تأجرني : تكون أجيرا لي ، وفي القاموس : أجره يأجره ، جزاه ، كآجره ، والأجر : الجزاء على العمل .
حجج : جمع حجة بكسر الحاء وهي السنة .
أشق عليك : أوقعك في المشقة والصعاب .
27-{ قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين }
أي : قال شعيب لموسى : إني أريد أن أزوجك واحدة من ابنتي هاتين ، الكبرى أو الصغرى ، ولك أن تختار من تروق لك ، على أن يكون مهرها أن تعمل عندي أجيرا لرعي الغنم ثماني سنوات ، فإن أتممت عشرا في الخدمة والعمل فهذا تفضل منك وتطوع وتبرع لا ألزمك به ، وما أريد أن أصعب عليك الأمر فألزمك بأبعد الأجلين ، ولا أشدد عليك في العمل بل ستجد المياسرة والسماح ، وستجدني إن شاء الله من الصالحين ، المحسنين للمعاملة الموفين للعهد ، وفي هذه الآية سنّة حسنة ، حيث عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل ، وعلى هذه السنة سار الخلفاء ، فقد عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ، فلا بأس بعرض الرجل ابنته ، والمرأة تعرض نفسها على الرجل الصالح ، اقتداء بالسلف الصالح .
ونلاحظ أن الأب عرض إحدى ابنتيه فهو عرض لا عقد ، لأنه لو كان عقدا لعين المعقود عليها له لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز الإبهام في النكاح ، فلا بد من تعيين المعقود عليها .
أما تعيين الفتاة فقد حدث عند العقد ، أن اختار موسى إحداهما للزواج منه ، وتم الزواج وبدأ تنفيذه والالتزام بالأجرة ، وتنفيذ الشروط حتى تم الأجل المتفق عليه .
وفي الآية تيسير الزواج والمعاونة على إتمامه ، والأخذ بيد الشباب ليقفوا على أقدامهم ويفتحوا بيتا في الحلال .
وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلا امرأة على أن يعلمها عشرين آية ، وإذا وسّع الله عليه عوّضها ، وهذا يعبر عن روح الإسلام في تيسير العفة والتصون ، وتعاون الأغنياء والصلحاء والجمعيات الخيرية في حل أزمة الزواج ، وتيسير التعارف بين الراغبين فيه ، وتيسير المسكن والحياة الزوجية ، وبذلك نوسع فرص الحلال ، ونقضي على الشذوذ والانحراف والزنا والخيانة ، وتعود إلينا قيمنا الأصيلة ، ومنها العفة والاستقامة والتطهر ، وغض البصر وحفظ الفرج والبعد عن الريبة والفاحشة .
قوله تعالى : { قال } شعيب عند ذلك : { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } واسمهما صفوراء وليا في قول شعيب الجبائي ، وقال ابن إسحاق : صفورة وشرقا وقال غيرهما : الكبرى صفراء والصغرى صفيراء . وقيل زوجه الكبرى . وذهب أكثرهم إلى أنه زوجه الصغرى منهما واسمها صفورة ، وهي التي ذهبت لطلب موسى ، { على أن تأجرني ثماني حجج } يعني : أن تكون أجيراً لي ثمان سنين ، قال الفراء : يعني : اجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني حجج ، تقول العرب : آجرك الله بأجرك أي : أثابك ، والحجج : السنون ، واحدتها حجة ، { فإن أتممت عشراً فمن عندك } أي : إن أتممت عشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع ، ليس بواجب عليك ، { وما أريد أن أشق عليك } أي : ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع ، { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } قال عمر : يعني : في حسن الصحبة والوفاء بما قلت .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ف {قال} شعيب لموسى، عليهما السلام: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي} يعني أن أزوجك إحدى ابنتي {هاتين على أن تأجرني} نفسك {ثماني حجج فإن أتممت عشرا} يعني عشر سنين، {فمن عندك وما أريد أن أشق عليك} في العشر {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} يعني من الرافقين بك.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قالَ أبو المرأتين اللتين سقى لهما موسى لموسى:"إنّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتيّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ" يعني بقوله: "عَلى أن تَأْجُرَنِي": على أن تثيبني من تزويجها رعي ماشيتي ثماني حِجَج، من قول الناس: آجرك الله فهو يَأجُرُك، بمعنى: أثابك الله، والعرب تقول: أَجَرت الأجير آجُره، بمعنى: أعطيته ذلك... وكأن أباها عندي جعل صداق ابنته التي زوّجها موسى رَعْي موسى عليه ماشيته ثمانيَ حجج، والحِجَج: السنون.
وقوله: "فإنْ أتمَمْتَ عَشْرا فَمِنْ عِنْدِكَ "يقول: فإن أتممت الثماني الحجج عشرا التي شرطتها عليك بإنكاحي إياك أحدى ابنتيّ، فجعلتها عشر حجج، فإحسان من عندك، وليس مما اشترطته عليك بسبب تزويجك ابنتي. "وَما أُرِيدُ أنْ أشُقّ عَلَيْكَ" باشتراط الثماني الحِجَج عَشْرا عليك "سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّالِحِينَ" في الوفاء بما قلت لك.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{ستجدني إن شاء الله من الصالحين} في جميع ما يجري بينك وبيني من المعاملة والصحبة.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فَإِنْ أَتْمَمْتَ} عمل عشر حجج {فَمِنْ عِندِكَ} فإتمامه من عندك. ومعناه: فهو من عندك لا من عندي، يعني: لا ألزمكه ولا أحتمه عليك، ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع، وإلا فلا عليك {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} بإلزام أتمّ الأجلين وإيجابه. فإن قلت: ما حقيقة قولهم: شققت عليه، وشق عليه الأمر؟ قلت: حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة: أطيقه، وتارة: لا أطيقه. أو وعده المساهلة والمسامحة من نفسه، وأنه لا يشق عليه فيما استأجره له من رعي غنمه، ولا يفعل نحو ما يفعل المعاسرون من المسترعين، من المناقشة في مراعاة الأوقات، والمداقة في استيفاء الأعمال، وتكليف الرعاة أشغالاً خارجة عن حدّ الشرط، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس...
{سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصالحين} يدل على ذلك، يريد بالصلاح: حسن المعاملة ووطأة الخلق ولين الجانب. ويجوز أن يريد الصلاح على العموم. ويدخل تحته حسن المعاملة، والمراد باشتراط مشيئة الله بما وعد من الصلاح: الاتكال على توفيقه فيه ومعونته، لا أنه يستعمل الصلاح إن شاء الله، وإن شاء استعمل خلافه..
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
واستجاب الشيخ لاقتراح ابنته. ولعله أحس من نفس الفتاة ونفس موسى ثقة متبادلة، وميلا فطريا سليما، صالحا لبناء أسرة. والقوة والأمانة حين تجتمعان في رجل لا شك تهفو إليه طبيعة الفتاة السليمة التي لم تفسد ولم تلوث ولم تنحرف عن فطرة الله. فجمع الرجل بين الغايتين وهو يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ويرعى ماشيته ثماني سنين. فإن زادها إلى عشر فهو تفضل منه لا يلزم به. (قال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، على أن تأجرني ثماني حجج. فإن أتممت عشرا فمن عندك. وما أريد أن أشق عليك. ستجدني إن شاء الله من الصالحين). وهكذا في بساطة وصراحة عرض الرجل إحدى ابنتيه من غير تحديد -ولعله كان يشعر كما أسلفنا- أنها محددة، وهي التي وقع التجاوب والثقة بين قلبها وقلب الفتى. عرضها في غير تحرج ولا التواء. فهو يعرض نكاحا لا يخجل منه. يعرض بناء أسرة وإقامة بيت وليس في هذا ما يخجل، ولا ما يدعو إلى التحرج والتردد والإيماء من بعيد، والتصنع والتكلف مما يشاهد في البيئة التي تنحرف عن سواء الفطرة، وتخضع لتقاليد مصطنعة باطلة سخيفة، تمنع الوالد أو ولي الأمر من التقدم لمن يرتضي خلقه ودينه وكفايته لابنته أو أخته أو قريبته؛ وتحتم أن يكون الزوج أو وليه أو وكيله هو الذي يتقدم، أو لا يليق أن يجيء العرض من الجانب الذي فيه المرأة! ومن مفارقات مثل هذه البيئة المنحرفة أن الفتيان والفتيات يلتقون ويتحدثون ويختلطون ويتكشفون بعضهم لبعض في غير ما خطبة ولا نية نكاح. فأما حين تعرض الخطبة أو يذكر النكاح، فيهبط الخجل المصطنع، وتقوم الحوائل المتكلفة وتمتنع المصارحة والبساطة والإبانة!
