تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (100)

المفردات :

مراغما : متحولا يتحول إليه ، ومكانا يتنقل فيه .

وسعه : السعة : البسطة في العيش ، والزيادة في الرزق .

فقد وقع أجره على الله : أي : ثبت ثوابه عنده .

التفسير :

100_ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً . . . الآية .

كانت الآيات السابقة في تحذير المسلمين من القعود عن الهجرة . من مكة عند القدرة عليها ، وبعث الرجاء في نفوس المستضعفين بأن الله سيعفو عنهم .

وهذه الآية جاءت بعدها ؛ للترغيب في تلك الهجرة : بيان ثوابها ومنزلتها عند الله تعالى . وكونها طريقا للنصر ، وإذلال الأعداء ، وبابا واسعا للرزق . وذلك جريا على عادة القرآن الكريم : من الجمع بين الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب .

سبب النزول :

لما نزلت الآيات السابقة في التحذير من القعود عن الهجرة ؛ خرج ضمرة بن جندب مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فنزلت الآية : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ . . .

أورده ابن كثير عن ابن عباس

وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً . . . أي : ومن يعمد إلى مثل تلك الهجرة_ في سبيل إعلاء كلمة الله ، والمحافظة على دينه- يجد في الأرض متسعا لهجرته ، ورحابا فسيحة ، يستطيع التنقل فيها ، والتحول إليها ، والاستمتاع بخيراتها ، واتخاذ الموقع المناسب لضرب الأعداء والنجاة من شرهم .

وفي ذلك ما فيه الإهانة لهم ، وإرغام أنوفهم . كما يجد- إلى جانب ذلك- سعة في الرزق ، وبسطة في العيش . . . فلا عذر لأحد من الأقوياء في القعود عن الهجرة والبقاء في دار الكفر : مكتوم الأنفاس متعرضا لأذى الكفار . قال تعالى : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( العنكبوت : 56 ) .

وليست الهجرة- بصفة عامة- للهرب من العدو ، وإنما هي ضرب من الجهاد ؛ للقضاء على سيطرة الأعداء ، وتحول من موقع إلى موقع آخر ، يمكن منه ضرب العدو ، وإلحاق الأذى والذل به ، والتمكن من إقامة شعائر الدين في حرية وطلاقة .

فهي في الأصل : الانتقال من مكان إلى مكان . والمراد بها : الهجرة من أرض الكفر إلى أي مكان يأمن فيه الإنسان على نفسه وماله ودينه .

وقد هاجر بعض المسلمين- في أول الإسلام- إلى الحبشة .

ثم كانت الهجرة بعد ذلك من مكة إلى المدينة . وكانت واجبة قبل فتح مكة . وهي التي نزلت فيها آيات الترغيب والترهيب .

ولما تم فتح مكة ، واستقر الأمر فيها للمسلمين ، وأعز الله فيه الإسلام ، لم تعد هناك حاجة إلى الهجرة من مكة . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ''لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية''{[80]} .

وتشمل الهجرة بالمعنى العام : الهجرة في طلب العلم ، والهجرة في طلب الرزق ، والهجرة في نشر الدعوة الإسلامية في البلاد التي لم تصلها أو التي هي حاجة إليها . وكلها مما رغب الله فيه .

وقد تطلق الهجرة على هجر الذنوب والمعاصي ، كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ''والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه'' {[81]} .

هذا ، وقد تكفل الله تعالى ، في هذه الآية الكريمة بثواب الهجرة كاملا لمن خرج من بيته بنية الهجرة : لا يريد بذلك إلا وجه الله واللحاق برسول الله ، ثم حل به الموت قبل أن يصل إلى مقصده ، وإن أدركه أمام باب داره التي خرج منها . فقال جل شأنه :

وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ . . أي : لإعلاء كلمة الله ، فهي ضرب من الجهاد .

ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ : أي : يلحقه ، وينزل به قبل أن يبلغ مقصده .

فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ : أي ثبت ثوابه عنده ، وكان في ضمانه تعالى ؛ بمقتضى وعده وتفضيله ؛

وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا : أي : كان- ولا يزال- عظيم المغفرة لما فرط من الذنوب ، التي من جملتها :

القعود عن الهجرة من غير عذر إلى وقت الخروج إليها .

رَّحِيمًا : كثير الرحمة بعباده حيث قبل تو بتهم ، وغفر ذنوبهم .

