تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة غافر

سورة غافر سورة مكية ، نزلت في الفقرة الأخيرة من حياة المسلمين بمكة ، بعد الإسراء وقبيل الهجرة ، ولآياتها 85 آية ، نزلت بعد صورة الزمر .

ولها أربعة أسماء : تسمى سورة غافر لقوله تعالى في أولها : { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب . . . } ( غافر : 3 )

وتسمى سورة المؤمن لاشتمالها على حديث مؤمن آل فرعون- واسمه خربيل – في قوله تعالى : { وقال رجل مؤمن من آل فرعون . . . } ( غافر : 28 ) .

وسورة الطول لقوله تعالى : { ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } . ( غافر : 3 ) .

وتسمى حم الأولى لأنها أول سورة في الحواميم {[1]} .

روح السورة

الروح السارية في سورة غافر هي روح الصراع الدائر بين الحق والباطل ، والإيمان والكفر ، والدعوة والتكذيب ، وأخيرا قضية العلو في الأرض ، والتجبر بغير الحق ، وبأس الله الذي يأخذ المتجبرين ، وفي ثنايا أهداف السورة الأصلية نجد أنها تلم بموقف المؤمنين المهتدين الطائعين ، ونصر الله إياهم ، واستغفار الملائكة لهم واستجابة لله لدعائهم ، وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم .

وجو السورة كله – من ثم – كأنه جو معركة ، وهي المعركة بين الإيمان والطغيان ، وبين الهدى والضلال ، وبين المتكبرين المتجبرين في الأرض ، وبأس الله الذي يأخذهم بالدمار والتنكيل ، وتتنسم خلال هذا الجو نسمات الرحمة والرضوان حين يجيء ذكر المؤمنين .

وتتمثل روح السورة في عرض مصارع الغابرين ، كما تتمثل في عرض مشاهد القيامة ، وهذه وتلك تتناثر في سياق السورة وتتكرر بشكل ظاهر ، وتعرض في صورها العنيفة المرهوبة المخيفة ، ومنذ بداية السورة إلى نهايتها نجد آيات تلمس القلب ، وتهز الوجدان ، وتعصف بكيان المكذبين ، وقد ترق آيات السورة فتتحول إلى لمسات وإيقاعات تمس القلب برفق ، وهي تعرض صفات الله غافر الذنب وقابل التوب ، ثم تصف حملة العرش ، وهم يدعون ربهم ليتكرم على عباده المؤمنين ، ثم تعرض الآيات الكونية والآيات الكامنة في النفس البشرية .

موضوعات السورة

يمكننا أن نقسم سورة غافر بحسب موضوعاتها إلى أربعة فصول :

الفصل الأول : صفات الله .

تبدأ الآيات من ( 4-20 ) بعرض افتتاحية السورة ، وبيان أن الكتاب منزل من عند الله ، { غافر الذنب وقابل التوب . . . } للمؤمنين التائبين ، { شديد العقاب . . . } للعصاة المذنبين .

ثم تقرر أن الوجود كله مسلم مستسلم لله ، وأنه لا يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فيشذون عن سائر الوجود بهذا الجدال ، ومن ثم فهم لا يستحقون أن يأبه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مهما تقلبوا في الخير والمتاع ، فإنما هم صائرون إلى ما صارت إليه أحزاب المكذبين قبلهم ، وقد أخذهم الله أخذا بعقاب يستحق العجب والإعجاب ، ومع الأخذ في الدنيا فإن عذاب الآخرة ينتظرهم هناك . . . ذلك بينما حملة العرش ومن حوله يعلنون إيمانهم بربهم ، ويتوجهون إليه بالعبادة ، ويستغفرون للذين آمنوا من أهل الأرض ، ويدعون لهم بالمغفرة والنعيم والفلاح . . وفي الوقت ذاته مشهد الكافرين وهم ينادون : { لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } . ( غافر : 10 ) .

وهم في موقف المذلة والانكسار يقرون بذنبهم ، ويعترفون بربهم ، فلا ينفعهم الاعتراف والإقرار ، ومن هذا الموقف بين يدي الله في الآخرة يعود السياق ليعرض أمام الناس مظاهر أنعم الله عليهم ، ليأخذ بأيديهم إلى طريق الإيمان بالله . { فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون * رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق } . ( غافر : 14 ، 15 ) .

ويعرض السياق مشهد ذلك اليوم في صورة حية مؤثرة ، فقد برز الجميع أمام الله ، العالم بالظواهر والبواطن ، وفي هذا المشهد تبلغ الروح الحلقوم ، وتذهب صولة الظالمين والطغاة ، فلا يجدون حميما ولا شفيعا لا يطاع في شفاعته ، لقد أصبح الملك والأمر والقضاء لله الواحد القهار .

الفصل الثاني : رجل مؤمن يجاهد بالكلمة .

يستغرق الفصل الثاني الآيات من ( 21-55 ) ويبدأ بلفت أنظار المشركين إلى ما أصاب المكذبين قبلهم ، ثم يعرض جانبا من قصة موسى – عليه السلام – مع فرعون وهامان وقارون ، يمثل موقف الطغاة من دعوة الحق ، ويعرض فيها حلقة جديدة لم تعرض في قصة موسى من قبل ، ولا تعرض إلا في هذه السورة وهي حلقة ظهور رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ، يدافع عن موسى ، ويصدع بكلمة الحق والإيمان في تلطف وحذر في أول الأمر ، ثم في صراحة ووضوح في النهاية ، ويعرض في جدله مع فرعون حجج الحق وبراهينه قوية ناصعة ، يحذرهم يوم القيامة ، ويمثل لهم بعض مشاهده في أسلوب مؤثر ، ويذكرهم موقفهم وموقف الأجيال قبلهم من يوسف عليه السلام ورسالته ، ويستطرد السياق بالقصة حتى يصل طرفها بالآخرة فإذا هم هناك ، وإذا هم يتحاجون في النار ، وإذا حوار بين الضعفاء والذين استكبروا ، وحوار لهم جميعا مع خزنة جهنم يطلبون فيه الخلاص ، ولات حين خلاص ، وفي ظل هذا المشهد يوضح الحق سبحانه أن العاقبة للمرسلين في الدنيا ويوم القيامة ، فقد نصر الله موسى رغم جبروت فرعون ، ثم يدعو الرسول الأمين إلى الصبر والثقة بوعد الله الحق ، والتوجه إلى الله بالتسبيح والحمد والاستغفار .

الفصل الثلث : الترغيب والترهيب .

يستغرق الفصل الثالث الآيات من ( 65-77 ) ويبدأ بتقرير أن الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان إنما يدفعهم إلى هذا كبر في نفوسهم عن الحق ، وهو أصغر وأضأل من هذا الكبر ، ويوجه القلوب حينئذ إلى هذا الوجود الكبير الذي خلقه الله ، وهو أكبر من الناس جميعا ، ولعل المتكبرين يتصاغرون أمام عظمة خلق الله ، وتتفتح بصيرتهم فلا يكونون عميا : { وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون } . ( غافر : 58 ) .

ويذكرهم بمجيء الساعة ، ثم يفتح الباب أمامهم إلى دعاء الله والاستجابة لأمره ، فأما الذين يستكبرون فسيدخلون جهنم أذلاء صاغرين ، ويعرض في هذا الموقف بعض آيات الله الكونية التي يمرون عليها غافلين ، يعرض عليهم الليل وقد جعله الله سكنا ، والنهار مبصرا ، والأرض قرارا ، والسماء بناء ، ويذكرهم بأنفسهم وقد صورهم ، ويوجههم إلى دعوة الله مخلصين له الدين ، ويلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من عبادتهم ، وأن يعلن إسلامه لرب العالمين ، ثم يلمس قلوبهم بأن الله الواحد هو الذي أنشأهم من تراب ثم من نطفة . . وهو الذي يحيي ويميت . ثم يعود فيعجب رسوله صلى الله عليه وسلم من أمر الذين يجادلون في الله وينذرهم عذاب يوم القيامة في مشهد عنيف ، تعلق فيه الأغلال في أعناقهم ويسحبون في الحميم ، ويحرقون في النار جزاء كفرهم وشركهم بالله ، وعلى ضوء هذا المشهد يوجه الله رسوله إلى الصبر والثقة بأن وعد الله حق ، سواء أبقاه حتى يشهد ما يعدهم ، أو يتوفاه قبل أن يراه فسيتم الوعد هناك .

