{ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين }
حلا : أي حلالا وهو مصدر نعت به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كما قال تعالى : ( لا هن حل ) .
إسرائيل : هو يعقوب عليه السلام وبنوه : ذريته .
جاء في تفسير النيسابوري1 ما يأتي :
بعد أن قرر سبحانه الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبعد توجيه الإلزامات الواردة على اهل الكتاب في هذا الباب أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه :
أحدهما : أنهم كانوا يعولون في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على إنكار النسخ 2 فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالا ثم صار حراما عليه وعلى أولاده وهو النسخ ، ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا ان ذلك كان حراما من لدن آدم ولم يحدث نسخ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاما لهم وتفضيحا ودلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميا فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر السماء .
وثانيهما : أن اليهود قالوا له انك تدعي أنك على ملة إبراهيم فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم فأجيبوا بأن ذلك كان حلالا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إلا ان يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع إلى التوراة .
وثالثها : لما نزل قوله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ( النساء 160 ) وقوله : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } ( الانعام 146 ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على انه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم غاظهم ذلك واشمئزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ 3ومن قبل انه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم فقالوا لسنا بأول من حرمت عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت : { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل }4 .
يمكن أن نلحظ في هذه الآية بيان لخصال اليهود وعنادهم ولجاجتهم في الخصومة ويتضح ذلك من الآتي :
1- لقد أنكروا النسخ وقالوا هو شبيه بالبداء وذلك لا يليق بالله تعالى والبداء هو أن تعمل عملا او تقرر رأيا ثم يبدو لك ان الأفضل ترك هذا العمل أو تغيير هذا الرأي وهذا أمر يليق بالمخلوق بالمخلوق لقصر رأيه وتبدل أفكاره وحكمه ولا يليق بالخالق ومن هنا أنكروا النسخ .
وقد بين القرآن ان أمر سنة الله التدرج في التشريع ومراعاة مصالح الناس واختيار ما يناسب مراحل حياتهم فقد أمر المسلمين بالصبر في مكة ثم أمروا بالجهاد في المدينة وحرمت الخمر على مراحل وأبيح زواج المتعة في اول عهد المسلمين بالإسلام وعند خروجهم للجهاد ثم حرم زواج المتعة وهو الزواج المؤقت .
وهكذا نجد ان حكمة الله نسخ الأحكام وتبديلها بما هو انسب لعباده قال تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ( البقرة 106 ) .
2- نلحظ عناد اليهود ومكابرتهم حيث ادعوا أن تحريم لحوم الإبل وألبانها قديم من عهد الرسل السابقين فكذبهم الله تعالى .
3- ادعى اليهود أن التوراة حرمت عليهم لحوم الإبل وألبانها إتباعا لطريقة إسرائيل حيث حرمها على نفسه ثم على ذريته وأبنائه متابعة لأبيهم فطلب الله منهم أن يأتوا بالتوراة إن كانوا صادقين .
( وبالرجوع إلى التوراة في مظان هذا الموضوع لم نجد فيها أساسا لدعواهم أن ذلك التحريم شرعه الله أي عهد من عهود النبوات ولا لدعواهم أن التحريم انتقل إليهم من الشرائع السابقة ولا لدعواهم أن الله حرمها عليهم بتحريم يعقوب لها على نفسه ولقد كان اليهود يدعون أن ذلك شرع قديم ولكن الرسول كشف الغطاء عن الحق فبهتوا وبان لهم –بذلك- أنهم في ضلالهم يعمهون ) 5 .
قد يقول إنسان : أن الله تعالى قد مدح اليهود وأثنى على إيمانهم ووصفهم بصفات طيبة مثال ذلك آيات كثيرة وردت في القرآن الكريم ومنها قوله تعالى : { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وإني فضلتكم على العالمين ( البقرة 47 ) والجواب ان الله مدح اليهود عندما آمنوا بموسى واتبعوا تعاليم التوراة ودفعوا تكاليف الإيمان فكان كل هذا سببا في مدحهم والثناء عليهم وتفضيلهم على اهل زمانهم ثم لما حرفوا التوراة واعتدوا في السبت واتهموا مريم في شرفها وظهر منهم العدوان والعناد وإنكار رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد استحقوا عقوبة الدنيا وعذاب الآخرة .
ونجد آيات كثيرة في القرآن الكريم تشير إلى هذا مثل قوله تعالى : { فبما نقضتم ميثاقكم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به } ( المائدة 13 ) وقوله عز شانه { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه فلبئس ما كانوا يفعلون } ( المائدة 78-79 ) .
2- من مسند الإمام احمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمهن إلا نبي قال سلوني ما شئتم قال أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 6 ( أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى : هل تعلمون ان إسرائيل مرض مرضا شديدا وطال سقمه فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الأشياء إليه وأحب الطعام إليه وكان أحب الطعام إليه لُحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها فقالوا اللهم نعم قال اللهم اشهد عليهم 7 . . إلى آخر الحديث .
وتفيد الآثار ان يعقوب عليه السلام اشتكى مرضا فنذر لله تعالى لئن شفاه الله من هذا المرض ليحرمن على نفسه لحوم الإبل وألبانها أو عروقها .