فهذه الآية الكريمة : تطمئن المهاجر على رزقه في مهجره ؛ حتى لا يتقاعس عن الهجرة ، فترفع عنه جميع الأعباء ، وتفتح له سبل السعادة في الدنيا ، وتعده بعظيم الثواب في الآخرة حتى لو حال الموت بينه وبين ما يتمناه : من إتمام الهجرة في سبيل الله بعد أن شرع فيها


[80]:لا هجرة بعد الفتح: رواه البخاري في الجهاد (2783،2825)والترمذي في السير (1590) والدرامي في السير (2512) (1992،3325) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا. ورواه البخاري في المناقب (3899) وفي المغازي (4311) من حديث عبد الله بن عمر. ورواه مسلم في الإمارة (1864) من حديث عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة فقال: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا. وفي الباب: عن أبي سعيد الخدري، ومجاشع بن مسعود.
[81]:والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه: رواه البخاري في الإيمان (10) وفي الرقاق(6484) ومسلم في الإيمان (40) وأبو داود في الجهاد (2481) والنسائي في الإيمان (4996) وأحمد في مسنده (6943،6914،6767،6479) من حديث عبد الله بم عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه. ورواه ابن ماجه في الفتن (3934) وأحمد في مسنده (23438) من حديث فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب. ورواه البخاري في الإيمان (11) ومسلم في الإيمان (42) و الترمذي في صفة القيامة (2504) عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال من سلم المسلمون من لسانه ويده. ورواه مسلم في الإيمان (41) والدرامي في الرقاق (2712) وأحمد في مسنده (14788) من حيث جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. ورواه الترمذي في الإيمان (2627) والنسائي في الإيمان (4995) وأحمد في مسنده (7812) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أحمد في مسنده (12151) من حديث أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن من أمنه الناس المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه.
 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (100)

{ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الارض مُرَاغَماً كَثِيراً } ترغيب في المهاجرة وتأنيس لها ، والمراد من المراغم المتحول والمهاجر كما روي ذلك عن ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم فهو اسم مكان ، وعبر عنه بذلك تأكيداً للترغيب لما فيه من الأشعار بكون ذلك المتحول الذي يجده يصل فيه المهاجر إلى ما يكون سبباً لرغم أنف قومه الذين هاجرهم ، وعن مجاهد : إن المعنى يجد فيها متزحزحاً عما يكره ، وقيل : متسعاً مما كان فيه من ضيق المشركين ، وقيل : طريقاً يراغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم والرغم الذل والهوان ، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب ، وقرىء مرغماً { واسعة } أي من الرزق وعليه الجمهور ، وعن مالك سعة من البلاد .

{ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } أي يحل به قبل أن يصل إلى المقصد ويحط رحال التسيار ، بل وإن كان ذلك خارج بابه كما يشعر به إيثار الخروج من بيته على المهاجرة ، وثمّ لا تأبى ذلك كما ستعرفه قريباً إن شاء الله تعالى ، وهو معطوف على فعل الشرط ، وقرىء { يُدْرِكْهُ } بالرفع ، وخرجه ابن جني كما قال السمين على أنه فعل مضارع مرفوع للتجرد من الناصب والجازم ، والموت فاعله ، والجملة خبر لمبتدأ محذوف أي ثم هو يدركه الموت وتكون الجملة الإسمية معطوفة على الفعلية الشرطية وعلى ذلك حمل يونس قول الأعشى :

إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا *** ( أو تنزلون فإنا معشر نزل )

أي أو أنتم تنزلون وتكون الاسمية حينئذ كما قال بعض المحققين : في محل جزم وإن لم يصح وقوعها شرطاً لأنهم يتسامحون في التابع ، وإنما قدروا المبتدأ ليصح رفعه مع العطف على الشرط المضارع ، وقال عصام الملة : ينبغي أن يعلم أنه على تقدير المبتدأ يجب جعل { مِنْ } موصولة لأن الشرط لا يكون جملة اسمية ويكون { يَخْرُجُ } أيضاً مرفوعاً ، ويرد عليه حينئذ أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ ، فالأولى أن الرفع بناءاً على توهم رفع { يَخْرُجُ } لأن المقام من مظان الموصول ، ولا يخفى أنه خبط وغفلة عما ذكروا ، وقيل : إن ضم الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها ، ثم نقل حركتها إلى الكاف كقوله :

عجبت والدهر كثير عجبه *** من عنزي يسبني لم أضربه

وهو كما في «الكشف » ضعيف جداً لإجراء الوصل مجرى الوقف والنقل أيضاً ، ثم تحريك الهاء بعد النقل بالضم وإجراء الضمير المتصل مجرى الجزء من الكلمة ؛ والبيت ليس فيه إلا النقل وإجراء الضمير مجرى الجزء ، وقرأ الحسن { يُدْرِكْهُ } بالنصب ، وخرجه غير واحد على أنه بإضمار إن نظير ما أنشده سيبويه من قوله :