الفصل الرابع : نهاية الظالمين .

يشمل الفصل الرابع على الآيات الأخيرة في السورة من ( 78-85 ) ويذكر أن الله أرسل رسلا وأنبياء كثيرين لهداية الناس ، منهم من ذكر في القرآن ومنهم من لم يذكر : { وما كان لرسول أن يأتي بآية . . . } وأن يقدم معجزة لقومه : { إلا بإذن الله . . . } ( غافر : 78 ) . على أن في الكون آيات قائمة وبين أيديهم آيات قريبة ، ولكنهم يغفلون عن تدبرها . . هذه الأنعام المسخرة لهم ، من سخرها ؟ وهذه الفلك التي تحملهم ، أليست آية يرونها ؟ ومصارع الغابرين ألا تثير في قلوبهم العظة والتقوى ؟ وتختم السورة بإيقاع قوي على مصرع من مصارع المكذبين وهم يرون بأس الله فيؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون } . ( غافر : 85 )

عظمة الخالق ، وعقاب المكذبين

بسم الله الرحمن الرحيم

{ حم ( 1 ) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ( 2 ) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ( 3 ) ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد ( 4 ) كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسلهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب ( 5 ) وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا وأنهم أصحاب النار ( 6 ) }

المفردات :

حم : حروف مقطعة ، بدأ الله بها بعض السور للتنبيه ، أو للتحدي والإعجاز .

1

التفسير :

1 ، 2- { حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم } .

حم : حروف للتنبيه ، مثل الجرس الذي يُقرع ، فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة ، أو هي حروف للتحدّي والإعجاز ، كما تقدم بيان ذلك في سور سابقة .

{ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم } .

هذا الكتاب ليس سحرا ولا شعرا ولا كهانة ، ولا افتراء من عند محمد ، كما يدعي الكافرون ، بل هو تنزيل من عند الله ، العزيز في انتقامه من أعدائه ، العليم بعباده ظاهرهم وباطنهم ، والمحاسب والمجازي على أفعال العباد .


[1]:- حاشية الجمل 2/647 نقلا عن تفسير الخازن.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة غافر

مكية وآياتها خمس وثمانون

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلاً ، فمر بأثر غيث ، فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات ، فقال : عجبت من الغيث الأول ، فهذا أعجب منه ، فقيل له : إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن ، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنبأنا أبو محمد الرومي ، حدثنا أبو العباس السراج ، أنبأنا قتيبة ، حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب الجراح بن الجراح ، حدثه عن ابن عباس ، قال : لكل شيء لباب ، ولباب القرآن الحواميم ، وقال ابن مسعود : إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات أتأنق فيهن ، وقال سعد بن إبراهيم : كن آل الحواميم يسمين العرائس .

قوله تعالى :{ حم } قد سبق الكلام في حروف التهجي . قال السدي ، عن ابن عباس : حم اسم الله الأعظم ، وروى عكرمة عنه ، قال : آلر وحم ونون حروف الرحمن مقطعة ، وقال سعيد بن جبير ، وعطاء الخراساني : الحاء افتتاح أسمائه ، حكيم ، حميد ، حي حليم ، حنان ، والميم افتتاح أسمائه ملك مجيد منان ، وقال الضحاك ، والكسائي : معناه قضى ما هو كائن ، كأنه أشارا إلى أن معناه حم بضم الحاء وتشديد الميم . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر حم بكسر الحاء ، والباقون بفتحها .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة وتمهيد

1- سورة " غافر " هي السورة الأربعون في ترتيب المصحف أما ترتيبها في النزول لهي السورة التاسعة والخمسون من السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة " الزمر " .