قال ابن جرير الطبري : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول ابن عباس الذي رواه الأعمش عن حبيب عن سعيد عنه أن ذلك العروق ولحوم الإبل لان اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمها كما كان عليه من ذلك أوائلها .
ويرى الشيخ محمد عبده : ان المراد بإسرائيل في قوله تعالى : { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } هو شعب بني إسرائيل .
وتابعه على هذا الرأي السيد رشيد رضا في تفسير المنار حيث قال :
والمتبادر عندي أن المراد بما حرمه إسرائيل على نفسه : ما امتنعوا من أكله وحرموه على أنفسهم بحكم العادة والتقليد لا بحكم من الله كما يعهد مثل ذلك في جميع الأمم ومنه تحريم العرب للبحيرة والسائبة 8 وغير ذلك مما حكاه القرآن عنهم . ا ه .
وعند التحقيق ترى أيها القارئ أن رأي الشيخ محمد عبده مرجوح لا راجح وخصوصا إذا عرفنا أسباب نزول الآية وما رواه الإمام أحمد في مسنده عن سبب نزولها .
وفائدة قوله تعالى : { من قبل ان تنزل التوراة } : أنه لو كان شرع له ولبني إسرائيل ذلك لذكر في التوراة لانه سابق على نزولها على موسى .
قوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فآتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن افتر على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : إنك تدعي أنك عل ملة إبراهيم ، فلو كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم ، ويريدون بذلك إثارة الشبهة في دعوته عليه الصلاة والسلام ، فأجابهم صلى الله عليه و سلم عن هذه الشبهة المصطنعة بقوله : ذلك أن حلا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه .
والذي حرمه يعقوب على نفسه كلحوم الإبل وألبانها ، فقد قيل : كان به عرق النسا وهو شديد الإيجاع ، حتى إنه ما كان ينام منه في ليله ، فنذر لئن شفي من هذا المرض لا يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحبه إليه . وقيل : فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء{[520]} لكن اليهود أنكروا ذلك فأمرهم الرسول صلى الله عليه و سلم بإحضار التوراة وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام ، فعجزوا عن ذلك ، فاستبان أنهم كاذبون وأنهم أهل افتراء وباطل .
على أن يستفاد من ظاهر الآية جواز وقوع النسخ وهو ما ينكره اليهود ، فقد كانوا يعولون في إنكار شريعة الإسلام على إنكار تشريع النسخ ، فأبطل الله عليهم ذلك لما بين جواز حصول النسخ . وذلك من جملة الدلالات والحجج على صدق الإسلام وصدق رسول الله الأمين عليه الصلاة من الله والتسليم .
وفي بيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه قد وقع في التوراة هو أن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة أباه الله له جميع دواب الأرض يأكل منها ، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها ، فاتبعه بنوه في ذلك ، وجاءت التوراة بتحريم ذلك .
وكان الله عز وجل قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك بعد كله . وكان التسري على الزوجة مباحا في شريعة إبراهيم عليه ، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة ، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغا وقد فعله يعقوب عليه السلام إذ جمع بين الأختين ثم حرم ذلك عليهم في التوراة . هذا كله منصوص عليه في التوراة عند اليهود ، وهذا هو النسخ بعينه{[521]} .
قوله : ( كل الطعام كان حالا لبني إسرائيل ) الطعام أي المطعومات . والمعنى أن كل المطعومات كانت حلالا لبني إسرائيل وهو يعقوب لم يحرم عليهم منها شيء إلا ما كان يعقوب حرمه على نفسه وهي لحوم الإبل وألبانها . وهذا مقتضى قوله تعالى : ( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) .
وقوله : ( من قبل أن تنزل التوراة ) أي قبل نزول التوراة كان حلا لبني إسرائيل كل المطعومات سوى ما حرمه إسرائيل ( يعقوب ) على نفسه . أما بعد التوراة فلم يبق كذلك ، بل حرم الله تعالى عليهم أنواعا كثيرة بسبب ظلمهم وبغيهم . وفي ذلك رد على اليهود لما أنكروا ما قصه الله سبحانه على رسوله صلى الله عليه و سلم من أن سبب ما حرمه الله عليهم هو ظلمهم وبغيهم كما في قوله : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) الآية . فقد كانوا يقولون كاذبين : لسنا أول من حرمت عليه هذه المطعومات وما ذلك إلا تحريم قديم ، فقد كانت هذه المطعومات محرمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهكذا . . إلى أن انته التحريم إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا . وقصدهم من ذلك تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل الله وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل وما عدد من مساوئهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم علي{[522]}هم نوعا من الطيبات عقابا لهم .
قوله : ( قل فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) أمر الله نبيه أن يقول للزاعمين من اليهود الذين زعموا أن الله حرم عليهم في التوراة لحوم الإبل وألبانها ( فآتوا بالتوراة ) وذلك لكشف كذبهم في مقالتهم . وبذلك أمر الله أن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم تبكيتا بما هو منطوق به في التوراة من أن تحريم ما حرم عليهم إنما هو تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم وليس هو بالتحريم القديم كما ادعوا ؛ لكن اليهود لم يجسروا على إخراج التوراة ، بل إنهم بهتوا وانقلبوا مرتكسين . وفي هذا تقوم الحجة الساطعة على صدق النبي صلى الله عليه و سلم وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه . وهذا مقتضى قوله تعالى : ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) .