سأترك منزلي لبني تميم *** وألحق بالحجاز فأستريحا

ووجهه فيه أن سأترك مستقبل مطلوب فجرى مجرى الأمر ونحوه ، والآية لكون المقصود منها الحث على الخروج وتقدم الشرط الذي هو شديد الشبه بغير الموجب كانت أقوى من البيت ، وذكر بعض المحققين أن النصب في الآية جوزه الكوفيون لما أن الفعل الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب والجزم عندهم إذا وقع بعد الواو والفاء كقوله :

ومن لا يقدم رجله مطمئنة *** فيثبتها في مستوى القاع يزلق

وقاسوا عليهما ثم ، فليس ما ذكر في البيت نظير الآية ، وقيل : من عطف المصدر المتوهم على المصدر المتوهم مثل أكرمني وأكرمك أي ليكن منك إكرام ومني ، والمعنى من يكن منه خروج من بيته وإدراك الموت له .

{ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } أي وجب بمقتضى وعده وفضله وهو جواب الشرط ، وفي مقارنة هذا الشرط مع الشرط السابق الدلالة على أن المهاجر له إحدى الحسنيين إما أن يرغم أنف أعداء الله ويذلهم بسبب مفارقته لهم واتصالهم بالخير والسعة ، وإما أن يدركه الموت ويصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم ، وفي الآية ما لا يخفى من المبالغة في الترغيب فقد قيل : كان مقتضى الظاهر ومن يهاجر إلى الله ورسوله ويمت يثبه إلا أنه اختير { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا } على ومن يهاجر لما أشرنا إليه آنفاً ، ووضع { يُدْرِكْهُ الموت } موضع يمت إشعاراً بمزيد الرضا من الله تعالى ، وأن الموت كالهدية منه سبحانه له لأنه سبب للوصول إلى النعيم المقيم الذي لا ينال إلا بالموت ، وجيء بثم بدل الواو تتميماً لهذه الدقيقة ، وأن مرتبة الخروج دون هذه المرتبة ، وأقيم { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } مقام يثبه لما أنه مؤذن باللزوم والثبوت ، وأن الأجر عظيم لا يقادر قدره ولا يكتنه كنهه لأنه على الذات الأقدس المسمى بذلك الاسم الجامع ؛ وعن الزمخشري : إن فائدة { ثُمَّ يُدْرِكْهُ } بيان أن الأجر إنما يستقر إذا لم يحبط العمل الموت ، واختلف فيمن نزلت ؛ فأخرج ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة ، وكان بلغه قوله تعالى : { إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ظالمى أَنفُسِهِمْ } [ النساء : 97 ] الآية وهو بمكة حين بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسلميها فقال لبنيه : احملوني فإني لست من المستضعفين ، وإني لأهتدي الطريق ، وإني لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله ؛ ويقول : اللهم هذه لك وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على ما بايع عليه رسولك ، ولما بلغ خبر موته الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا : ليته مات بالمدينة فنزلت ، وروى الشعبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في أكتم بن صيفي لما أسلم ومات وهو مهاجر ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير أنها نزلت في خالد بن حزام وقد كان هاجر إلى الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات ، وروي غير ذلك ، وعلى العلات فالمراد عموم اللفظ لا خصوص السبب ، وقد ذكر أيضاً غير واحد أن من سار لأمر فيه ثواب كطلب علم وحج وكسب حلال وزيارة صديق وصالح ومات قبل الوصول إلى المقصد فحكمه كذلك ، وقد أخرج أبو يعلى والبيهقي عن أبي هريرة قال :

«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة ، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ، ومن خرج غازياً في سبيل الله تعالى فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة » ، واحتج أهل المدينة بالآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة ، والصحيح ثبوت الأجر الأخروي فقط { وَكَانَ الله غَفُوراً } مبالغاً في المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج { رَّحِيماً } مبالغاً في الرحمة فيرحمه سبحانه بإكمال ثواب هجرته ونيته .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ } عن مقار النفس المألوفة { يَجِدْ فِى الارض } أي أرض استعداده { مُرَاغَماً كَثِيراً } أي منازلاً كثيرة يرغم فيها أنوف قوى نفسه { واسعة } أي انشراحاً في الصدر لسبب الخلاص من مضايق صفات النفس وأسر الهوى { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ } أي مقامه الذي هو فيه مهاجراً إلى الله بالتوجه إلى توحيد الذات { وَرَسُولُهُ } بالتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات { ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } أي الانقطاع { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله } حسبما توجه إليه { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } [ النساء : 100 ] فيستر بصفاته صفات من توجه إليه ويرحم من انقطع دون الوصول بما هو أهله ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل .