الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي - السيوطي  
{۞كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَـٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (93)

أخرج عبد بن حميد والفريابي والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } قال : العرق . أخذه عرق النسا ، فكان يبيت له زقاء يعني صياح ، فجعل لله عليه إن شفاه أن لا يأكل لحما فيه عروق ، فحرمته اليهود .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طريق يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال : هل تدري ما حرم إسرائيل على نفسه ؟ إن إسرائيل أخذته الأنساء فأضنته ، فجعل لله عليه إن عافاه الله أن لا يأكل عرقا أبدا . فلذلك تسل اليهود العروق فلا يأكلونها .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : حرم على نفسه العروق ، وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا ، فكان لا ينام الليل فقال : والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد ، وليس مكتوبا في التوراة . " وسأل محمد صلى الله عليه وسلم نفرا من أهل الكتاب فقال : ما شأن هذا حراما ؟ فقالوا : هو حرام علينا من قبل الكتاب فقال الله { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } إلى { إن كنتم صادقين } " .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " جاء اليهود فقالوا : يا أبا القاسم أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه ؟ قال : كان يسكن البدو ، فاشتكى عرق النسا ، فلم يجد شيئا يداويه إلا لحوم الإبل وألبانها ، فلذلك حرمها قالوا : صدقت " .

وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } قال : حرم العروق ، ولحوم الإبل ، كان به عرق النسا فأكل من لحومها ، فبات بليلة يزقو ، فحلف أن لا يأكله أبدا .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي محلز في قوله { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } قال : إن إسرائيل هو يعقوب ، وكان رجلا بطيشا ، فلقي ملكا فعالجه ، فصرعه الملك ، ثم ضرب على فخذه ، فلما رأى يعقوب ما صنع به بطش به فقال : ما أنا بتاركك حتى تسميني اسما . فسماه إسرائيل ، فلم يزل يوجعه ذلك العرق حتى حرمه من كل دابة .

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : حرم على نفسه لحوم الأنعام .

وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ، أنه كان يقول : الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد ، والكليتين ، والشحم ، إلا ما كان على الظهر . فإن ذلك كان يقرب للقربان فتأكله النار .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء { إلا ما حرم إسرائيل } قال : لحوم الإبل وألبانها .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال : " قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم : نزلت التوراة بتحريم الذي حرم إسرائيل ، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } وكذبوا ليس في التوراة ، وإنما لم يحرم ذلك إلا تغليظا لمعصية بني إسرائيل بعد نزول التوراة { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم : كان موسى يهوديا على ديننا ، وجاءنا في التوراة تحريم الشحوم ، وذي الظفر ، والسبت . فقال محمد صلى الله عليه وسلم : كذبتم لم يكن موسى يهوديا ، وليس في التوراة إلا الإسلام . يقول الله { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } أفيه ذلك وما جاءهم بها أنبياؤهم بعد موسى ، فنزلت في الألواح جملة " .

وأخرج عبد بن حميد عن عامر ، أن عليا رضي الله عنه قال في رجل جعل امرأته عليه حراما قال : حرمت عليه كما حرم إسرائيل على نفسه لحم الجمل فحرم عليه . قال مسروق : إن إسرائيل كان حرم على نفسه شيئا كان في علم الله أن سيحرمه ، إذا نزل الكتاب فوافق تحريم إسرائيل ما قد علم الله أنه سيحرمه ، إذا نزل الكتاب وأنتم تعمدون إلى الشيء قد أحله الله فتحرمونه على أنفسكم ما أبالي إياها حرمت أو قصعة من ثريد .