تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ} (58)

{ وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ( 59 ) } .

المفردات :

يلمزك : يعيبك سرا .

في الصدقات : في شأن قسمة أموال الزكاة .

يسخطون : يغضبون .

58 – { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } .

سبب النزول :

روى البخاري والنسائي : عن سعيد الخدري رضي الله عنه : قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسما ، إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي – وهو حرقوص بن زهير – أصل الخوارج – فقال عمر بن الخطاب : ائذن لي أن أضرب عنقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه ؛ فإن له أصحابا أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامه ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الدمية100 .

فنزلت فيهم : { ومنهم من يلزمك في الصدقات . . . }الآية .

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر : نحوه ، وروى ابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال : " أتي النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة ، فقسمها ههنا وههنا ، حتى ذهبت ، ورأى رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل ، فنزلت هذه الآية " .

ومجموع الروايات يدل على أن الطاعنين من المنافقين .

المعنى :

ومن هؤلاء المنافقين – يا محمد – من يعيبك ويطعن عليك في قسمة الصدقات والغنائم ، زاعمين أنك لست عادلا في قسمتك .

{ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } .

إن رضاهم وغضبهم لأنفسهم لا للدّين ، وما فيه صلاح أهله ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم استعطف قلوب أهل مكة يوم النصر في غزوة حنين والطائف ، فضجر المنافقون فقال تعالى : { فإن أعطوا منها رضوا . . . } .

وقيل : نزلت في المؤلفة قلوبهم ؛ كان يعطيهم النبي صلى الله عليه وسلم للتأليف ، وقيل : هو ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج . وقيل : هو أبو الجواظ من المنافقين قال : ألا ترون إلى صاحبكم ؟ إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ، هو يزعم أنه يعدل ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أبالك ، أما كان موسى راعيا ، أما كان داود راعيا ؟ ؟ فلما ذهب ؛ قال عليه الصلاة والسلام : احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون .

{ فإن أعطوا منها رضوا . . . . } .

أي : إن أعطوا من الزكاة أو من الغنائم ولو بغير حق رضوا ، وإن لم يعطوا منها فاجؤوك بالسخط ، وإن لم يستحقوا العطاء ، فهم إنما يغضبون لأنفسهم ولمنافعهم ، لا للمصلحة العامة ، فليس طعنهم أو نقدهم بريئا ، ولكن لهدف خاص .

قال الإمام الرازي :

اعلم أن المقصود من هذا : شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم ، وهو طعنهم في الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ، ويقولون : إنه يؤثر من يشاء من أقاربه وأهل مودته ، وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل101 .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ} (58)

قوله تعالى : { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } روي الشيخان عن أبي سعيد الخدري في قصة ذي الخويصرة واسمه حرقوص وهو أصل الخوارج لما اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم حنين فقال له : اعدل فإنك لم تعدل ، فقال : ( لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رآه مقفيا : ( إنه يخرج من ضئضي هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ؛ فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء ) فنزلت الآية من أجل ذلك{[1804]} أن فريقا من عابوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسم الصدقات واتهموه في ذلك بعدم العدل . وفي الحقيقة إنهم هم المتهمون المأفونون ، بل

إنهم هم الميبون الخاطئون بنفاقهم وخيانتهم وفساد ضمائرهم . وهم فوق ذلك يخدشون الجناب المعصوم . الجناب الذي ترفرف على العالمين نسائم فضله الأكرم ، وتشع على الخافقين سواطع نوره المشرق . يعيه المنافقون التافهون الجبناء بأكذوبة مفضوحة تندلق من حناجرهم القذرة وهي تزدرد مثل هذا التقول المكذوب على أقدس كريم أظلته السماء أو أقلته الأرض .

وقوله : { يلمزك في الصدقات } من اللمز ، وهو العيب . وأصله الإشارة بالعين ، ونحوها . ورجل لمزة ؛ أي عياب{[1805]} .

قوله : { فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } { يسخطون } من السخط ، وهو الغضب . تقول : أسخطه فسخط ؛ أي أغضبته فغضب{[1806]} ، والمعنى : أن هؤلاء المنافقين الذين يعيبونك في قسم أموال الزكاة ، ويطعنون عليك فيها لم يكن مرادهم الرغبة في العدل أو في الدين ؛ بل كان مبتغاهم الاستكثار من النصيب ؛ فإن أنت أعطيتهم منها ما يرضيهم رضوا ، وإن أنت لم تعطهم منها سخطوا عليك وعابوك{[1807]} .


[1804]:أسباب النزول للنيسابوري ص 167 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 363.
[1805]:مختار الصحاح ص 604.
[1806]:المصباح المنير جـ 2 ص 288.
[1807]:تفسير القرطبي جـ 8 ص 166 وتفسير الطبري جـ 10 ص 108.