تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

المفردات :

ابتغاء وجه ربهم : الابتغاء معناه : الطلب ، والمراد بالوجه : الذات .

ويدرءون : أي : يدفعون .

عقبى الدار : عاقبة دار الدنيا التي أعدت للصالحين وهي الجنة .

التفسير :

{ والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } .

تستمر هذه الآية مع ما سبقها في وصف أولي الألباب ؛ فهم صابرون على البأساء ، راضون بالقضاء ، والصبر على المكاره جزاؤه عظيم ، وقد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا ، وهو أنواع : منه : الصبر على الطاعات ، ومنه : الصبر عن المعاصي ، ومنه : الصبر على المصائب عند الصدمة الأولى ، فهم صابرون ابتغاء وجه الله ، أي : رغبة في ثوابه ، لا خوفا من شماتة الشامتين ، كما قال الشاعر :

وتجلدى للشامتين أريهم *** أني لريب الدهر لا أتضعضع

{ وأقاموا الصلاة } . أي : أدوا الصلاة في أوقاتها محافظين على خشوعها وخضوعها .

{ وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } .

فهم ينفقون سرا حيث يكون السر أفضل ، مثل : صدقة التطوع ، ومثل : الصدقة على كرام الناس المتعففين تجملا ، ومن يزعجهم الصدقة عليهم في الملأ ؛ وينفقون علنا في أداء الفريضة ، وعند التسابق ؛ ليقتدي بهم غيرهم ، أي : أنهم حكماء في تصرفهم ، ينفقون في جميع الأحوال ، وحسب ما تقتضيه الحكمة .

{ ويدرءون بالحسنة السيئة } . أي : يقابلون إساءة من أساء إليهم بالإحسان إليه ، إذا كان ذلك من الحكمة ؛ كما قال عز شأنه : { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم }( فصلت : 34 ) .

وقد أباح الإسلام مقابلة السيئة بالسيئة ؛ إذا كان المسئ لئيما لا يردعه إلا العقوبة ، أما إذا كان المسئ كريما فالصفح أنسب ، قال تعالى : { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل }( الشورى : 41 ) .

وذكر بعض المفسرين : أن الآية تشير إلى إتباع السيئة بالحسنة ، أو الاستغفار والتوبة ؛ في أعقاب الذنب .

{ أولئك لهم عقبى الدار } . أي : حسن الجزاء من العاقبة ، وهو دخول الجنة في الآخرة .

قال تعالى : { وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } .

والجملة الكريمة خبر عن الذين يوفون بعهد الله . . . وما عطف عليها .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

قوله تعالى : { والذين صبروا } ، على طاعة الله ، وقال ابن عباس : على أمر الله عز وجل . وقال عطاء : على المصائب والنوائب ، وقيل : عن الشهوات . وقيل : عن المعاصى . { ابتغاء وجه ربهم } ، طلب تعظيمه أن يخالفوه . { وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانيةً } ، يعني يؤدون الزكاة . { ويدرؤون بالحسنة السيئة } ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يدفعون بالصالح من العمل السيء من العمل ، وهو معنى قوله : { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود-114 ] . وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها ، السر بالسر والعلانية بالعلانية " .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث ، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنبأنا عبد الله بن محمود ، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، حدثنا أبو الخير ، أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ، ثم عمل حسنة ، فانفكت عنه حلقة ، ثم عمل أخرى فانفكت أخرى ، حتى يخرج إلى الأرض " . وقال ابن كيسان : معنى الآية : يدفعون الذنب بالتوبة . وقيل : لا يكافئون الشر بالشر ، ولكن يدفعون الشر بالخير . وقال القتبي : معناه : إذا سفه عليهم حلموا ، فالسفه : السيئة ، والحلم : الحسنة . وقال قتادة : ردوا عليهم معروفا ، نظيره قوله تعالى : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } [ الفرقان-63 ] . وقال الحسن : إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا . قال عبد الله بن المبارك : هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة . { أولئك لهم عقبى الدار } " ، يعني الجنة ، أي : عاقبتهم دار الثواب .