ويأتي دور الأب، وما ينبغي له من الحزم في مثل هذه المواقف، فالرجل سيكون أجيرا عنده، وفي بيته بنتان، سيتردد عليهما ذهابا وإيابا، ليل نهار، والحكمة تقتضي إيجاد علاقة شرعية لوجوده في بيته؛ لذلك رأى أن يزوجه إحداهما ليخلق وضعا، يستريح فيه الجميع: {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين}... وقوله: {على أن تأجرني ثماني حجج} أي: تكون أجيرا عندي ثماني سنوات، وهذا مهر الفتاة، أراد به أن يغلي من قيمة بنته، حتى لا يقول زوجها: إنها رخيصة، أو أن أباها رماها عليه. {فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين} يعني: حينما تعايشني ستجدني طيب المعاملة، وستعلم أنك موفق في هذا النسب، بل وستزيد هذه المدة محبة في البقاء معنا...
السادسة- قوله تعالى : " قال إني أريد أن أنكحك " الآية . فيه عرض الولي بنته على الرجل ؛ وهذه سنة قائمة ، عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل ، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن الحسن عرض الرجل وليته ، والمرأة نفسها على الرجل الصالح ، اقتداء بالسلف الصالح قال ابن عمر : لما تأيمت حفصة قال عمر لعثمان : إن شئت أنكحك حفصة بنت عمر . الحديث انفرد بإخراجه البخاري .
السابعة- وفي هذه الآية دليل على أن النكاح إلى الولي لا حظ للمرأة فيه ؛ لأن صالح مدين تولاه ، وبه قال فقهاء الأمصار ، وخالف في ذلك أبو حنيفة وقد مضى .
الثامنة- هذه الآية تدل على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير استئمار ، وبه قال مالك واحتج بهذه الآية ، وهو ظاهر قوي في الباب ، واحتجاجه بها يدل على أنه كان يعول على الإسرائيليات ، كما تقدم . وبقول مالك في هذه المسألة قال الشافعي وكثير من العلماء وقال أبو حنيفة : إذا بلغت الصغيرة فلا يزوجها أحد إلا برضاها ؛ لأنها بلغت حد التكليف ، فأما إذا كانت صغيرة فإنه يزوجها بغير رضاها لأنه لا إذن لها ولا رضا ، بغير خلاف .
التاسعة- استدل أصحاب الشافعي بقوله : " إني أريد أن أنكحك " علي أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد وداود ومالك على اختلاف عنه . وقال علماؤنا في المشهور : ينعقد النكاح بكل لفظ . وقال أبو حنيفة : ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد . أما الشافعية فلا حجة لهم في الآية ؛ لأنه شرع من قبلنا وهم لا يرونه حجة في شيء في المشهور عندهم ، وأما أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي فقالوا : ينعقد النكاح بلفظ الهبة وغيره إذا كان قد أشهد عليه ؛ لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية ، قالوا : فكذلك النكاح قالوا : والذي خص به النبي صلى الله عليه وسلم تعرى البُضْع من العوض لا النكاح بلفظ الهبة ، وتابعهم ابن القاسم فقال : إن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظ عن مالك فيه شيئا ، وهو عندي جائز كالبيع قال أبو عمر : الصحيح أنه لا ينعقد نكاح بلفظ الهبة ، كما لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال ، وأيضا فإن النكاح مفتقر إلى التصريح لتقع الشهادة عليه ، وهو ضد الطلاق فكيف يقاس عليه ، وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقول : أبحت لك وأحللت لك ، فكذلك الهبة وقال صلى الله عليه وسلم : ( استحللتم فروجهن بكلمة الله ) يعني القرآن ، وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ الهبة ، وإنما فيه التزويج والنكاح ، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطال بعض خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم .
العاشرة- قوله تعالى : " إحدى ابنتي هاتين " دل على أنه عرض لا عقد ؛ لأنه لو كان عقدا لعين المعقود عليها له ؛ لأن العلماء إن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال : بعتك أحد عبدي هذين بثمن كذا ، فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح ؛ لأنه خيار وشيء من الخيار لا يلصق بالنكاح .
الحادية عشرة- قال مكي : في هذه الآية خصائص في النكاح . منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول الأمد ، وجعل المهر إجارة ، ودخل ولم ينقد شيئا .
قلت : فهذه أربع مسائل تضمنتها هذه المسألة :
الأولى : التعيين ، قال علماؤنا : أما التعيين فيشبه أنه كان في ثاني حال المراوضة ، وإنما عرض الأمر مجملا ، وعين بعد ذلك وقد قيل : إنه زوجه صفوريا وهي الصغرى يروى عن أبي ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل خيرهما وأوفاهما ، وإن سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى وهي التي جاءت خلفه وهي التي قالت : " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " ) . قيل : إن الحكمة في تزويجه الصغرى منه قبل الكبرى وإن كانت الكبرى أحوج إلى الرجال أنه توقع أن يميل إليها ؛ لأنه رآها في رسالته ، وماشاها في إقباله إلى أبيها معها ، فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار وهو يضمر غيره وقيل غير هذا ، والله أعلم . وفي بعض الأخبار أنه تزوج بالكبرى . حكاه القشيري .
الثانية : وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت عنه . فإما رسماه ، وإلا فهو من أول وقت العقد .
الثالثة : وأما النكاح بالإجارة فظاهر من الآية ، وهو أمر قد قرره شرعنا ، وجرى في حديث الذي لم يكن عنده إلا شيء من القرآن . رواه الأئمة . وفي بعض طرقه : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما تحفظ من القرآن ) فقال : سورة البقرة والتي تليها . قال : ( فعلمها عشرين آية وهي امرأتك ) واختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : فكرهه مالك ، ومنعه ابن القاسم ، وأجازه ابن حبيب . وهو قول الشافعي وأصحابه . قالوا : يجوز أن تكون منفعة الحر صداقا كالخياطة والبناء وتعليم القرآن . وقال أبو حنيفة : لا يصح ، وجوز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة ، أو يسكنها داره سنة ؛ لأن العبد والدار مال ، وليس خدمتها بنفسه مالا . وقال أبو الحسن الكرخي : إن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز ؛ لقوله تعالى : " فآتوهن أجورهن " [ النساء : 24 ] وقال أبو بكر الرازي : لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت ، وعقد النكاح مؤبد ، فهما متنافيان . وقال ابن القاسم : ينفسخ قبل البناء ويثبت بعده . وقال أصبغ : إن نقد معه شيئا ففيه اختلاف ، وإن لم ينقد فهو أشد ، فإن ترك مضى على كل حال بدليل قصة شعيب . قال مالك وابن المواز وأشهب وعول على هذه الآية جماعة من المتأخرين والمتقدمين في هذه النازلة . قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية النكاح على الإجارة والعقد صحيح ، ويكره أن تجعل الإجارة مهرا ، وينبغي أن يكون المهر مالا كما قال عز وجل : " أن تبتغوا بأموالكم محصنين " [ النساء : 24 ] هذا قول أصحابنا جميعا .
