة يحرم نظرها إليه ولو بلا شهوة ولا خوف فتنة ، نعم إن كان بينهما محرمية نسب أو رضاع أو مصاهرة نظر كل إلى ما عدا ما بين سرة الآخر وركبته . والمذكور في بعض كتب الأصحاب إن كان نظرها إلى ما عدا ما بين السرة والركبة بشهوة حرم وإن بدونها لا يحرم . نعم غضها بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها وأحسن ، فقد أخرج أبو داود . والترمذي وصححه . والنسائي . والبيهقي في سننه عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه الصلاة والسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احتجبا منه فقلت : يا رسول الله هو أعمى لا يبصر قال : أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه ؟ ، واستدل به من قال بحرمة نظر المرأة إلى شيء من الرجل الأجنبي مطلقاً ، ولا يبعد القول بحرمة نظر المرأة المرأة إلى ما عدا ما بين السرة والركبة إذا كان بشهوة ولا تستبعد وقوع هذا النظر فإنه كثير ممن يستعملن السحاق من النساء والعياذ بالله تعالى : { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } أي عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق أو من الابداء أو مما يعم ذلك والابداء { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } أي ما يتزين به من الحلى ونحوه { إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أي إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا مؤاخذة في إبدائه للأجانب وإنما المؤاخذة في إبداء ما خفي من الزينة كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والأكليل والوشاح والقرط .

وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر لأن هذه الزين واقعة على موضع من الجسد لا يحل النظر إليها إلا لمن استقنى في الآية بعد وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والاذن فنهي عن إبداء الزين نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها كالنظر إلى سوار امرأة يباع في السوق لا مقال في حله كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكناً في الحظر ثابت القدم في الحرمة شاهداً على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله تعالى في الكشف عنها كذا في الكشاف ، وهو على ما قال الطيبي مشعر بأن ما ذكر من باب الكناية على نحو قولهم : فلان طاهر الجيب طاهر الذيل .

وقال صاحب الفرائد : هو من باب إطلاق اسم الحال على المحل فالمراد بالزينة مواقعها فيكون حرمة النظر ءلى المواقع بعبارة النص بدلالته وهي أقوى ، وفيه بحث .

وقيل : الكلام على تقدير مضاف أي لا يبدين مواقع زينتهن ، وقال ابن المنير : الزينة على حقيقتها وما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله عز وجل : { وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ } الآية يحقق أن إبداء الزينة مقصود بالنهي ، وأيضاً لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من ما وقع الزين الظاهرة وهذا باطل لأن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلى لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة ، وأنت تعلم أن ابن المنير مالكي وما ذكره مبني على مذهبه وما ذكره الزمخشري مبني على المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة من أن مواقع الزين الظاهرة من الوجه والكفين والقدمين ليست بعورة مطلقاً فلا يحرم النظر إليها ، وقد أخرج أبو داود . وابن مردويه . والبيهقي عن عائشة رضي الله تعتالى عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها ، وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفه صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن أبي شيبة . وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : { إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } رقعة الوجه وباطن الكف ، وأخرجا عن ابن عمر أنه قال : الوجه والكفان ولعل القدمين عندهما كالكفين إلا أنهما لم يذكراهما اكتفاء بالعلم بالمقايسة فإن الحرج في سترهما أشد من الحرج في ستر الكفين لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء العرب الفقيرات اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات . ومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في الزواجر أن الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح وإن كانا ليسا عورة من الحرة في الصلاة ، وفي المنهاج وشرحه لابن حجر في باب شروط الصلاة عورة الأمة ولو مبعضة ومكاتبة وأم ولد كعورة الرجل ما بين السرة والركبة في الأصح وعورة الحرة ولو غير مميزة والخنثى الحر ما سوى الوجه والكفين وإنما حرم نظرهما كالزائد على عورة الأمة لأن ذلك مظنة الفتنة ، ويجب في الخلوة ستر سوأة الأمة كالرجل وما بين سرة وركبة الحرة فقط إلا لأدنى غرض كتبريد وخشية عبار على ثوب تجمل انتهى .

