تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (181)

180

181- { لقد سمع فالله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء . . } .

المفردات :

سنكتب ما قالوا : أي سنعاقب عليه ولا نهمله .

ونقول ذوقوا عذاب الحريق : أصل الذوق وجود الطعم في الفم ثم استعمل في إدراك المحسوسات والحريق المحرق المؤلم وعذاب الحريق أي عذاب هو الحريق أي سننتقم منهم .

التفسير :

أي قد سمع الله قول هؤلاء الكافرين الذين قالوا هذه المقالة ولم يخف عليه وسيجزيهم عليه أشد الجزاء .

وهذا أسلوب يتضمن التهديد والوعيد كما يتضمن البشارة والوعد بحسن الجزاء في نحو " سمع الله لمن حمده " ويضمن مزيد العناية وإرادة الإغاثة وإزالة الشكوى في نحو { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلا الله والله يسمع تحاوركما } . ( المجادلة 1 ) . إذ سمع الله لعباده يراد به مراقبته لهم في اقوالهم ويلزم من ذلك المعاني التي ذكرناها آنفا .

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة 645 ) . فقالوا يا محمد أفقير ربك يسأل عباده القرض ونحن اغنياء ؟ فأنزل الله : { لقد سمع الله . . الآية } .

{ سنكتب ما قالوا } . أي سنعاقبهم على ذلك عقابا لا شك فيه إذ يلزم من كتابة الذنب وحفظه العقوبة عليه وعلى استعمال شائع في اللغة .

{ وقتلهم الانبياء بغير حق } . أي قتل سلفهم لهم وإنما نسبه إليهم للإشارة إلى أنهم راضون بما فعلوه .

وهذا يدل على أن الأمم متكافلة في الأمور العامة ويجب على أفرادها الإنكار على من يفعل المنكر أو تغييره أو النهي عنه لئلا يفشو فيها فيصير خلقا من أخلاقها وعادة مستحكمة فيها فيستحق العقوبة في الدنيا بالضيق والفقر والعقوبة في الآخرة بتدنيس نفوسها وإن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم ويطبقه على أحكام الشريعة فيستحسن منها ما تستحسنه ويستهجن ما يستهجنه – عد شريكا له في إثمه ومستحقا لمثل عقوبته .

{ ونقول ذوقوا عذاب الحريق } . أي سننتقم منهم ونقول لهم هذه المقالة .

ذلك لأنهم قالوا ما قالوا وقتلوا من الانبياء من قتلوا فأذاقوا المسلمين وأتباع الأنبياء ألوانا من العذاب وأحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء والكرب فجوزوا بهذا العذاب الشديد وقيل لهم : ذوقوا عذاب الحريق كما أذقتم أولياء الله في الدنيا ما يكرهون .

والخلاصة ذوقوا ما أنتم فيه فلستم بمتخلصين منه فلستم بمتخلصين منه ، وهذا قول يلقى التشفي الدال على كمال الغيظ والغضب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ} (181)

{ لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : دخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه بيت المدراس فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم فقال أبو بكر : ويحك يا فنحاص اتق الله تعالى وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة فقال فنحاص : والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله تعالى من فقر وإنه إلينا لفقير وما نتضرع إليه كما تضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم وأنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنياً عنا ما أعطانا الربا فغضب أبو بكر رضي الله تعالى عنه فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال : والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله تعالى فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : يا رسول الله قال قولاً عظيماً يزعم أن الله تعالى شأنه فقير وهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله تعالى مما قال فضربت وجهه فجحد فنحاص فقال : ما قلت ذلك فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص تصديقاً لأبي بكر رضي الله تعالى عنه هذه الآية ، وأنزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } [ آل عمران : 186 ] الآية .