الرابعة : وأما قوله : ودخل ولم ينقد فقد اختلف الناس في هذا . هل دخل حين عقد أم حين سافر ، فإن كان حين عقد فماذا نقد ؟ وقد منع علماؤنا من الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار . قال ابن القاسم : فإن دخل قبل أن ينقد مضى ، لأن المتأخرين من أصحابنا قالوا : تعجيل الصداق أو شيء منه مستحب على أنه إن كان الصداق رعيه الغنم فقد نقد الشروع في الخدمة ، وإن كان دخل حين سافر فطول الانتظار في النكاح جائز إن كان مدى العمر بغير شرط . وأما إن كان{[12356]} بشرط فلا يجوز إلا أن يكون الغرض صحيحا مثل التأهب للبناء أو انتظار صلاحية الزوجة للدخول إن كانت صغيرة . نص عليه علماؤنا
الثانية عشرة- في هذه الآية اجتماع إجارة ونكاح ، وقد اختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال : الأول : قال في ثمانية أبي زيد : يكره ابتداء فإن وقع مضى . الثاني : قال مالك وابن القاسم في المشهور : لا يجوز ويفسخ قبل الدخول وبعده ؛ لاختلاف مقاصدهما كسائر العقود المتباينة . الثالث : أجازه أشهب وأصبغ قال ابن العربي : وهذا هو الصحيح وعليه تدل الآية ، وقد قال مالك النكاح أشبه شيء بالبيوع ، فأي فرق بين إجارة وبيع أو بين بيع ونكاح فرع ، وإن أصدقها تعليم شعر مباح صح ، قال المزني : وذلك مثل قول الشاعر :
يقول العبدُ فائدتِي ومالي *** وتقوى الله أفضلُ ما استَفَادَا
وإن أصدقها تعليم شعر فيه هجو أو فحش كان كما لو أصدقها خمرا أو خنزيرا
الثالثة عشرة- قوله تعالى : " على أن تأجرني ثماني حجج " جرى ذكر الخدمة مطلقا وقال مالك : إنه جائز ويحمل على العرف ، فلا يحتاج في التسمية إلى الخدمة وهو ظاهر قصة موسى ، فإنه ذكر إجارة مطلقة وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يجوز حتى يسمى لأنه مجهول ، وقد ترجم البخاري : [ باب من استأجر أجيرا فبين له الأجل ولم يبين له العمل ] لقوله تعالى : " على أن تأجرني ثماني حجج " . قال المهلب : ليس كما ترجم ؛ لأن العمل عندهم كان معلوما من سقي وحرث ورعي ، وما شاكل أعمال البادية في مهنة أهلها ، فهذا متعارف وإن لم يبين له أشخاص الأعمال ولا مقاديرها ، مثل أن يقول له : إنك تحرث كذا من السنة ، وترعى كذا من السنة ، فهذا إنما هو على المعهود من خدمة البادية ، وإنما الذي لا يجوز عند الجميع أن تكون المدة مجهولة ، والعمل مجهول غير معهود لا يجوز حتى يعلم . قال ابن العربي : وقد ذكر أهل التفسير أنه عين له رعية الغنم ، ولم يرو من طريق صحيحة ، ولكن قالوا : إن صالح مدين لم يكن له عمل إلا رعية الغنم ، فكان ما علم من حاله قائما مقام التعيين للخدمة فيه .
الرابعة عشرة- أجمع العلماء على أنه جائز أن يستأجر الراعي شهورا معلومة ، بأجرة معلومة ، لرعاية غنم معدودة ، فإن كانت معدودة معينة ، ففيها تفصيل لعلمائنا . قال ابن القاسم : لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت ، وهي رواية ضعيفة جدا . وقد استأجر صالح مدين موسى على غنمه ، وقد رآها ولم يشترط خلفا . وإن كانت مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت عند علمائنا . وقال أبو حنيفة والشافعي : لا تجوز لجهالتها ، وعول علماؤنا على العرف حسبما ذكرناه آنفا . وأنه يعطى بقدر ما تحتمل قوته ، وزاد بعض علمائنا أنه لا يجوز حتى يعلم المستأجر قدر قوته ، وهو صحيح فإن صالح مدين علم قدر قوة موسى برفع الحجر .
الخامسة عشرة- قال مالك : وليس على الراعي ضمان وهو مصدق فيما هلك أو سرق ؛ لأنه أمين كالوكيل . وقد ترجم البخاري : [ باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت أو شيئا يفسد فأصلح ما يخاف الفساد ] وساق حديث كعب بن مالك عن أبيه أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع{[12357]} ، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها به ، فقال لهم : لا تأكلوا حتى أسأل النبي أو أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من يسأله وأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أو أرسل إليه فأمره بأكلها . قال عبد الله : فيعجبني أنها أمة وأنها ذبحت . قال المهلب : فيه من الفقه تصديق الراعي والوكيل فيما اؤتمنا عليه حتى يظهر عليهما دليل الخيانة والكذب . وهذا قول مالك وجماعة . وقال ابن القاسم : إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن ويصدق إذا جاء بها مذبوحة وقال غيره : يضمن حتى يبين ما قال .
السادسة عشرة- واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى الراعي على إناث الماشية بغير إذن أربابها فهلكت . فقال ابن القاسم : لا ضمان عليه ؛ لأن الإنزاء من إصلاح المال ونمائه . وقال أشهب : عليه الضمان . وقول ابن القاسم أشبه بدليل حديث كعب ، وأنه لا ضمان عليه فيما تلف عليه باجتهاده ، إن كان من أهل الصلاح ، وممن يعلم إشفاقه على المال . وأما إن كان من أهل الفسوق والفساد وأراد صاحب المال أن يضمنه فعل ؛ لأنه لا يصدق أنه رأى بالشاة موتا لما عرف من فسقه .
السابعة عشرة- لم ينقل ما كانت أجرة موسى عليه السلام . ولكن روى يحيى بن سلام أن صالح مدين جعل لموسى كل سخلة توضع خلاف لون أمها ، فأوحى الله إلى موسى أن ألق عصاك بينهن يلدن خلاف شبههن كلهن . وقال غير يحيى : بل جعل له كل بلقاء تولد له ، فولدن له كلهن بلقا . وذكر القشيري أن شعيبا لما استأجر موسى قال له : أدخل بيت كذا وخذ عصا من العصي التي في البيت ، فأخرج موسى عصا ، وكان أخرجها آدم من الجنة ، وتوارثها الأنبياء حتى صارت إلى شعيب ، فأمره شعيب أن يلقيها في البيت . ويأخذ عصا أخرى ، فدخل وأخرج تلك العصا ، وكذلك سبع مرات كل ذلك لا تقع بيده غير تلك ، فعلم شعيب أن له شأنا ، فلما أصبح قال له : سق الأغنام إلي مفرق الطريق ، فخذ عن يمينك وليس بها عشب كثير ، ولا تأخذ عن يسارك فإن بها عشبا كثيرا وتنينا كبيرا لا يقبل المواشي ، فساق المواشي إلى مفرق الطريق ، فأخذت نحو اليسار ولم يقدر على ضبطها ، فنام موسى وخرج التنين ، فقامت العصا وصارت شعبتاها حديدا وحاربت التنين حتى قتلته ، وعادت إلى موسى عليه السلام ، فلما انتبه موسى رأى العصا مخضوبة بالدم ، والتنين مقتولا ، فعاد إلى شعيب عشاء ، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام ، فإذا أثر الخصب باد عليها ، فسأله عن القصة فأخبره بها ، ففرح شعيب وقال : كل ما تلد هذه المواشي هذه السنة قالب لون أي ذات لونين فهو لك ، فجاءت جميع السخال تلك السنة ذات لونين ، فعلم شعيب أن لموسى عند الله مكانة . وروى عيينة بن حصن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أجر موسى نفسه بشبع بطنه وعفة فرجه ) فقال له شعيب لك منها يعني من نتاج غنمها ما جاءت به قالب لون ليس فيها عزوز ولا فشوش ولا كموش ولا ضبوب ولا ثعول قال الهروي : العزوز البكيئة ، مأخوذ من العزاز وهي الأرض الصلبة ، وقد تعززت الشاة ، والفشوش التي ينفش لبنها من غير حلب وذلك لسعة الإحليل ، ومثله الفتوح والثرور ومن أمثالهم : لأُفشّنّك فَشّ الوطب أي لأخرجن غضبك وكبرك من رأسك ويقال : فش السقاء إذا أخرج منه الريح ومنه الحديث : ( إن الشيطان يفش بين أليتي أحدكم حتى يخيل إليه أنه أحدث ) أي ينفخ نفخا ضعيفا والكموش : الصغيرة الضرع ، وهي الكميشة أيضا ، سميت بذلك لانكماش ضرعها وهو تقلصه ، ومنه يقال : رجل كميش الإزار ، والكشود مثل الكموش ، والضبوب الضيقة ثقب الإحليل ، والضب الحلب بشدة العصر ، والثعول الشاة التي لها زيادة حلمة وهي الثعل والثعل زيادة السن ، وتلك الزيادة هي الراؤول{[12358]} ورجل أثعل والثعل ضيق{[12359]} مخرج اللبن . قال الهروي : وتفسير قالب لون في الحديث أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها
الثامنة عشرة- الإجارة بالعوض المجهول لا تجوز ، فإن ولادة الغنم غير معلومة ، وإن من البلاد الخصبة ما يعلم ولاد الغنم فيها قطعا وعدتها وسلامة سخالها كديار مصر وغيرها ، بيد أن ذلك لا يجوز في شرعنا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر ، ونهى عن المضامين والملاقيح والمضامين ما في بطون الإناث ، والملاقيح ما في أصلاب الفحول وعلى خلاف ذلك قال الشاعر :
ملقُوحَةً في بطنِ نابٍ حَامِلِ
وقد مضى في سورة " الحجر " {[12360]} بيانه على أن راشد بن معمر أجاز الإجارة على الغنم بالثلث والربع ، وقال ابن سيرين وعطاء : ينسج الثوب بنصيب منه ، وبه قال أحمد .
التاسعة عشرة- الكفاءة في النكاح معتبرة ، واختلف العلماء هل في الدين والمال والحسب ، أو في بعض ذلك والصحيح جواز نكاح الموالي للعربيات والفرشيات ؛ لقوله تعالى : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " [ الحجرات : 13 ] وقد جاء موسى إلى صالح مدين غريبا طريدا خائفا وحيدا جائعا عريانا ، فأنكحه ابنته لما تحقق من دينه{[12361]} ورأى من حاله ، وأعرض عما سوى ذلك ، وقد تقدمت هذه المسألة مستوعبة والحمد لله .
الموفية عشرين- قال بعضهم : هذا الذي جرى من شعيب لم يكن ذكرا لصداق المرأة ، وإنما كان اشتراطا لنفسه على ما يفعله الأعراب ، فإنها تشترط صداق بناتها ، وتقول لي كذا في خاصة نفسي ، وترك المهر مفوضا ، ونكاح التفويض جائز . قال ابن العربي : هذا الذي تفعله الأعراب هو حلوان وزيادة على المهر ، وهو حرام لا يليق بالأنبياء ، فأما إذا اشترط الولي شيئا لنفسه ، فقد اختلف العلماء فيما يخرجه الزوج من يده ولا يدخل في يد المرأة على قولين : أحدهما : أنه جائز . والآخر : لا يجوز والذي يصح عندي التقسيم ، فإن المرأة لا تخلو أن تكون بكرا أو ثيبا ، فإن كانت ثيبا جاز ؛ لأن نكاحها بيدها ، وإنما يكون للولي مباشرة العقد ، ولا يمتنع أخذ العوض عليه كما يأخذه الوكيل على عقد البيع ، وإن كانت بكرا كان العقد بيده ، وكأنه عوض في النكاح لغير الزوج وذلك باطل ، فإن وقع فُسِخ قبل البناء ، وثبت بعده على مشهور الرواية والحمد الله .
الحادية والعشرون- لما ذكر الشرط وأعقبه بالطوع في العشر خرج كل واحد منهما على حكمه ، ولم يلحق الآخر بالأول ، ولا اشترك الفرض والطوع ؛ ولذلك يكتب في العقود الشروط المتفق عليها ، ثم يقال وتطوع بكذا ، فيجري الشرط على سبيله ، والطوع على حكمه ، وانفصل الواجب من التطوع . وقيل : ومن لفظ شعيب حسن في لفظ العقود في النكاح أنكحه إياها أولى من أنكحها إياه على ما يأتي بيانه في " الأحزاب " وجعل شعيب الثمانية الأعوام شرطا ، ووكل العاشرة إلي المروءة .