تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ} (84)

83

84 - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .

ذكرى : تذكرة .

كان أيوب قد ابتلي في نفسه بالمرض ، وفي أولاده بالموت ، وفي ماله بالضياع ؛ امتحانا من الله تعالى ، وكانت له الأموال والأولاد والزوجة والعافية ، وكان دائم الصبر ، حيث قالت له زوجته مرة : لو دعوت الله حتى يذهب عنك البلاء ؟ ! فقال لزوجته : كم مكثنا في الصحة والعافية والنعمة ؟ قالت : ثمانين سنة ؛ قال أيوب : كم مكثنا في البلاء ؟ قالت : ثلاثا أو سبعا أو ثماني عشرة سنة ، فقال أيوب : أستحي أن أدعو الله ليرفع البلاء ؛ ولم أمكث في البأساء مثل ما مكثت في النعماء .

فلما كثر إلحاح زوجته عليه ؛ مد يديه إلى الله متضرعا ، طالبا أن يشمله الله برحمته ؛ فاستجاب الله دعاءه ؛ فكشف عنه الضر الذي نزل به اختبارا وابتلاء .

وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ .

استرد زوجته وولدت له من الأولاد بعدد من مات من أولاده ؛ ثم ضاعف الله له عدد أولاده .

رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .

أي : تلطفا وتكرما وترحما من الله عليه ، حيث أكرمه في نفسه وأولاده وماله .

وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .

وتذكيرا للعباد الصالحين ؛ ألا ييئسوا من فضل الله ، وأن يتوقعوا من الامتحان بالبلاء ، والكشف بالرحمة والنعماء ؛ وقد ذكرت قصة أيوب في مواضع أخرى في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . ( ص : 41 – 44 ) .

لقد جعل الله من أيوب نموذجا للصبر ؛ فقد امتحن في نفسه ، وفي أولاده وزوجته وأمواله ؛ ثم عوضه الله بالشفاء والعافية ، حيث اغتسل بالماء فبرئ ظاهره ، وشرب من الماء فبرئ باطنه ، ورزقه الله من الأولاد بعدد من مات منهم ، ثم ضاعف له عددا من الأولاد والأحفاد ؛ فقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ، ويختبر بعض الناس بالنعماء قال تعالى : ليبلوني أأشكر أم أكفر . . . ( النمل : 40 ) .

وأمره الله أن يأخذ حزمة من الحشيش الأخضر ، الذي يختلط فيها الرطب باليابس ، وبها أكثر من 100 عود ، فيضرب بها زوجته مرة واحدة ، حتى لا يحنث في يمينه ؛ وكان قد أقسم إذا شفاه الله ليضربن زوجته 100 ضربة ، ثم وضع الحق سبحانه وساما يؤيد الصبر ، وصدق العبودية ، والرجوع إلى الله وعبادته ، والتبتل إليه واستمرار ذكره ؛ فقال تعالى : إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب .

وفي الحديث الشريف : ( أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل )27 .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ} (84)

قوله تعالى : { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر }

وذلك أنه قال له : اركض برجلك فركض برجله فنبعت عين ماء بارد فأمره أن يغتسل منها ففعل فذهب كل داء كان بظاهره ، ثم مشى أربعين خطوة فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت عين ماء بارد ، فأمره فشرب منها فذهب كل داء كان بباطنه كأصح ما يكون من الرجال وأجملهم . { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } واختلفوا في ذلك ، فقال ابن مسعود و قتادة ، وابن عباس ، و الحسن ، وأكثر المفسرين : رد الله عز وجل إليه أهله وأولاده بأعيانهم أحياهم الله له وأعطاهم مثلهم معهم ، وهو ظاهر القرآن . قال الحسن : آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رد الله إليه وأهله يدل عليه ما روي عن الضحاك عن ابن عباس أن الله عز وجل رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكراً . قال وهب كان له سبع بنات وثلاثة بنين . وقال ابن يسار : كان له سبع بنين وسبع بنات . وروي عن أنس يرفعه : أنه كان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير ، فبعث الله عز وجل سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض . وروي أن الله تعالى بعث إليه ملكاً وقال له : إن ربك يقرئك السلام بصبرك فأخرج على أندرك ، فخرج إليه فأرسل الله عليه جراداً من ذهب فطارت واحدة فاتبعها وردها إلى أندره ، فقال له الملك : أما يكفيك ما في أندرك ؟ فقال هذه بركة من بركات ربي ولا أشبع من بركته .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، أنا محمد بن الحسين القطان ، أنا أحمد بن يوسف السلمي ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر عن همام بن منبه ، قال : أنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أيوب يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه ، فناداه ربه يا أيوب : ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى ، وعزتك ، ولكن لا غنى لي عن بركتك " . وقال قوم : آتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا فأما الذين هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا . قال عكرمة : قيل لأيوب : إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة ، وآتيناك مثلهم في الدنيا فقال : يكونون لي في الآخرة ، وأوتى مثلهم في الدنيا ، فعلى هذا يكون معنى الآية : وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا وأراد بالأهل الأولاد { رحمة من عندنا } أي نعمة من عندنا ، { وذكرى للعابدين } أي : عظة وعبرة لهم .