تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (25)

المفردات :

أكنة : الأكنة ؛ الأغطية . جمع كنان .

وقرا : الوقر بالفتح ؛ الثقل في السمع ، يقال : وقرت أذنه من باب تعب ووعد : صمت وثقل سمعها .

يجادلونك : يخاصمونك وينازعونك .

أساطير : أباطيل .

التفسير :

25- ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه . . . أي : ومن هؤلاء المشركين والمكذبين من يستمع إليك استماع استعلاء وانتقاد فلا تتفتح قلوبهم للحق ولا تستجيب للهدى ، فقد جعل الله عليها أغطية معنوية ، من التكبر والعناد فلا يفقهون القرآن ولا يستجيبون لداعي الرحمن .

جاء في كتب التفسير ( 76 ) روى عن ابن عباس قال :

حضر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أبو سفيان ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بين الحارث ، والحارث بن عامر ، وأبو جهل ، في جمع كثير ، واستمعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يقرأ القرآن ، فقالوا للنضر يا أبا قتيلة ، ما يقول محمد ؟ فقال والذي جعل الكعبة بيته ، ما أدري ما يقول ، إلا أنى أراه يحرك شفتيه ، ويتكلم بأساطير الأولين ، مثل ما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية – وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى ، يحدث قريشا بما يستملحونه ، قال أبو سفيان : إني لا أدري بعض ما يقول محمد حقا ، فقال أبو جهل : كلا . . . فأنزل الله الآية : ومنهم من يستمع إليك وجعلنا قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا .

قال السيد رشيد رضا : وجعل الأكنة على القلوب ، والوقر في الآذان في الآية من تشبيه الحجب والموانع المعنوية بالحجب والموانع الحسية ، فإن القلب الذي لا يفقه الحديث ولا يتدبره كالوعاء الذي وضع عليه الكن أو الكنان ، وهو الغطاء حتى لا يدخل فيه شيء ، والآذان التي لا تسمع الكلام سماع فهم وتدبر كالآذان المصابة بالثقل أو الصمم ، لأن سمعها وعدمه سواء . ( 77 ) .

وقال الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة :

( وهنا يسأل سائل : إذا كان منع الهداية من الله تعالى بالغشاوة على قلوبهم والختم عليها ، وبالوقر في آذانهم فلا يسمعون سماع تبصر ، فماذا يكون عليهم من تبعة يحاسبون عليها حسابا عسيرا بالعذاب الأليم ؟

والجواب عن ذلك أن الله سبحانه وتعالى ، يسير الأمور وفق حكمته العليا ، فمن يسلك سبيل الهداية يرشده وينير طريقه ويثبته ، ومن يقصد إلى الغواية ويسير في طريقها تجيئه النذر تباعا إنذارا بعد إنذار ، فإن أيقظت النذر ضميره ، وتكشفت العماية عن قلبه فقد اهتدى وآمن بعد كفر ، ومن لم تجد فيه النذر المتتابعة ، ولم توقظ له ضميرا ، ولم تبصره من عمى ، فقد وضع الله تعالى على قلبه غشاوة وفي آذانه وقرا ( 78 ) .

وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها . . . الآية .

لقد عطلوا منافذ الإدراك في قلوبهم ونفوسهم فإذا شاهدوا الآيات الدالة على صحة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعرضوا عنها عنادا واستكبارا مع وضوح حجتها وظهور الحق فيها .

لأن قلوبهم وأسماعهم مستغرقة في أنانيتهم وعنجهيتهم ، فلا تستجيب للإيمان ولا تقبل الهدى .

حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين . والمعنى أنهم بلغوا من الكفر والعناد أنهم إذا جاءوك محاولين منكرين للحق لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان ، بل يبحثون عن أسباب الرد والتكذيب ، ويتلمسون أوجه الشبهات البعيدة فيصفون القرآن بأنه يحكي أساطير الأولين ، حين يحكي عن أخبار الأمم الغابرة من باب التمحل والتماس أو هي الأسباب .