وذكر في الزواجر حرمة نظر سائر ما انفصل من المرأة لأن رؤية البعض ربما جر إلى رؤية الكل فكان اللائق حرمة نظره أيضاً بل قال : حرم أئمتنا النظر لقلامة ظفر المرأة المنفصلة ولو من يدها ، وذهب بعض الشافعية إلى حل النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة وليس بمعول عليه عندهم ، وفسر بعض أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلا على أن عورة الحرة ما سواهما ، وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة ، وأنت تعلم أن إباحة ابداء الوجه والكفين حسبما تقتضيه الآية عندهم مع القول بحرمة النظر إليهما مطلقاً في غاية البعد فتأمّل .

واعلم أنه إذا كان المراد النهي عن إبداء مواقع الزينة ، وقيل : بعمومها الوجه والكفين والتزم القول بكونهما عورة وحرمة إبدائهما لغير من استثنى بعد يجوز أن يكون الاستثناء في قوله تعالى : { إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } من الحكم الثابت بطريق الإشارة وهو المؤاخذة في دار الجزاء ، ويكون المعنى أن ما ظهر منها من غير إظهار كان كشفته الريح مثلا فهن غير مؤاخذات به في دار الجزاء ، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة ومعالجة طبيب ، وروي الطبراني . والحاكم وصححه . وابن المنذر . وجمع آخرون عن ابن مسعود أن ما ظهر الثياب والجلباب ، وفي رواية الاقتصار على الثياب وعليها اقتصر أيضاً الإمام أحمد . وقد جاء إطلاق الزينة عليها في قوله تعالى : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } [ الأعراف : 31 ] على ما في البحر ، وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس أن ما ظهر الكحل والخاتم والقرط والقلادة .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه الكف وثغرة النحر ، وعن الحسن أنه الخاتم والسوار . وروي غير ذلك ، ولا يخفى أن بعض الأخبار ظاهر في حمل الزينة على المعنى المتبادر منها وبعضها ظاهر في حملها على مواقعها ، وقال ابن بحر : الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله تعالى وعلى ما يتزين به من فضل لباس ، والمراد في الآية النهي عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف ، وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة ، قال في البحر : والأقرب دخولها في الزينة وأي زينة أحسن من الخلقة المعتدلة { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ } إرشاد إلى كيفية إخفاء بعض مواقع الزينة بعد النهي عن إبدائها ، والخمر جمع خمار ويجمع في القلة على أخمرة وكلا الجمعين مقيس وهو المقنعة التي تلقيها المرأة على رأسها من الخمر وهو الستر ، والجيوب جمع جيب وهو فتح في أعلى القميص يبدو منه بعض الجسد ، وأصله على ما قيل من الجيب بمعنى القطع ؛ وفي الصحاح تقول : جبت القميص أجوبه وأجيبه إذا قورت جيبه ، قال الراجز

: باتت تجيب أدعج الظلام *** جيب البيطر مدرع الهمام

وإطلاقه على ما ذكر هو المعروف لغة ، وأما إطلاقه على ما يكون في الجنب لوضع الدراهم ونحوها كما هو الشائع بيننا اليوم فليس من كلام العرب كما ذكره ابن تيمية لكنه ليس بخطأ بحسب المعنى ، والمراد من الآية كما روي ابن أبي حاتم عن ابن جبير أمرهن بستر نحورهنّ وصدورهن بخمرهن لئلا يرى منها شيء وكان النساء يغطين رؤوسهن بالخمر ويسدلنها كعادة الجاهلية من وراء الظهر فيبدو نحورهن وبعض صدورهن ، وصح أنه لما نزلت هذه الآية سارع نساء المهاجرين إلى امتثال ما فيها فشققن مروطهن فاختمرن بها تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله تعالى من كتابه ، وعدى يضرب بعلى على ما قال أبو حيان لتضمينه معنى الوضع والإلقاء ، وقيل معنى الشد ، وظاهر كلام الراغب أنه يتعدى بعلى بدون تضمين ، وقرأ عباس عن أبي عمرو { وَلْيَضْرِبْنَ } بكسر اللام وطلحة { بِخُمُرِهِنَّ } بسكون الميم ، وقرأ غير واحد من السبعة جيوبهن } بكسر الجيم والضم هو الأصل لأن فعلا يجمع على فعول في الصحيح والمعتل كفلوس وبيوت والكسر لمناسبة الياء ، وزعم الزجاج أنها لغة رديئة .

{ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كرر النهي لاستثناء بعض مواد الرخصة عنه باعتبار الناظر بعد ما استثنى عنه بعض مواد الضرورة باعتبار المنظور { إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } أي أزواجهن فإنهم المقصودون بالزينة والمأمورات نسائهم بها لهم حتى أن لهم ضربهن على تركها ولهم النظر إلى جميع بدنهن حتى المحل المعهود كما في إِرشاد العقل السليم .

وكره النظر إلى ذلك أكثر الشافعية وحرمه بعضهم ، وقيل : إنه خلاف الأولى وهو على ما قال الخفاجي : مذهب الحنفية وتفصيله في الهداية وفيما ذكرنا إشارة إلى وجه تقديم بعولتهن .

{ أَوْ ءابَائِهِنَّ أَوْ ءابَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أخواتهن } لكثرة المخالطة الضرورية بينهن وبينهن وقلة توقع الفتنة من قبلهم ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة وهذا الحكم ليس خالصاً بالآباء الأقربين بل آباء الآباء وإن علوا كذلك ومثلهم آباء الأمهات وكذا ليس خاصاً بالأبناء والبنين الصلبيين بل يعمهم وأبناء الأبناء وبني البنين وإن سفلوا ، والمراد بالاخوان ما يشمل الأعيان وهم الأخوة لأب واحد وأم واحدة وبني العلات وهم أولاد الرجل من نسوة شتى والأخياف وهم أولاد المرأة من آباء شتى ونظير ذلك يقال ففي الأخوات ، واستعمل { بَنِى } بمعهم دون أبناء لأنه أوفق بالعموم وأكر استعمالا في الجماعة ينتمون إلى شخص مع عدم اتحاد صنف قرابتهم فيما بينهم ألا ترى أنك كثيراً ما تسمع بني آدم وبني تميم وقلما تسمع أبناء آدم وأبناء تميم وفيما نحن فيه قد يجتمع للمرأة ابن أخ شقيق وابن أخ لأب وابن أخ لأم بل قد يجتمع لها أبناء أخ شقيق أو إخوة أعيان وبنو علات وأبناء أخ أو إخوة لأب وأبناء أخ أو إخوة لأم كذلك ويتأتى مثل ذلك في ابن الأخت لكن لا يتصور هنا بنو العلات كما لا يتصور في أبناء الأخ الأخياف والاجتماع في أبنائهن وأبناء بعولتهن وإن اتفق لكنه ليس بتلك المثابة .

وقيل اختير في الأخيرين { بَنِى } لأنه لو جيء بأبناء تلاقت همزتان احداهما همزة أبناء والثانية همزة اخوان أو أخوات وهو على ما فيه لا يحسم مادة السؤال إذ للسائل أن يقول بعد : لم اختير في الأولين { أَبْنَاء } دون { بَنِى } ويحتاج إلى نحو أن يقال اختير ذلك لأنه أوفق بآباء ، وقيل اختير { أَبْنَاء } في الأولين لهذا ، واختير بني في { بَنِى أخواتهن } ليكون المضاف إليه من نوع واحد ، وفي بني إخوانهن للمشاكلة وفيه ما فيه ، ولم يذكر سبحانه الأعمام والأخوال مع أنهم كما قال الحسن . وابن جبير كسائر المحارم في جواز إبداء الزينة لهم قيل لأنهم في معنى الأخوان من حيث كون الجد سواء كان أب الأب أو أب الأم في معنى الأب فيكون ابنه في معنى الأخ ، وقيل لم يذكرهم سبحانه لما أن الأحوط أن يستترن عنهم حذاراً من أن يصفوهن لأبنائهم فيؤدي ذلك إلى نظر الأبناء إليهن .

وأخرج ذلك ابن المنذر . وابن أبي شيبة عن الشعبي وفيه من الدلالة على وجوب التستر من الأجانب ما فيه .