ويبدو –والله أعلم- أن الحواميم ، كان نزولها على حسب ترتيبها في المصحف ، فقد ذكر صاحب الإتقان عند حديثه عن المكي والمدني من القرآن ، وعن ترتيب السور على حسب النزول .

ذكر سورة الزمر ، ثم غافر ، ثم فصلت ، ثم الشورى ، ثم الزخرف ، ثم الدخان ، ثم الجاثية ، ثم الأحقاف( {[1]} ) .

2- والمحققون من العلماء على أن سورة " غافر " من السور المكية الخالصة ، وقد حكى أبو حيان الإجماع على ذلك ، كما أن الإمام ابن كثير قال عنها بأنها مكية دون أن أن يستثني منها شيئا .

وقيل : كلها مكية إلا قوله –تعالى- : [ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ، إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه . . . الآية ] .

ولكن هذا القيل وغيره لم تنهض له حجة يعتمد عليها ، فالرأي الصحيح أنها جميعها مكية .

3- وهذه السورة تسمى –أيضا- بسورة " المؤمن " لاشتمالها على قصة مؤمن آل فرعون . كما تسمى بسورة " الطول " لقوله –تعالى- في أوائلها : [ غافر الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب ، ذي الطول . . . ] .

وعدد آياتها خمس وثمانون آية في المصحف الكوفي والشامي ، وأربع وثمانون في الحجازي ، واثنتان وثمانون في البصري .

4- وسورة " غافر " هي أول السور السبعة التي تبدأ بقوله –تعالى- [ حم ] والتي يطلق عليها لفظ " الحواميم " .

وقد ذكر الإمام ابن كثير من الآثار في فضل هذه السور ، منها : ما روي عن ابن مسعود أنه قال : " آل حم " ديباج القرآن . . ومنها ما روي عن ابن عباس أنه قال : " إن لكل شيء لبابا ، ولباب القرآن آل حم أو قال " الحواميم " ( {[2]} ) .

5- وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله –تعالى- ، وبتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من أذى المشركين ومن جدالهم ، وببيان وظيفة الملائكة الذي يحملون عرشه –تعالى- ، وأن منها الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم بقولهم –كما حكى القرآن عنهم- : [ . . . ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ، وقهم عذاب الجحيم . ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، إنك أنت العزيز الحكيم . وقهم السيئات ، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ، وذلك هو الفوز العظيم ] .

6- ثم دعا –سبحانه- عباده إلى إخلاص الطاعة له ، وذكرهم بأهوال يوم القيامة ، وأنا الملك في هذا اليوم إنما هو لله –تعالى- وحده .

قال –تعالى- : [ فادعو الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق . يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ] .

7- وبعد أن وبخ –سبحانه- الغافلين على عدم اعتبارهم بسوء عاقبة من سبقهم من الكافرين ، أتبع ذلك بجانب من قصة موسى –عليه السلام- مع فرعون وهامان وقارون ، وحكى ما دار بين موسى –عليه السلام- وبين هؤلاء الطغاة من محاورات .

كما حكى ما وجهه الرجل المؤمن من آل فرعون إلى قومه من نصائح حكيمة ، منها قوله –كما حكى القرآن عنه- : [ وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب . مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وما الله يريد ظلما للعباد . ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد . يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ، ومن يضلل الله فما له من هاد ] .

8- وبعد أن ساق –سبحانه- تلك التوجيهات الحكيمة التي وجهها ذلك الرجل المؤمن –الذي يكتم إيمانه- إلى قومه . . . أتبع ذلك بحكاية جانب من المحاورات التي تدور بين الضعفاء والمتكبرين بعد أن ألقى بهم جميعا في النار .

