تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (180)

{ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وان الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير }

المفردات :

ما آتاهم : أي ما أعطاهم من المال والعلم والجاه .

سيطوقون ما بخلوا به : أي سيلزمون إثمه في الآخرة كما يلزم الطوق الرقبة وقد جاء في أمثالهم : تقلدها طوق الحمامة إذا جاء بما يسب به ويذم .

ميراث السموات والأرض : أي ما يتوارثه أهلهما من مال غيره .

180

التفسير :

180- { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم . . }

أي ولا يظنن احد ان بخل الباخلين بم اعطاهم الله من فضله ونعمه هو خيرا لهم لانهم مطالبون بشكران النعم والبخل بها كفران لا ينبغي ان يصدر من عاقل .

والمراد من البخل بالفضل البخل به في أداء الزكاة المفروضة وفي الأحوال التي يتعين فيها بذل المال كالإنفاق لصد عدو يجتاح البلاد ويهدد استقلالها ويصبح أهلها أذلة بعد ان كانوا أعزة أو إنقاذ شخص من مخالب الموت جوعا .

ففي كل هذه الأحوال يجب بذل المال لانه يجري مجرى دفع الضرر عن النفس .

وليس الذم والوعيد على البخل بما يملك الإنسان من فضل ربه إذ إن الله أباح لنا الطيبات لنستمع بها ولأن العقل قاض بأن الله لا يكلف الناس بذل ما يكسبون ويبقون عراة جائعين ومن ثم قال في حق المؤمنين المهتدين { ومما رزقناهم ينفقون } ( البقرة 3 ) .

وجاءت الآية بطريق التعميم ترغيبا في بذل المال بدون تحديد ولا تعيين ووكل أمر ذلك إلى اجتهاد المؤمن الذي يتبع عاطفة الإيمان التي في قلبه وما تحدثه في النفس من أريحية بذل الواجب والزيادة عليه إذا هو تذكر أن في ماله حقا للسائل والمحروم .

{ بل هو شر لهم } . أي هو شر عظيم لهم وقد نفى أولا ان يكون خيرا ثم أثبت كونه شرا لأن المانع للحق إنما يمنعه لانه يحسب أن في منعه خيرا له لما في بقاء المال في يده من الانتفاع به في التمتع باللذات وقضاء الحاجات ودفع الغوائل والآفات .

سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة . أي سيجعل ما بخلوا به من المال طوقا في أعناقهم ويلزمهم ذنبه وعقابه ولا يجدون إلى دفعه سبيلا كما يقال : طوقني الامر أي ألزمني إياه .

وخلاصة هذا ان العقاب على البخل لازم لابد منه .

وقال مجاهد : أن المعنى : سيكلفون ان يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم فلا يستطيعون ذلك توبيخا لهم على معنى : هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنا ميسورا ونظير هذا قوله تعالى : { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } ( القلم 42 ) .

ويرى بعضهم ان التطويق حقيقي وأنهم يطوقون بطوق يكون سببا لعذابهم فتصير تلك الأموال حيات تلتوي في أعناقهم فقد روى البخاري والنسائي عن أبي هريرة قال : " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاع ( ثعبان ) أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بلهزميته ( شدقيه ) يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا الآية " 145 .

{ ولله ميراث السموات والأرض } . أي لله وحده لا لأحد سواه ما في السموات والأرض ما يتوارث من مال وغيره فينقل من واحد إلى آخر لا يستقر في يد ولا يسلم التصرف فيه لأحد إلى ما يفني الوارثون والموروثون . ويبقى مالك الملك وهو الله رب العالمين .

فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقون في سبيله وابتغاء مرضاته .

وفي الآية إيماء إلى ان كل ما يعطاه الإنسان من مال وقوة وعلم فإنه عرض زائل وصاحبه فإنه غير باق فلا ينبغي أن يستبقي الفاني ما هو مثله في الفناء بل عليه ان يضع الأشياء في مواضعها التي لها وبذا يكون خليفة الله في أرضه محسنا للتصرف فيما استخلف .

{ والله بما تعملون خبير } . أي والله لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ولا ما تنطوي عليه جوانحكم فيجازي كل عامل بما عمل بحسب تأثير عمله في تزكية نفسه او تدسيتها ونيته في فعله كما جاء في الحديث : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (180)

{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } بيان لحال البخل وسوء عاقبته وتخطئة لأهله في دعواهم خيريته حسب بيان حال الإملاء وبهذا ترتبط الآية بما قبلها . وقيل : وجه الارتباط أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل الأرواح في الجهاد وغيره شرع ههنا في التحريض على بذل المال وبين الوعيد الشديد لمن يبخل وإيراد ما بخلوا به بعنوان إيتاء الله تعالى إياه من فضله للمبالغة في بيان سوء صنيعهم فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله سبحانه وفعل الحسبان مسند إلى الموصول والمفعول الأول محذوف لدلالة الصلة عليه .

واعترض بأن المفعول في هذا الباب مطلوب من جهتين من جهة العامل فيه ومن جهة كونه أحد جزأي الجملة فلما تكرر طلبه امتنع حذفه ونقض ذلك بخبر كان فإنه مطلوب من جهتين أيضاً ولا خلاف في جواز حذفه إذا دل عليه دليل .

