يصدقوا : يتصدقوا بالدية ، بالتنازل عنها .
92- وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا . . أي : وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنا يقول : ما كان ذلك له فيما جعل له ربه ، وأذن له فيه من الأشياء البتة {[48]}
لقد حرص الإسلام على حفظ العقول والأعراض والأموال والأرواح وقد حرم الله قتل النفس . في الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : '' ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة'' {[49]} .
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا . . . أي : وما صح وما استقام لمؤمن صادق الأيمان ، فيما أتاه ربه في شريعة الإسلام ، أن يقتل إنسانا مؤمنا بغير حق إلا خطأ .
وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ . . . أي : ومن وقع منه القتل الخطأ ، فالجواب عليه في هذه الحالة أن يعتق نفسا مؤمنة ، وان يؤدي إلى ورثة القتيل دية يقتسمونها كما يقتسمون الميراث ، والدية عوض عن دم القتل ، وهي مائة من الإبل او قيمتها بالدراهم أو الدنانير ، وقد قدرها عمر رضي الله عنه بألف دينار على من يتعاملون بالذهب ، واثني عشر ألف درهم على من يتعاملون بالفضة .
روى أبو داود عن عمر رضي الله عنه : ( على أهل الإبل مائة بدنة ، وعلى أهل البقر مائتا بقرة ، وعلى أهل الشاة ألف شاة ، وعلى أهل الحلل مائتا حلة ) وتتحمل عشيرة القاتل عنه دفع الدية ، فإن لم تكن له عاقلة ؛ وجبت على بيت المال ، فإن لم تكن فيه ؛ وجبت في مال القاتل ، ولا تسقط هذه الدية ، إلا في حال تنازل أهل القتيل عنها ، وهذا التنازل نوع من المعروف وكل معروف صدقة {[50]}
قال تعالى : إلا ان يصدقوا . أي تجب الدية إلا أن يعفو أهل القتيل بالتنازل عنها تطوعا وصدقة ، هذا إذا كان المقتول خطأ مؤمنا : من قوم مؤمنين .
فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ . . . أي : فإن كان المقتول خطأ من قوم كفار معادين للمؤمنين- وهو مؤمن- فالواجب في هذه الحالة ، عتق رقبة مؤمنة ، وفكاكها من قيد الرق ، وإطلاق حريتها ؛ كفارة عن هذا القتل الخطأ ، ولا دية . . . لأنها تعود على أعداء المسلمين المحاربين ، ولا يجوز أن يدفع المسلمون أموالهم إلا عدوهم ؛ ليتقوى عليهم بسببها ، ويحاربهم بها .
روى ابن جرير الطبري عن قتادة : فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ . ولا دية لأهله ؛ من أجل أنهم كفارا ، وليس بينهم وبين الله عهد ولا ذمة .
وعن ابن عباس قال : كان الرجل يسلم ثم يأتي قومه فيقيم فيهم وهم مشركون ، فيمر بهم الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتل فيمن يقتل ، فيعتق قاتله رقبة ولا دية له .
وقال آخرون : بل عني به الرجل من أهل الحرب ، يقدم دار الإسلام فيسلم ، ثم يرجع إلى دار الحرب ، فإذا مر بهم الجيش من أهل الإسلام هرب قومه ، وأقام ذلك المسلم منهم فيها ، فقتله المسلمون وهم يحسبونه كافرا .
روى الطبري في رواية أخرى عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ . هو المؤمن يكون في العدو من المشركين ، يسمعون بالسرية من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فيفرون ، ويثبت المؤمن فيقتل ، ففيه تحرير رقبة مؤمنة {[51]} .
والروايات متقاربة في المعنى ، وكلها تثبت معنى الآية أوة الفقرة من الآية .
أي : إذا كان القتيل مؤمنا ولكن أولياءه من الكفار أهل حرب فلا دية لهم ، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة ولا غير .
وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً . . . أي : وإن كان المقتول خطأ ، من قوم كفار بينكم- أيها المسلمون- وبينهم عهد وميثاق ، وليسوا أعداء لكم ؛ فالواجب-في هذه الحالة- المبادرة بأداء دية تسلم إلى أهل القتيل ؛ تعويضا عن دمه ، كما يجب-كذلك- عتق نفس مؤمنة ؛ لأن دماء هؤلاء قد عصمت بحكم ما بينهم مبين المسلمين من ذمة وميثاق .