كما حكى –سبحانه- ما يقولونه لخزنة جهنم على سبيل الاستعطاف والتذلل فقال : [ وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب . قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ] .

9- ثم ساق –سبحانه- بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، لكي يشكروه عليها ، ومن تلك النعم : إيجاده الليل والنهار ، وجعله الأرض قرارا والسماء بناء ، وتصويره الناس في أحسن تقويم ، وتحليله لهم الطيبات ، وخلقه لهم في أطوار متعددة .

قال –تعالى- : [ هو الذي خلقكم من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم يخرجكم طفلا ، ثم لتبلغوا أشدكم ، ثم لتكونوا شيوخا ، ومنكم من يتوفى من قبل ، ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون ] .

10- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ، فوبختهم على جهالاتهم وعنادهم ، وهددتهم بسوء المصير ، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر على أذاهم ، وذكرته بأحوال الرسل السابقين مع أقوامهم ، وأنذرت مشركي مكة بأن مصيرهم سيكون كمصير المشركين من قبلهم ، إذ ما استمروا في طغيانهم وكفرهم ، وأنهم لن ينفعهم الإيمان عند حلول العذاب بهم .

قال –تعالى- : [ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ، وكفرنا بما كنا به مشركين . فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ، سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ] .

11- هذا ، والمتدبر في سورة " غافر " بعد هذا العرض المجمل لآياتها يراها قد أقامت أنصع الأدلة وأفواها على وحدانية الله –تعالى- وقدرته ، كما يراها قد ساقت ألوانا من التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه من قومه ، تارة عن طريق قصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم ، وتارة عن طريق التصريح بأن العاقبة سنكون له ولأتباعه ، كما في قوله –تعالى- : [ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ] .

كما يراها قد فصلت الحديث عن تكريم الله –تعالى- لعباده المؤمنين ، تارة عن طريق استغفار الملائكة لهم ، وتضرعهم إلى خالقهم أن يبعد الذين آمنوا من عذاب الجحيم .

قال –تعالى- : [ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ، ويؤمنون به ، ويستغفرون للذين آمنوا ، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ] .

وتارة عن طريق وعدهم بإجابة دعائهم ، كما في قوله –تعالى- : [ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ] .

كما يراها قد اهتمت بالحديث عن مصارع الغابرين ، بأسلوب يغرس الخوف في القلوب ، ويبعث على التأمل والتدبر .

كما في قوله –تعالى- : [ كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، فأخذتهم ، فكيف كان عقاب ] .

وكما في قوله –تعالى- : [ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم ، وما كان لهم من الله من واق ] .

كما يراها قبل كل ذلك وبعد كل ذلك لها أسلوبها البليغ المؤثر في إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وفي تثبيت المؤمن وزلزلة الكافر ، وفي تعليم الدعاة كيف يخاطبون غيرهم بأسلوب مؤثر حكيم ، نراه متمثلا في تلك النصائح الغالية التي وجهها مؤمن آل فرعون إلى قومه . والتي حكاها القرآن في قوله [ وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ، أتقتلون رجلا أن يقول ربي ا لله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وإن يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ] .

نسأل الله –تعالى- أن ينفعنا بتوجيهات القرآن الكريم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

د . محمد سيد طنطاوي

القاهرة – مدينة نصر

مساء الجمعة : 28 من ذي الحجة سنة 1405ه / 13/9/1985م .

سورة " غافر " من السور التى افتتحت ببعض الحروف المقطعة ، وهو قوله - تعالى - : { حما } .

وقد ذكرنا آراء العلماء فى تلك الحروف المقطعة بشئ من التفصيل ، عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس . .

وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد جئ بها فى افتتاح بعض السور : على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .

فكأنه - سبحانه - يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله : ها كم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك فى أنه من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله ، أو عشر سور فى مثله ، أو سورة واحدة من مثله ، فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.