81 - وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ .
الريح العاصف : الشديدة الهبوب .
إلى الأرض التي باركنا فيها : هي أرض الشام .
أي : وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ، وهذه من نعم الله على سليمان أن ذلل له الريح العاصفة أي : المدمرة ، التي تعصف بما تمر عليه وتدمره .
وقد وصف الله تعالى هذه الريح بأنها سهلة هينة مريحة ؛ في موضع آخر فقال : فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ . ( ص : 36 ) .
فهذه الريح قوية وعاصفة في حد ذاتها ؛ لكن إذا أمرها سليمان بأمر تحولت إلى طائعة سهلة منقادة لينة ورخاء ، أو أنها حينا عاصفة ، وحينا رخاء وهي مطيعة لسليمان ؛ وكان سليمان قد دعا الله قائلا :
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ . ( ص : 35 – 39 ) .
أن الله ذلل الريح لسليمان عليه السلام ، فكان يتحرك مع جنوده وجيوشه وأتباعه ، ويأمر الريح أن تنقلهم إلى أي مكان يريد الذهاب إليه ، ثم يطلب من الريح أن تعيده إلى المكان الذي يريد أن يرجع إليه ؛ فتطيعه الريح وتجري بأمره .
وكان ملك سليمان في بلاد الشام ؛ فقد حكم داود عليه السلام فلسطين 70 سنة ، وحكمها سليمان 70 سنة ، وبعد ذلك دب الخلاف بين أبناء سليمان وتقسموا الملك ثم دالت دولتهم .
أما العرب المسلمون فقد فتحوا فلسطين وبيت المقدس سنة 15 ه ومكثوا فيها أكثر من ألف عام ؛ ولم يخرجوا من بيت المقدس إلا أيام الحروب الصليبية ؛ ثم عادوا إليه بقيادة صلاح الدين الأيوبي ، وظلوا هناك إلى أن كانت حرب سنة 1967م فأخرجوا من ديارهم بغير حق .
وأملنا في الله أن يعودوا إلى بيت المقدس بفضل الله .
ونعود إلى تقرير معنى الآية فنقول :
سخرنا لسليمان الريح قوية ؛ تسير بأمره وتنقله هو وأتباعه في الصباح وتعود بهم في المساء ؛ حيث ترجع بهم إلى أرض الشام التي بارك الله فيها ؛ بوجود الأنبياء والزروع والثمار ؛ ووجود بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين .
أي : أن علمنا ممتد إلى كل كبيرة وصغيرة ، ونعرف الحكمة فيما نفعل ، ونعرف أن سليمان أهل لهذه النعمة ؛ فنحن لنا حكمة في ابتلاء الناس بالخير أو بالشر ؛ كما قال سبحانه : ونبلوكم بالشر والخير فتنة . . . ( الأنبياء : 35 ) .
قوله تعالى : { ولسليمان الريح عاصفةً } أي وسخرنا لسليمان الريح ، وهي هواء متحرك ، وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه ، ويظهر للحس بحركته والريح يذكر ويؤنث ، عاصفة شديدة الهبوب ، فإن قيل : قد قال في موضع آخر تجري بأمره رخاءً والرخاء : اللين . قيل : كانت الريح تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت ، وإن أراد أن تلين لانت ، { تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها } يعني الشام ، وذلك أنها كانت تجري لسليمان وأصحابه حيث شاء سليمان ، ثم تعود إلى منزله بالشام ، { وكنا بكل شيء } علمناه { عالمين } بصحة التدبير فيه أي :علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه عز وجل . قال وهب بن منبه : كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره ، وكان امرأ غزاء قلما يقعد عن الغزو ، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله ، كان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بمعسكره فضرب بخشب من الأرض ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب ، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصفة من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمر به شهراً في روحة وشهراً في غدوة إلى حيث أراد ، وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء وبالمزرعة فما تحركها ، ولا تثير تراباً ولا تؤذي طائراً . قال وهب : ذكر لي أن منزلاً بناحية دجلة مكتوب فيه كتبه بعض صحابة سليمان إما من الجن وإما من الإنس نحن نزلناه وما بنيناه مبنياً وجدناه ، غدونا من اصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام . قال مقاتل : نسجت الشياطين لسليمان بساطاً فرسخاً في فرسخ ذهباً في إبريسم ، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه ، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة ، ويقعد الأنبياء على كراسي الذهب ، والعلماء على كراسي الفضة ، حولهم الناس ، وحول الناس الجن والشياطين ، وتظله الطير بأجنحتها لا تقع عليه الشمس ، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح . وعن سعيد بن جبير قال : كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي فيجلس الإنس فيما يليه ثم يليهم الجن ثم تظلهم الطير ثم تحملهم الريح . وقال الحسن : لما شغلت الخيل نبي الله سليمان عليه السلام حتى فاتته صلاة العصر غضب لله عز وجل فعقر الخيل فأبدله الله مكانها خيراً منها ، وأسرع الريح تجري بأمره كيف يشاء ، فكان يغدو من إيلياء فيقيل باصطخر ، ثم يروح منها فيكون رواحه ببابل . وقال ابن زيد : كان له مركب من خشب وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن والإنس ، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب ، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فسارت به وبهم ، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر ويمسي عند قوم بينه وبينهم شهر ، لا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش . وروى أن سليمان سار من أرض العراق غازياً فقال بمدينة مرو ، وصلى العصر بمدينة بلخ ، تحمله وجنوده الريح ، وتظلهم الطير ، ثم سار من مدينة بلخ متخللاً بلاد الترك ، ثم جاءهم إلى أرض الصين يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ذلك ، ثم عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى على أرض القندهار ، وخرج منها إلى أرض مكران وكرمان ، ثم جاوزها حوالى أرض فارس فنزلها أياماً وغدا منها إلى الشام ، فقال بكسكر ثم راح وكان مستقره بمدينة تدمر ، وكان أمر الشياطين ، قبل شخوصه من الشام إلى العراق ، فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر ، وفي ذلك يقول النابغة :
إلا سليمان إذ قال المليك له *** قم في البرية فاحددها عن الفند
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.