تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنتُمۡ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (85)

84

المفردات :

تظاهرون عليهم : أصله تتظاهرون ، فحذفت إحدى التاءين ، أي تتعاونون عليهم .

الإثم : هو الفعل الذي يستحق صاحبه الذم ، واللوم .

العدوان : تجاوز الحد في الظلم .

أسارى : جمع أسير بمعنى مأسور ، وهو من يؤخذ في سبيل الله القهر والغلبة .

تفادوهم : تنقذوهم بدفع الفداء ، وهو ما يدفع في فك الأسير .

خزي : هوان .

يردون : يرجعون .

التفسير :

3- قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارا تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم . بيان لتناقضهم وتزييفهم لأحكام الله تعالى .

أي أنتم يا معشر اليهود إن وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم أسرى تسعون في فكاكهم ، وتبذلون عوضا لإطلاقهم ، والشأن أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتركهم أسرى في أيدي أعدائكم ، فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة في النهي عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم في مفاداتهم ؟ .

وصدرت الجملة الكريمة : وهو محرم عليكم وإخراجهم . بضمير الشأن للاهتمام بها والعناية بشأنها ، وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم وليس خافيا عليهم ، وقوله تعالى : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ . توبيخ وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله .

والمعنى : أفتتبعون أحكام كتابكم في فداء الأسرى ، ولا تتبعونها عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم ؟ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه تعالى ، بالإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر .

قال الأستاذ أحمد شاكر معلقا على تفسير ابن كثير للآية الكريمة :

( ومما يملأ النفس ألما وحزنا ، أن صار أكثر الأمم التي تنسب إلى هذا الوصف المكروه ، ووقعوا في مثل هذا العمل الذي ذم الله اليهود من أجله ، وجعل جزاء من يفعله خزيا في الحياة الدنيا وعذابا شديدا في الآخرة ، فنرى أكثر الأمم المنتسبة إلى الإسلام يعتقدون صحة القرآن ويشهدون بذلك ويعرفونه ، ويزعمون القيام بأمره ثم هم يخالفونه في التشريع في شؤونهم المالية والجنائية والخلقية ، ولا يستحون أن يعلنوا أن تشريعه وتشريع رسول الله في سنته لا يوافق هذا العصر ، ويجعلون من حقهم أن يشرعوا ما شاءوا ، وافق الكتاب والسنة أم خالفه ، أو يصطنعون قوانين أوربا الوثنية الملحدة ، ويشربونها في قلوبهم ، يزعمونهم أهدى وأنفع للناس مما أنزل إليهم من ربهم ، ولا يتعظون بما أنذرهم به ربهم من المثل بالأمم قبلهم )( 213 ) .

يقول الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين : " وإنما سمى سبحانه عصيانهم بالقتل والإخراج من الديار كفرا ، لأن من عصى أمر الله تعالى بحكم عملي معتقدا أن الحكمة الصلاح فيما فعله ، بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه أثر من التحرج ، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب ، فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين ، وفي الآية الكريمة دليل واضح على أن الذي يؤمن ببعض ما تقرر في الدين بالدليل القاطع ويكفر ببعضه ، يدخل في زمرة الكافرين لأن الإيمان كل لا يتجزأ " ( 214 ) .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنتُمۡ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (85)

قوله تعالى : { ثم أنتم هؤلاء } . يعني : يا هؤلاء ، وهؤلاء للتنبيه .

قوله تعالى : { تقتلون أنفسكم } . أي يقتل بعضكم بعضاً .

قوله تعالى : { وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم } . بتشديد الظاء أي تتظاهرون أدغمت التاء في الظاء ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء فحذفوا تاء التفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله تعالى : ( ولا تعاونوا ) معناهما جميعاً : تتعاونون ، والظهير : العون .

قوله تعالى : { بالإثم والعدوان } . المعصية والظلم .

قوله تعالى : { وإن يأتوكم أسارى } . قرأ حمزة : أسرى ، وهما جمع أسير ، ومعناهما واحد .

قوله تعالى : { تفادوهم } . بالمال وتنقذوهم وقرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي ويعقوب تفادوهم أي تبادلوهم ، أراد : مفاداة الأسير بالأسير ، وقيل : معنى القراءتين واحد . ومعنى الآية قال السدي : إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم ، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه ، فكانت قريظة حلفاء الأوس ، والنضير حلفاء الخزرج ، وكانوا يقاتلون في حرب سنين فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم وبنو النضير مع حلفائهم وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها ، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وإن كان الأسير من عدوهم ، فتعيرهم العرب ويقولون : كيف تقاتلونهم قالوا :إنا أمرنا أن نفديهم فيقولون : فلم تقاتلوهم قالوا : إنا نستحيي أن تذل حلفاؤنا ، فعيرهم الله تعالى بذلك فقال : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } وفي الآية تقديم وتأخير ونظمها وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان .

قوله تعالى : { وهو محرم عليكم إخراجهم } . وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ، فكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتال ، وترك الإخراج ، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم ، وفداء أسراهم ، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء .

قوله تعالى : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } . قال مجاهد : يقول إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك .

قوله تعالى : { فما جزاء من يفعل ذلك منكم } . يا معشر اليهود .

قوله تعالى : { إلا خزي } . عذاب وهوان .

قوله تعالى : { في الحياة الدنيا } . فكان خزي قريظة القتل والسبي وخزي بني النضير الجلاء والنفي من منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام .

قوله تعالى : { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } . وهو عذاب النار .

قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } . قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر بالياء ، والباقون بالتاء .