ونقل الطيبي عن صاحب «الكشاف » أن حذف أحد مفعولي حسب إنما يجوز إذا كان فاعل حسب ومفعولاه شيئاً واحداً في المعنى كقوله تعالى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين * قُتِلُواْ في سَبِيلِ الله أمواتا } [ آل عمران : 169 ] على القراءة بالياء التحتية ، ثم قال : وهذه الآية ليست كذلك فلا بدّ من التأويل بأن يقال : إن ( الذين يبخلون ) الفاعل لما اشتمل على البخل كان في حكم اتحاد الفاعل والمفعول ولذلك حذف ، وقيل : إن الزمخشري كنى عن قوة القرينة بالاتحاد الذي ذكره وكلا القولين ليسا بشيء ، والصحيح أن مدار صحة الحذف القرينة فمتى وجدت جاز الحذف ومتى لم توجد لم يجز .

والقول بأن هو ضمير رفع استعير في مكان المنصوب وهو راجع إلى البخل أو الايتاء على أنه مفعول أولاً تعسف جداً لا يليق بالنظم الكريم وإن جوزه المولى عصام الدين تبعاً لأبي البقاء حتى قال في «الدر المصون« : إنه غلط ، والصحيح أنه ضمير فصل بين مفعولي حسب لا توكيد للمظهر كما توهم ، وقيل : الفعل مسند إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ، أو ضمير من يحسب ، والمفعول الأول هو الموصول بتقدير مضاف أي بخل الذين ، والثاني { خَيْرًا } كما في الوجه الأول وهو خلاف الظاهر ، نعم إنه متعين على قراءة الخطاب . وعلى كل تقدير يقدر بين الباء ومجرورها مضاف أي لا يحسبن ، أو لا تحسبن الذين يبخلون بإنفاق أو زكاة ما آتاهم الله من فضله هو صفة حسنة أو خيراً لهم من الانفاق .

{ بَلْ هُوَ شَرٌّ } عظيم { لَهُمْ } والتنصيص على ذلك مع علمه مما تقدم للمبالغة { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة } بيان لكيفية شريته لهم ، والسين مزيدة للتأكيد ، والكلام عند الأكثرين إما محمول على ظاهره ، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من آتاه الله تعالى مالا فلم يؤد زكاته مُثّلَ له شجاع أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه يقول : أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية " وأخرج غير واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله تعالى إياه فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوّقه " ثم قرأ الآية . / وأخرج عبد الرزاق وغيره عن إبراهيم النخعي أنه قال : يجعل ما بخلوا به طوقاً من نار في أعناقهم .

وذهب بعضهم إلى أن الظاهر غير مراد ، والمعنى كما قال مجاهد : سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم فلا يأتون ، وقال أبو مسلم : سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق على أنه حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه للإيذان بكمال المناسبة بينهما ، ومن أمثالهم تقلدها طوق الحمامة ، وكيفما كان فالآية نزلت في مانعي الزكاة كما روي ذلك عن الصادق وابن مسعود والشعبي والسدي وخلق آخرين وهو الظاهر ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنها نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته التي نطقت بها التوراة ، فالمراد بالبخل كتمان العلم وبالفضل التوراة التي أوتوها ، ومعنى سيطوقون ما قاله أبو مسلم ، أو المراد أنهم يطوّقون طوقاً من النار جزاء هذا الكتمان . فالآية حينئذ نظير قوله صلى الله عليه وسلم : «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار » وعليه يكون هذا عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد ، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب قيل : ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم .

{ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ * السموات والارض } أي لله تعالى وحده لا لأحد غيره استقلالا أو اشتراكاً ما في السموات والأرض مما يتوارث من مال وغيره كالأحوال التي تنتقل من واحد إلى آخر كالرسالات التي يتوارثها أهل السماء مثلاً فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله وابتغاء مرضاته ، فالميراث مصدر كالميعاد وأصله موراث فقلبت الواو ياءاً لانكسار ما قبلها ، والمراد به ما يتوارث ، والكلام جار على حقيقته ولا مجاز فيه ، ويجوز أنه تعالى يرث من هؤلاء ما في أيديهم مما بخلوا به وينتقل منهم إليه حين يهلكهم ويفنيهم وتبقى الحسرة والندامة عليهم ، ففي الكلام على هذا مجاز قال الزجاج : أي إن الله تعالى يفني أهلهما فيبقيان بما فيهما ليس لأحد فيهما ملك فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثاً ملكاً له .

{ والله بِمَا تَعْمَلُونَ } من المنع والبخل { خَبِيرٌ } فيجازيكم على ذلك ، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والالتفات إلى الخطاب للمبالغة في الوعيد لأن تهديد العظيم بالمواجهة أشدّ وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ يحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } من المال ، أو العلم ، أو القدرة ، أو النفس فلا ينفقونه في سبيل الله على المستحقين ، أو المستعدين ، أو الأنبياء ، والصديقين في الذب عنهم ، أو في الفناء في الله تعالى { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ } لاحتجابهم به { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة } ويلزمون وباله ويبقى ذلك حسرة في قلوبهم عند هلاكهم على ما يشير قوله تعالى : { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض } [ آل عمران : 180 ] وقد ذكر بعض العارفين إن من أعظم أنواع البخل كتم الأسرار عن أهلها وعدم إظهار مواهب الله تعالى على المريدين وإبقائهم في مهامه الطريق مع التمكن من إرشادهم ويقال : إن مبنى الطريق على السخاء وإن السخاء بالمال وصف المريدين ، والسخاء بالنفس وصف المحبين ، وبالروح وصف العارفين . وقال ابن عطاء : السخاء بذل النفس والسر والروح والكل ، ومن بخل في طريق الحق بماله حجب وبقي معه ، ومن نظر إلى الغير حرم فوائد الحق وسواطع أنوار القرب