وضعف بأنه يجري في آباء البعولة إذ لو رأوا زينتهن لربما وصفوهن لأبنائهم وهم ليسوا محارم فيؤدي إلى نظرهم إليهن لا سيما إذا كن خليات ، وقيل لم يذكروا اكتفاء بذكر الآباء فانهم عند الناس بمنزلتهم لا سيما الأعمام وكثيراً ما يطلق الأب على العم ، ومنه قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأِبِيهِ ءازَرَ } [ الأنعام : 74 ] ثم أن المحرمية المبيحة للابداء كما تكون من جهة النسب تكون من جهة الرضاع فيجوز أن يبدين زينتهن لآبائهن وأبنائهن مثلاً من الرضاع { أَوْ نِسَائِهِنَّ } المختصات بهن بالصحبة والخدمة من حرائر المؤمنات فإن الكوافر لا يتحرجن أن يصفنهن للرجال فهن في إبداء الزينة لهن كالرجال الأجانب ، ولا فرق في ذلك بين الذمية وغيرها وإلى هذا ذهب أكثر السلف .

وأخرج سعيد بن منصور . وابن المنذر . والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك عن ذلك فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنظر إلى عورتها إلا من كانت من أهل ملتها . وفي روضة النووي في نظر الذمية إلى المسلمة وجهان أصحهما عند الغزالي أنها كالمسلمة وأصحهما عند البغوي المنع ، وفي المنهاج له الأصح تحريم نظر ذمية إلى مسلمة ، ومقتضاه أنها معها كالأجنبي واعتمده جمع من الشافعية ، وقال ابن حجر : الأصح تحريم نظرها إلى ما لا يبدو في المهنة من مسلمة غير سيدتها ومحرمها ودخول الذميات على أمهات المؤمنين الوارد في الأحاديث الصحيحة دليل لحل نظرها منها ما يبدو في المهنة .

وقال الإمام الرازي : المذهب أنها كالمسلمة ، والمراد بنسائهن جميع النساء ، وقول السلف محمول على الاستحباب وهذا القول أرفق بالناس اليوم فإنه لا يكاد يمكن احتجاب المسلمات عن الذميات .

{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن } أي من الإماء ولو كوافر وأما العبيد فهم كالأجانب ، وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وأحد قولين في مذهب الشافعي عليه الرحمة وصححه كثير من الشافعية والقول الآخر أنهم كالمحارم وصحح أيضاً ، ففي المنهاج وشرحه لابن حجر والأصح أن نظر العبد العدل ولا يكفي العفة عن الزنا فقط غير المشترك والمبعض وغير المكاتب كما في الروضة عن القاضي وأقره وإن أطالوا في رده إلى سيدته المتصفة بالعدالة الكنظر إلى محرم فينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة وتنظر منه ذلك ويلحق بالمحرم أيضاً في الخلوة والسفر ا ه بتلخيص ، وإلى كون العبد كالأمة ذهب ابن المسيب ثم رجع عنه وقال : لا يغرنكم آية النور فإنها في الاناث دون الذكور ، وعلل بانهم فحول ليسوا أزواجاً ولا محارم والشهوة متحققة فيهم لجواز النكاح في الجملة كما في الهداية .

وروي عن ابن مسعود . والحسن . وابن سيرين أنهم قالوا : لا ينظر العبد إلى شعر مولاته ، وأخرج عبد الرزاق . وابن المنذر عن طاوس أنه سئل هل يرى غلام المرأة رأسها وقدمها ؟ قال : ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاماً يسيراً فأما رجل ذو لحية فلا ، ومذهب عائشة . وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما ، وروي عن بعض أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أنه يجوز للعبد أن ينظر من سيدته ما ينظر أولئك المستثنون . وروي عن عائشة أنها كانت تمتشط وعبدها ينظر إليها وإنها قالت لذكوان : إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر ، وعن مجاهد كانت أمهات المؤمنين لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم .

وأخرج أحمد في مسنده . وأبو داود . وابن مردويه . والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة رضي الله تعالى عنها بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة رضي الله تعالى عنها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك .

والذي يقتضيه ظاهر الآية عدم الفرق بين الذكر والأنثى لعموم { ما } ولأنه لو كان المراد الاناث خاصة لقيل أو امائهن فإنه اخصر ونص في المقصود ، وإذا ضم الخبر المذكور إلى ذلك قوى القول بعدم الفرق والتفصي عن ذلك صعب ، وأحسن ما قيل في الجواب عن الخبر أن الغلام فيه كان صبياً إذ الغلام يختص حقيقة به فتأمل ، وخرج بإضافة الملك اليهن عبد الزوج فهو والأجنبي سواء قيل : وجعله بعضهم كالمحرم لقراءة { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } { أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال } أي الذين يتبعون ليصيبوا من فضل الطعام غير أصحاب الحاجة إلى النساء وهم الشيوخ الطاعنون في السن الذين فنت شهواتهم والممسوحون الذين قطعت ذكورهم وخصاهم ، وفي المجبوب وهو الذي قطع ذكره والخصى وهو من قطع خصاه خلاف واختير أنهما في حرمة النظر كغيرهما من الأجانب وكان معاوية يرى جواز نظر الخصى ولا يعتد برأيه وهو على ما قيل أول من اتخذ الخصيان ، وعن ميسون الكلابية أن معاوية دخل عليها ومعه خصى فتقنعت منه فقال : هو خصى فقالت : يا معاوية أترى أن المثلة به تحلل ما حرم الله تعالى ، وليس له أن يستدل بما روي أن المقوقس أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم خصيا فقبله إذ دلالة فيه على جواز ادخاله على الناساء .

وأخرج ابن جرير . وجماعة عن مجاهد أن غير أولى الأربة الأبله الذي لا يعرف أمر النساء وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ، وعن ابن جبير أنه المعتوه ومثله المجنون كما قال ابن عطية .

وأخرج ابن المنذر . وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه المخنث الذي لا يقوم زبه لكن أخرج مسلم . وأبو دواد . والنسائي . وغيرهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان رجل يدخل على أزواج أو بالشخص عبادة من حيث أن فيه اقتداءً برسول الله عليه الصلاة والسلام ، وكذا لعن من لعنه الله تعالى على الوجه الذي لعنه سبحانه به ، هذا وقوله عز وجل : { يَوْمَ تَشْهَدُ } الخ إما متصل بما قبله مسوق لتقرير العذاب العظيم بتعيين وقت لحلوله وتهويله ببيان ظهور جناية الرامين المستتبعة لعقوباتها على كيفية هائلة وهيئة خارقة للعادات فيوم ظرف لما في { لَهُمْ } من معنى الاستقرار لا لعذاب كما ذهب إليه الحوفي لما في جواز إعمال المصدر الموصوف من الخلاف ، وقيل : لإخلاله بجزالة المعنى وفيه نظر ، وأما منقطع عنه على أنه ظرف لا ذكر محذوفاً أو ليوفيهم الآتي كما قيل بكل ، واختير أنه ظرف لفعل مؤخر وقد ضرب عنه الذكر صفحاً للإيذان بأن العبارة لا تكاد تحيط بتفصيل ما يقع فيه من العظائم والكلام مسوق لتهويل اليوم بتهويل ما يحويه كأنه قيل : يوم تشهد عليهم { أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يظهر من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال على أن الموصول المذكور عبارة عن جميع أعمالهم السيئة وجناياتهم القبيحة لا عن جناياتهم المعهودة فقط .

ولعل في «الخبر » نوع إيماء إلى هذا ؛ وفي المنهاج وشرحه لابن حجر عليه الرحمة ، والأصح أن نظر الممسوح ذكره كله وأنثياه بشرط أن لا يبقى فيه ميل للنساء أصلاً وإسلامه في المسلمة ولو أجنبياً لأجنبية متصفة بالعدالة كالنظر إلى محرم فينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة وتنظر منه ذلك ويلحق بالمحرم أيضاً في الخلوة والسفر ويعلم منه أن التمثيل بالممسوح فيما سبق ليس على إطلاقه ، وأما الشيخ الهم والمخنث فهما عند الشافعية في النظر إلى الأجنبيات ليسا كالممسوح ، وصححوا أيضاً أن المجنون يجب الاحتجاب منه فلا تغفل ، وجر { غَيْرِ } قيل على البدلية لا الوصفية لاحتياجها إلى تكلف جعل التابعين لعدم تعيهم كالنكرة كما قاله الزجاج أو جعل { غَيْرِ } متعرفاً بالإضافة هنا مثلها في الفاتحة وفيه نظر . وقرأ ابن عامر . وأبو بكر { غَيْرِ } بالنصب على الحال والاستثناء .

{ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء } أي الأطفال الذين لم يعرفوا ما العورة ولم يميزوا بينها وبين غيرها على أن { لَمْ يَظْهَرُواْ } الخ من قولهم ظهر على الشيء إذا اطلع عليه فجعل كناية عن ذلك أو الذين لم يبلغوا حد الشهوة والقدرة على الجماع على أنه من ظهر على فلان إذا قوى عليه ومنه قوله تعالى : { فَأَصْبَحُواْ ظاهرين } [ الصف : 14 ] ويشمل الطفل الموصوف بالصفة المذكورة بهذا المعنى المراهق الذي لم يظهر منه تشوق النساء ، وقد ذكر بعض أئمة الشافعية أنه كالبالغ فيلزم الاحتجاب منه على الأصح كالمراهق الذي ظهر منه ذلك ، ويشمل أيضاً من دون المراهق لكنه بحيث يحكى ما يراه على وجهه . وذكروا في غير المراهق أنه إن كان بهذه الحيثية فكالمحرم وإلا فكالعدم فيباح بحضوره ما يباح في اللوة فلا تغفل .

والظاهر أن { الطفل } عطف على قوله تعالى : { لِبُعُولَتِهِنَّ } أو على ما بعده من نظائره لا على { الرجال } وكلام أبي حيان ظاهر في أنه عف عليه وليس بشيء ، ثم هو مفرد محلى بأل الجنسية فيعم ولهذا كما قال في «البحر » : وصف بالجمع فكأنه قيل . أو الأطفال كما هو المروي عن مصحف حفصة ، ومثل ذلك قولهم : أهلك الناس الدينا الصفر والدرهم البيض ، وقيل هو مفرد وضع موضع الجمع ، ونحوه قوله تعالى : { ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } [ غافر : 67 ] .

وتعقب بأنم وضع المفرد موضع الجمع لا ينقاس عند سيبويه وما هنا عنده من با بالمفرد المعرف بلام الجنس وهو يعم بدليل صحة الاستثناء منه ، والآية المذكورة يحتمل أن تكون عنده على معنى ثم يخرج كل واحد منكم طفلاً كما قيل في قوله تعالى : { وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ } [ يوسف : 31 ] أنه على معنى واعتدت لكل واحدة منهن متكأ فلا يتعين كون { يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } فهيا مما لا ينقاس عنده ، وقال الراغب : إن { طِفْلاً } يقع على الجمع كما يقع على المفرد ونص على ذلك الجوهري ، وكذا قال بعض النحاة : إنه في الأصل مصدر فيقع على القليل والكثير والأمر على هذا ظاهر جداً ، والعورات جمع عورة وهي في الأصل ما يحترز من الاطلاع عليه وغلبت في سوأة الرجل والمرأة ؛ ولغة أكثر العرب تسكين الواو في الجمع وهي قراءة الجمهور .

وروى عن ابن عامر أنه قرأ { عورات } بفتح الواو ، والمشهور أن تحريك الواو وكذا الياء في مثل هذا الجمع لغة هذيل بن مدركة . ونقل ابن خالويه في كتاب شواذ القراآت أن ابن أبي إسحق . والأعمش قرأا { عورات } بالفتح ثم قال : وسمعنا ابن مجاهد يقول : هو لحن ، وإنما جعله لحناً وخطأ من قبل الرواية وإلا فله مذهب في العربية فإن بني تميم يقولون : روضات وجوزات وعورات بالفتح فيها وسائر العرب بالإسكان ، وقال الفراء : العرب على تخفيف ذلك إلا هذيلاً فتثقل ما كان من هذا النوع من ذوات الياء والواو ؛ وأنشدني بعضهم