وأخرج ابن المنذر عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما أنزل الله تعالى : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فيضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } [ البقرة : 245 ] قال : يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني . وأخرج الضياء وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } فقالوا : يامحمد فقير ربك يسأل عباده القرض ؟ فأنزل الله تعالى الآية ، والجمع على الروايتين الأوليين مع كون القائل واحداً لرضا الباقين بذلك ، وتخصيص هذا القول بالسماع مع أنه تعالى سميع لجميع المسموعات كناية تلويحية عن الوعيد لأن السماع لازم العلم بالمسموع وهو لازم الوعيد في هذا المقام فهو سماع ظهور وتهديد لا سماع قبول ورضا كما في سمع الله لمن حمده وإنما عبر عن ذلك بالسماع للإيذان بأنه من الشناعة والسماجة بحيث لا يرضى قائله بأن يسمعه سامع ولهذا أنكروه ، ولكون إنكارهم القول بمنزلة إنكار السمع أكده تعالى بالتأكيد القسمي ، وفيه أيضاً من التشديد في التهديد والمبالغة في الوعيد ما لا يخفى ، والعامل في موضع إن وما عملت فيه قالوا : فهي المحكية به ، وجوز أن يكون ذلك معمولاً لقول المضاف لأنه مصدر ، قال أبو البقاء : وهذا يخرج على قول الكوفيين في إعمال الأول وهو أصل ضعيف ويزداد هنا ضعفاً بأن الثاني فعل ، والأول مصدر وإعمال الفعل لكونه أقوى أولى .

{ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } أي سنكتبه في صحائف الكتبة ، فالإسناد مجازي والكتابة حقيقة ، أو سنحفظه في علمنا ولا نهمله فالإسناد حقيقة والكتابة مجاز ، والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبداً تدوينه وإثباته لكونه في غاية العظم والهول ، كيف لا وهو كفر بالله تعالى سواء كان عن اعتقاد أو استهزاء بالقرآن وهو الظاهر ، ولذلك عطف عليه قوله تعالى : { وَقَتْلِهِمُ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ } إيذانا بأنهما في العظم إخوان وتنبيهاً على أنه ليس بأول جريمة ارتكبوها ومعصية استباحوها ، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء بغير حق في اعتقاده أيضاً كما هو في نفس الأمر لم يستبعد منه أمثال هذا القول ، ونسبة القتل إلى هؤلاء القائلين باعتبار الرضا بفعل القاتلين من أسلافهم ، وقيل : المعنى سنجمع ما قالوا وقتلهم الأنبياء في مقام العذاب ونجزيهما جزاءاً مماثلاً لتشاركهما في أن في كل منهما إبطالاً لما جاء به المرسلون ، ولا يخفى أنه مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى عليه .

{ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } أي وننتقم منهم بواسطة هذا القول الذي لا يقال إلا وقد وجد العذاب . والحريق بمعنى المحرق وإضافة العذاب إليه من الإضافة البيانية أي العذاب الذي هو المحرق لأن المعذب هو الله تعالى لا الحريق ، أو الإفاضة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل كما قاله بعض المحققين «والذوق كما قال الراغب وجود الطعم في الفم ؛ وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر فإنه يقال له : أكل » ، ثم اتسع فيه فاستعمل لإدراك سائر المحسوسات والحالات ، وذكره هنا كما قال ناصر الدين لأن العذاب مرتب على قولهم الناشىء عن البخل والتهالك على المال وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم ومعظم بخله للخوف من فقدانه ، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال ، ولك أن تقول : إن اليهود لما قالوا ما قالوا وقتلوا من قتلوا فقد أذاقوا المسلمين وأتباع الأنبياء غصصاً وشبوا في أفئدتهم نار الغيرة والأسف وأحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء والكرب فعوضوا هذا العذاب الشديد ، وقيل : لهم ذوقوا عذاب الحريق كما أذقتم أولياء الله تعالى في الدنيا ما يكرهون . والقائل لهم ذلك كما قال الضحاك خزنة جهنم ، فالإسناد حينئذ مجازي ، وفي هذه الآية مبالغات في الوعيد حيث ذكر فيها العذاب والحريق والذوق المنبىء عن اليأس فقد قال الزجاج : ذق كلمة تقال لمن أيس عن العفو أي ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص منه والمؤذن بأن ما هم فيه من العذاب والهوان يعقبه ما هو أشد منه وأدهى ، والقول للتشفي المنبىء عن كمال الغيظ والغضب وفيما قبلها ما لا يخفى أيضاً من المبالغات ، وقرأ حمزة { *سيكتب } بالياء والبناء للمفعول { الله وَقَتْلِهِمُ } بالرفع ، ويقول بصيغة الغيبة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] وهم اليهود حيث سمعوا الاستقراض ولم يفهموا سره فوقعوا فيما وقعوا وقالوا ما قالوا ، وهذا القول إنما يجر إليه الطغيان وغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى على النفس الأمارة فتطلب حينئذ الارتداء برداء الربوبية ، ومن هنا تقول : ( أنا ربكم الأعلى ) أحياناً مع حجابها وبعدها عن الحضرة