وقد روى ابن جرير الطبري : أن أهل التأويل اختلفوا في صفة القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق ، أهو مؤمن أو كافر ؟ فقال بغضهم : هو كافر إلا أنه لزمت قاتله ديته ؛ لأن له ولقومه عهدا ، فوجب أداء ديته إلى قومه ؛ للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين ، وأنها مال من أموالهم ولا يحل للمؤمنين شيء من أموالهم بغير طيب أنفسهم ، وقال آخرون : بل مؤمن فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين ؛ لأنهم أهل ذمة .
وعلق الطبري على القولين بقوله :
وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية ، قوله : من قال عني بذلك المقتول من أهل العهد ( سواء أكان مؤمنا أم كافرا ) لان الله أبهم ذلك ، ولم يقل وهو مؤمن ، فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيل الماضي ذكره قبل ، الدليل الواضح على صحة ما قلنا ، فإن ظن ظان أن في قوله تبارك وتعالى : فدية مسلمة إلى أهله . دليلا على أنه من أهل الإيمان ؛ لأن الدية عنده لا تكون إلا لمؤمن ، فقد ظن خطأ ؛ وذلك أن دية الذمي وأهل الإسلام سواء ؛ لإجماع جميعهم على أن ديات عبيدهم الكفار ، وعبيد المؤمنين من أهل الإيمان سواء . وذهب قوم إلى أن ديات أهل العهد والميثاق على النصف أو على الثلث من ديات أهل الإيمان ، قال الطبري : والراجح أن دياتهم وديات المؤمنين سواء {[52]} .
وقال الإمام ابن كثير في تفسيره :
وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ . . . أي : فإن كان القتيل ، أولياؤه أهل ذمة أو هدنة ، فلهم دية قتيلهم ، فإن كان مؤمنا ؛ فدية كاملة ، وكذا إن كان كافرا أيضا ؛ عند طائفة من العلماء ، وقيل : يجب في الكافرنصف دية المسلم ، وقيل ثلثها ؛ كما هو مفصل في كتاب الأحكام ، ويجب أيضا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة{[53]}
وفي هذا القسم من أقسام القتل الخطأ ، لم يوصف المقتول بالإيمان أو الكفر ؛ مما يشعر بأن وجود عهد وذمة بين المسلمين ، يسوى بين الجميع في الدية والفدية ، وبذلك يرتفع الإسلام إلى أعلى مستوى من رعاية حقوق المعاهدين والذميين ، وهو تشريع في رعاية العهد ، وحرمة الدم ولا يسامى أبدا ، و حرمة الدم الإنساني واضحة في إيجاب عتق الرقيق في جميع حالات القتل {[54]} .
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . . . أي : فمن لم يجد الرقيق بأن لم يملكه ، ولا يملك ما يوصله إليه ؛ بأن عجزعن ثمنه ، أو عجز عن شرائه مع اليسار بثمنه ، فالواجب على القاتل في هذه الحالة الانتقال إلى البدل ، وهو صيام شهرين متتابعين : لا يقع بين أيامهما إفطار بغير عذر يبيح الفطر .
قال بن كثير : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . . . أي : لا إفطار بينهما بل يسرد صومهما إلى آخرهما ، فإن أفطر من غير عذر من مرض ، أو حيض ، أو نفاس ؛ استأنف ؛ واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا على قولين . .
توبة من الله . . . يعني : تجاوزا من الله لكم ؛ إلى التيسير عليكم بتخفيفه ما خفف عنكم ، من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها ، بإيجابه صوم شهرين متتابعين {[55]} والصوم المتتابع فيه قمع الشهوة ، وإظهار التوبة ، وصفاء النفس ، و إظهار الأدب بامتثال أمر الله وطاعة أمره .
وقال ابن كثير في تفسير الآية :
واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام ؛ هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا كما في كفارة الظاهر ، على قولين :
أحدهما : نعم ، كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار ، وإنما لم يذكر ههنا ؛ لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير ؛ فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام ، لما فيه من التسهيل و الترخيص .
والقول الثاني : لا يعدل إلى الطعام ؛ لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة .
وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا . . . أي : كان الله ولا يزال ، عظيم العلم بما يصلح عباده ، فيما يكلفهم من فرائضه ؛ بالغ الحكمة في كل ما يشرعه من الأحكام .
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } شروع في بيان حال المؤمنين بعد بيان حال الكافرين والمنافقين ، وقيل : لما رغب سبحانه في قتال الكفار ذكر إثره ما يتعلق بالمحاربة في الجملة أي ما صح له وليس من شأنه { أَن يَقْتُلَ } بغير حق { مُؤْمِناً } فإن الإيمان زاجر عن ذلك { إِلاَّ خَطَئاً } فإنه مما لا يكاد يحترز عنه بالكلية وقلما يخلو المقاتل عنه ، وانتصابه إما على أنه حال أي ما كان له أن يقتل مؤمناً في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ ، أو على أنه مفعول له أي ما كان له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ ، أو على أنه صفة للمصدر أي إلا قتلا خطأ فالاستثناء في جميع ذلك مفرغ وهو استثناء متصل على ما يفهمه كلام بعض المحققين ، ولا يلزم جواز القتل خطأ شرعاً حيث كان المعنى أن من شأن المؤمن أن لا يقتل إلا خطأ . وقال بعضهم : الاستثناء في الآية منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر ، وقيل : إلا بمعنى ولا ، والتقدير وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ ، وقيل : الاستثناء من مؤمن أي إلا خاطئاً ، والمختار مع الفصل الكثير في مثل ذلك النصب ، والخطأ ما لا يقارنه القصد إلى الفعل أو الشخص ، أو لا يقصد به زهوق الروح غالباً ، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه ، وقرىء خطاء بالمد وخطا بوزن عمى بتخفيف الهمزة ، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل والحرث بن هشام لأمهما أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحب ولد أمه إليها فشق ذلك عليها فحلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه ، فأقبل أبو جهل والحرث حتى قدما المدينة فأخبرا عياشاً بما لقيت أمه ، وسألاه أن يرجع معهما فتنظر إليه ولا يمنعاه أن يرجع وأعطياه موثقاً أن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمداً إليه فشداه وثاقاً وجلداه نحواً من مائة جلدة ، وأعانهما على ذلك رجل من بني كنانة فحلف عياش ليقتلن الكناني إن قدر عليه فقدما به مكة فلم يزل محبوساً حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فخرج عياش فلقي الكناني وقد أسلم ، وعياش لا يعلم بإسلامه فضربه حتى قتله فأخبر بعد بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فنزلت ، وروي مثل ذلك عن مجاهد وعكرمة .
" أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له فوجد رجلاً من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف ، فقال : لا إله إلا الله فبدر فضربه ، ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئاً فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه ؟ا فقال : كيف بي يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : فكيف بلا إلا إلا الله ؟ا وتكرر ذلك قال أبو الدرداء فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إسلامي ثم نزل القرآن "
{ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي فعليه ( أي فواجبة ) تحرير رقبة والتحرير الإعتاق ؛ وأصل معناه جعله حراً أي كريماً لأنه يقال لكل مكرم حر ، ومنه حر الوجه للخد وأحرار الطير ، وكذا تحرير الكتاب من هذا أيضاً ، والمراد بالرقبة النسمة تعبيراً عن الكل بالجزء ، قال الراغب : إنها في المتعارف للمماليك كما يعبر بالرأس والظهر عن المركوب ، فيقال : فلان يربط كذا رأساً وكذا ظهراً { مُؤْمِنَةٍ } محكوم بإيمانها وإن كانت صغيرة ، وإلى ذلك ذهب عطاء ، وعن ابن عباس والشعبي وإبراهيم والحسن لا يجزىء في كفارة القتل الطفل ولا الكافر ، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال في حرف أبي : ( فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزىء فيها صبي ) ، وفي الآية رد على من زعم جواز عتق كتابي صغير أو مجوسي كبير أو صغير ، واستدل بها على عدم إجزاء نصف رقبة ونصف أخرى { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } أي مؤداة إلى ورثة القتيل يقتسمونها بينهم على حسب الميراث ، فقد أخرج أصحاب «السنن الأربعة » عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال : كتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها ، ويقضي منها الدين وتنفذ الوصية ولا فرق بينها وبين سائر التركة ، وعن شريك لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية . وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها ؛ وذلك خلاف قول الجماعة ، وتجب الرقبة في مال القاتل ، والدية تتحملها عنه العاقلة ، فإن لم تكن فهي في بيت المال ، فإن لم يكن ففي ماله .
{ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } أي يتصدق أهله عليه ، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه ، وقد أخرج الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كل معروف صدقة " وهو متعلق بعليه قبل ، أو بمسلمة أي فعليه الدية أو يسلمها في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بها فحينئذ تسقط ولا يلزم تسليمها ، وليس فيه كما قيل دلالة على سقوط التحرير حتى يلزم تقدير عليه آخر قبل قوله : { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } فالمنسبك في محل نصب على الاستثناء ، وقال الزمخشري : إن المنسبك في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو الظرف ، وتعقبه أبو حيان بأن كلا التخريجين خطأ لأن { ان } والفعل لا يجوز وقوعهما حالاً ، ولا منصوباً على الظرفية كما نص عليه النحاة وذكر أن بعضهم استشهد على وقوع { ان } وصلتها موقع ظرف الزمان بقوله :
فقلت لها لا تنكحيه فإنه *** لأول سهم ( أن ) يلاقي مجمعا
أي لأول سهم زمان ملاقاته ، وابن مالك كما قال السفاقسي يقدر في الآية والبيت حرف الجر أي بأن يصدقوا وبأن يلاقي ، وقرأ أبي إلا أن يتصدقوا .
{ فَإن كَانَ } أي المقتول خطأ { مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } أي كفار يناصبونكم الحرب { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } ولم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه بأن أتاهم بعد ( أن أسلم ) لمهم ، أو بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم ، والآية نزلت كما قال ابن جبير في مرداس بن عمرو لما قتله خطأ أسامة بن زيد { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } أي فعلى قاتله الكفارة دون الدية إذ وراثة بينه وبين أهله { وَإِن كَانَ } أي المقتول المؤمن ما روي عن جابر بن زيد { مِن قَوْمٍ } كفار { بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق } أي عهد مؤقت أو مؤبد { فِدْيَةٌ } أي فعلى قاتله دية { مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } من أهل الإسلام إن وجدوا ، ولا تدفع إلى ذوي قرابته من الكفار وإن كانوا معاهدين إذ لا يرث الكافر المسلم ، ولعل تقديم هذا الحكم كما قيل مع تأخير نظيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشياً عن توهم نقض الميثاق { وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } كما هو حكم سائر المسلمين ، ولعل إفراده بالذكر ما قيل أيضاً مع اندراجه في حكم ما سبق في قوله سبحانه : { وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً } الخ لبيان أن كونه فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب الدية كما منعه كونه بين المحاربين . وقيل : المراد بالمقتول هنا أحد أولئك القوم المعاهدين فيلزم قاتله تحرير الرقبة ، وأداء الدية إلى أهله المشركين للعهد الذي بيننا وبينهم ، وروي ذلك عن ابن عباس والشعبي وأبي مالك ، واستدل بها على أن دية المسلم والذمي سواء لأنه تعالى ذكر في كل الكفارة والدية فيجب أن تكون ديتهما سواءاً كما أن الكفارة عنهما سواء . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية المسلم ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم ؛ وأخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن دية أهل الكتاب كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم النصف من دية المسلمين وبذلك أخذ مالك .
وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم ودية المجوسي ثلثا عشرها ، وزعم بعضهم وجوب الدية أيضاً فيما إذا كان المقتول من قوم عدو لنا وهو مؤمن لعموم الآية الأولى ، وأن السكوت عن الدية في آيته لا ينفيها ، وإنما سكت عنها لأنه لا يجب فيه دية تسلم إلى أهله لأنهم كفار بل تكون لبيت المال ، فأراد أن يبين بالسكوت أن أهله لا يستحقون شيئاً ، وقال آخرون إن الدية تجب في المؤمن إذا كان من قوم معاهدين ، وتدفع إلى أهله الكفار وهم أحق بديته لعهدهم ، ولعل هؤلاء لا يعدون ذلك إرثاً إذ لا يرث الكافر ولو معاهداً المسلم كما برهن عليه .