: أبو بيضات رائح متأدب *** رفيق بمسح المنكبين سبوح

{ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ } أي ما يسترنه عن الرؤية { مِن زِينَتِهِنَّ } أي لا يضربن بأرجلهن الأرض ليتقعقع خلاخلهن فيعلم أن هن ذوات خلاخل فإن ذلك مما يورث الرجال ميلاً إليهن ويوهم أن لهن ميلاً إليهم . أخرج ابن جرير عن حضرمي أن امرأة اتخذت خلخالاً من فضة واتخذت جزعاً فمرت على قوم فضربت برجليها فوقع الخلخال على الجزع فصوت فأنزل الله تعالى { وَلاَ يَضْرِبْنَ } الخ ، والنساء اليوم على جعل الخرز ونحوها في جوف الخلخال فإذا مشين به ولو هونا صوت ، ولهن من أنواع الحلى غير الخلخال ما يصوت عند المشيء أيضاً لا سيما إذا كان مع ضرب الرجل وشدة الوطء ، ومن الناس من يحرك شهوته وسوسة الحلي أكثر من رؤيته . وفي النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينه . من النهي عن إبداء مواضعه ما لا يخفى . وربما يستدل بهذا النهي على النهي عن استماع صوتهن .

والمذكورات في معتبرات كتب الشافعية وإليه أميل أن صوتهن ليس بعورة فلا يحرم سماعه إلا إن خشي منه فتنة ، وكذا إن التذبه كما بحثه الزركشي .

وأما عند الحنفية فقال الإمام ابن الهمام : صرح في النوازل أن نغمة المرأة عورة ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " التكبير للرجال والتصفيق للنساء " فلا يحسن أن يسمعه الرجل اه .

ثم اعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق قيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان وفيه من النقوض الذهبية أو الفضية ما يبهر العيون ، وأرى أن تمكن أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به بين الأجانبي من قلة الغيرة وقد عمت البلوى بذلك ، ومثله ما عمت به البلوى أيضاً من عدم احتجاب أكثر النساء من إخوان بعولتهن وعدم مبالاة بعولتهن بذلك وكثيراً ما يأمرونهن به .

وقد تحتجب المرأة منهم بعد الدخول أياماً إلى أن يعطوها شيئاً من الحلي ونحوه فتبدو لهم ولا تحتجب منهم بعد وكل ذلك مما لم يأذن به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك كثير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم { وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً } تلوين للخطاب وصرف له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكل بطريق التغليب لإبراز كمال العناية بما في حيزه من أمر التوبة وأنها من معظمات المهمات الحقيقية بأن يكون سبحانه وتعالى الآمر بهما لما أنه لا يكاد يخلو أحد من المكلفين عن نوع تفريط في إقامة مواجب التكاليف كما ينبغي لا سيما في الكف عن الشهوات .

وقد أخرج أحمد . والبخاري في الأدب المفرد . ومسلم . وابن مردويه . والبيهقي في «شعب الإيمان » عن الأغر رضي الله تعالى عنه قال : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة » والمراد بالتوبة على هذا التوبة عما في الحال ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد التوبة عما كانوا يفعلونه قبل من إرسال النظر وغير ذلك وهو وإن جب بالإسلام لكنه يلزم الندم عليه والعزم على الكف عنه كلما يتذكر ، وقد قالوا : إن هذا يلزم كل تائب عن خطيئة إذا تذكرها ، ومنه يعلم أن ما يفعله كثير ممن يزعمون التوبة من نقل ما فعلوه من الذنوب على وجه التبججح والاستلذاذ دليل عن عدم صدق توبتهم .

وفي تكرير الخطاب بقوله تعالى : { أَيُّهَ المؤمنون } تأكيد للإيجاب وإيذان بأن وصف الإيمان موجب للامتثال حتماً ، وفي هذا دليل على أن المعاصي لا تخرج عن الإيمان . وقرأ ابن عامر { أَيُّهَ المؤمنون } بضم الهاء ، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها ، وضم ها التي للتنبيه بعد أي لغة لبني مالك رهط شقيق بن مسلمة . ووقف بعضهم بسكون الهاء لأنها كتبت في المصحف بلا ألف بعدها . ووقف أبو عمرو . والكسائي ويعقوب كما في النشر بالألف على خلاف الرسم { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي لكي تفوزوا بذلك بسعادة الدارين أو مرجوا فلا حكم .