ورد أن مالك بن النضر كان يحفظ أساطير فارسيه عن رستم واسفنديار من أبطال الفرس وكان يجلس مجلسا قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلوا القرآن ، فيقول للناس : إن كان محمد يقص عليكم أساطير الأولين ، فعندي أحسن منها ، ثم يروح يقص عليهم مما عنده من الأساطير فيصرفهم عن الاستماع إلى القرآن الكريم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ} (25)

قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهون وفي ءاذانهم وقرا وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجدلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أسطير الأولين } الأكنة جمع كنان وهو الغطاء الساتر . والأكنة ، الأغطية . ومنه أكننت الشيء في نفسي أي أخفيته وسترته . والكن بالكسر ، وقاء كل شيء وستره{[1139]} والله يبين حال المشركين الظالمين وما يتيهون فيه من الحماقة والعماية والسفه ، حتى لكأنهم بغير بصر ولا سمع ولا بصيرة . أو لكأنهم ركام مصفوف من التماثيل الجوامد التي لا تعي ولا تعقل . كذلك كان حال المشركين الجاحدين . بل ما فتئوا يكررون ديدنهم في الضلالة والجهالة لدى سماعهم تعاليم الإسلام . فما يدعوهم المسلمون إلى الخير ويبينون لهم طريق النجاة والسلامة ، ويحذرونهم من طريق الشر والشيطان ومخالفة أمر الله ويبصرونهم بخير منهاج وتشريع يصلح عليه حالهم في الدنيا والآخرة إلا أعرضوا وصدوا عن ذلك صدودا ولم يعبأوا بنداء الحق الظاهر الأبلج . فقال سبحانه : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا } أي جعلنا على قلوبهم ستارا جزاء لهم على كفرهم . فهم ما داموا غير منتفعين بما يسمعون ولاهم مستجيبون لنداء الحق فإنهم بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم البتة . أو بمنزلة البهيمة لا تسمع إلا صياحا ونداء وهي لا تعي مما يقال شيئا . ومن أجل ذلك جعل الله على قلوبهم الأكنة وهي الأغطية { أن يفقهوه } أي لئلا يفهموا القرآن ولا ما يقال لهم من الدلائل والحجج والذكر والمواعظ وكذلك قوله : { وفي ءاذانهم وقرا } الوقر معطوف على أكنة . والوقر معناه الثقل والصمم .

قوله : { وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها } يبين الله أن هؤلاء الذين يعدلون الأوثان والأنداد بهم والذين ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لا تؤثر فيهم حجة ولا يحملهم برهان على توحيد الله والاستجابة لدعوة الإسلام . بل إنهم يهرعون مدبرين مستنكفين عن الحق فلا يؤمنون مهما يروا من الدلائل والبراهين .

قوله : { حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أسطير الأولين } يعني إذا جاءك هؤلاء المشركون الظالمون السفهاء ليحاجوك وناظروك فيما جئتهم به من الحق قالوا : { إن هذا إلا أسطير الأولين } أي ما هذا الذي جئتنا به يا محمد إلا مأخوذ من أساطير الأولين أي كتبهم وأحاديثهم . والأساطير جمع إسطارة وأسطورة مثل أضحوكة . وقيل : الأساطير بمعنى الخرافات والترهات .

وذلك هو ديدن المشركين المعاندين في كل زمان . فإنهم لا تؤزهم حجة ولا يستنفرهم برهان فينزعوا بذلك صوب الحق واليقين . ولكنهم يتثاقلون إلى الباطل والضلال فيأبوا إلا التمرد والعتو والاستكبار . ثم لا يألون بعد ذلك جهدا في محاربة الإسلام لصده وإيقافه كيلا يشيع أو ينتشر وذلك بمختلف الأساليب والوسائل من القهر والإذلال والتنكيل والتشريد والتشويه والتشكيك وافتراء الأباطيل .


[1139]:- القاموس المحيط ص 1584.