{ الهدى فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة يحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها من الثمن { فَصِيَامُ } أي فعليه صيام { شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } قال مجاهد : لا يفطر فيهما ولا يقطع صيامهما ، فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامهما جميعاً ، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما ، فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستين مسكيناً لكل مسكين مدّ ، رواه ابن أبي حاتم . وأخرج عنه أيضاً أنه قال : فمن لم يجد دية أو عتاقة فعليه الصوم ، وبه أخذ من قال : إن الصوم لفاقد الدية والرقبة يجزيه عنهما ، والاقتصار على تقدير الرقبة مفعولاً هو المروي عن الجمهور وأخرج ابن جرير عن الضحاك أنه قال : الصيام لمن لم يجد رقبة ، وأما الدية فواجبة لا يبطلها شيء ، ثم قال وهو الصواب لأن الدية في الخطأ على العاقلة والكفارة على القاتل ، فلا يجزىء صوم صائم عما لزم غيره في ماله ، واستدل بالآية من قال : إنه لا إطعام في هذه الكفارة ، ومن قال : ينتقل إليه عند العجز عن الصوم قاسه على الظهار وهو أحد قولين للشافعي رحمه الله تعالى ، وبذكر الكفارة في الخطأ دون العمد ، من قال : أن لا كفارة في العمد ، والشافعي يقول : هو أولى بها من الخطأ { تَوْبَةً } نصب على أنه مفعول له أي شرع لكم ذلك توبة أي قبولاً لها من تاب الله تعالى عليه إذا قبل توبته ، وفيه إشارة إلى التقصير بترك الاحتياط . وقيل : التوبة هنا بمعنى التخفيف أي شرع لكم هذا تخفيفاً عليكم ، وقيل : إنه منصوب على الحالية من الضمير المجرور في عليه بحذف المضاف أي فعليه صيام شهرين حال كونه ذا توبة ، وقيل : على المصدرية أي تاب عليكم توبة ، وقوله سبحانه : { مِنَ الله } متعلق بمحذوف وقع صفة للنكرة أي توبة كائنة من الله تعالى . { وَكَانَ الله عَلِيماً } بجميع الأشياء التي من جملتها حال هذا القاتل { حَكِيماً } في كل ما شرع وقضى من الأحكام التي من جملتها ما شرع وقضى في شأنه .
( ومن باب الإشارة ) : في بعض ما تقدم من الآيات : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } أي وما ينبغي لمؤمن الروح { أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً } وهو مؤمن القلب { إِلا } أن يكون قتلاً { خطأ } ، وذلك إنما يكون إذا خلصت الروح من حجب الصفات البشرية فإذا أرادت أن تتوجه إلى النفس أنوارها لتميتها وقع تجليها على القلب فخر صعقاً من ذلك التجلي ودك جبل النفس دكاً فكان قتله خطأ لأنه لم يكن مقصوداً { خَطَئاً وَمَن قَتَلَ } قلباً { مُؤْمِناً } خطأ { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } وهي رقبة السر الروحاني وتحريرها إخراجها عن رق المخلوقات { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } تسلمها العاقلة وهي الألطاف الإلهية إلى القوى الروحانية فيكون لكل منهما من حظ الأخلاق الربانية { إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } وذلك وقت غنائهم بالفناء بالله تعالى { فَإن كَانَ } المقتول بالتجلي { مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } بأن كان من قوى النفس الأمارة { وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } وهي رقبة القلب فيطلقه من وثاق رق حب الدنيا والميل إليها ، ولا دية في هذه الصورة لأهل القتيل { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } بأن كان من قوى النفس القابلة للأحكام الشرعية ظاهراً والمهادنة للقلب { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } واجبة على عاقلة الرحمة { إلى أَهْلِهِ } أي أهل تلك النفس من الصفات الأخر { وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } وهي رقبة الروح وتحريرها إفناؤها وإطلاقها عن سائر القيود { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة كذلك بأن كانت روحه محررة قبل
{ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } [ النساء : 92 ] أي فعليه الإمساك عن العاديات وترك المألوفات ستين يوماً ، وهي مقدار مدة الميقات الموسوي ونصفها رجاء أن يحصل له البقاء بعد الفناء