{ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 31 ) } .
يخاطب القرآن الرجال في كثير من آياته باعتبارهم الجنس الغالب الذي يتأتى منه الخطاب غالبا ، وهناك قواعد عامة وضعها القرآن ، وهي اشتراك النساء مع الرجال في أمور الشريعة ، إلا ما نص عليه الخطاب بخصوصية أي منهما . قال تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . ( البقرة : 228 ) .
وقد أمر القرآن الرجال بغض البصر وحفظ الفرج ، ثم تكرر الخطاب للنساء للتأكيد عليه ، ولأنهن زدن على الرجال أحكاما تخصهن ، وهي : النهي عن إبداء زينتهن إلا ما استثنى الله تعالى ، والأمر بإرخاء خمرهن على جيوبهن ، والنهي عن كل فعل يلفت النظر إلى زينتهن ، وينبه الناس إليها .
وتتعلق بهذه الآية الأحكام الآتية :
1 – وردت روايات مختلفة بشأن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي ، ويمكن أن نستعرض هذه الروايات على النحو الآتي :
( أ ) ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد يوم العيد ، وعائشة تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم ، حتى ملت ورجعت ، وذلك سنة سبع من الهجرة141 .
وصح أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضى إلى النساء في المسجد يوم عيد ، فذكرهن ومعه بلال ، وأمرهن بالصدقة ، وبعيد ألا ينظرن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى بلال حين يسمعن الموعظة ، ويتصدقن142 ، فدل مجموع ذلك على أنه أباح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي ، إلى ما عدا ما بين سرته وركبته ، وبهذا قال جمع من فقهاء الأمصار ، وهو أحد قولي الشافعي .
( ب ) نصوص السنة واضحة في تحريم نظر المرأة – من غير زوجها – إلى ما بين السرة والركبة ، سواء أكان ذلك بشهوة أم بغير شهوة ، كما حظرت عليها أيضا أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل بشهوة ، كل هذا محل اتفاق بين الفقهاء جميعا ، أما نظرها ما فوق السرة وتحت الركبة فقد اختلفت الروايات فيه . فمنها ما يحظر على المرأة أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل الأجنبي ، وهو قول أحمد ، وأحد قولي الشافعي ، وصححه النووي ، وهو أيضا ظاهر قوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ .
وقد استشهد أصحاب هذا الرأي بأحاديث متعددة منها : ما أخرج أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي وصححه ، عن أم سلمة قالت : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وميمونة ، فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه ، وذلك بعد أن أمر بالحجاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( احتجبا منه ) . فقلنا : يا رسول الله ، أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال : ( أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه ) ؟ .
وفي الموطأ ، عن عائشة أنها احتجبت عن أعمى ، فقيل لها : إنه لا ينظر إليك ، قالت : لكنني أنظر إليه .
وهناك نصوص اعتمد عليها من أباح نظر المرأة للرجل الأجنبي تقدم ذكرها ، في الفقرة ( أ ) ، وقد حاول أصحاب كل رأي الدفاع عن رأيهم ، وتوهين حجة الفريق الآخر .
ولعل أولى ما يجمع به بين هذه الأحاديث المتعارضة ، أن يحمل الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم على الندب ، وكذلك احتجاب عائشة – رضي الله عنها – عن الأعمى كان ورعا منها ، وعملا بما هو أجمل وأولى بالنساء ، وحينئذ لا يكون حراما على المرأة أن تنظر من الأجنبي إلى غير ما بين السرة والركبة143 .
والذي يستفاد من الجمع بين هذه الروايات المختلفة : أن ليست الشدة في نظر النساء إلى الرجال الأجانب ، مثل الشدة في نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات ، لا يحل لهن أن يقصدن النظر إليهم وجها لوجه في المجالس ، ولكن يحل لهن أن ينظرن إليهم وهم يمشون في الطريق ، أو يلعبون ألعابا غير محرمة من البعيد ، بل لا حرج أن ينظرن إليهم في البيوت عند الحاجات الحقيقية ، وبه تقريبا جمع بين هذه الروايات الإمام الغزالي ، والحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمهما الله – وقد نقل الشوكاني في ( نيل الأوطار ) قول الحافظ : ويؤيد الجواز استمرار العمل على خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار ، منتقبات لئلا يراهن الرجال ، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء ، فدل ذلك على مغايرة الحكم بين الطائفتين144 .
على أنه لا يصح أن تكرر النساء النظر إلى الرجال ، ويمتعن أنفسهن بحسنهم145 .
2 – ذكر القرطبي في تفسيره لقوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ . . . أن في هذه الآية 23 مسألة ، وفي المسألة الثانية حاول التوفيق بين الأحاديث المتعارضة ؛ فذكر حديث الترمذي ، عن نبهان مولى أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها ولميمونة ، وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم : ( احتجبا ) . فقالتا : إنه أعمى . قال : ( أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه )146 ؟
ثم قال القرطبي : فإن قيل : هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل ؛ لأن روايه عن أم سلمة نبهان مولاها ، وهو ممن لا يحتج بحديثه ، وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه – عليه الصلاة والسلام – تغليظ على أزواجه لحرمتهن ، كما غلظ عليهن أمر الحجاب ، كما أشار إليه أبو داود وغيره ، ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال : ( تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتدى عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك )147 . قلنا : قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث ، على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة ، كالرأس ، ومعلق القرط ، وأما العورة فلا . فعلى هذا يكون مخصصا لعموم قوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ . . . وتكون من . للتبعيض كما هي في الآية قبلها .
قال ابن العربي : وإنما أمرها بالانتقال من بيت أم شريك ، إلى بيت ابن أم مكتوم ، لأن ذلك أولى من بقائها في بيت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها ، فيكثر الرائي لها ، وفي بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد ، فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك و أولى ، فرخص لها في ذلك ، والله أعلم .
31 - وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . .
الخمر : واحدها خمار ، وهو ما تغطي به المرأة رأسها ، أي : الطرحة .
جيوبهن : الجيوب : واحدها جيب ، وهو فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض الجسد .
بعولتهن : البعولة الأزواج ، واحدهم بعل .
الطفل : يطلق على الواحد والجمع .
لم يظهروا : لم يعلموا عورات النساء لصغرهم .
توسعت كتب التفسير في عرض ما يتصل بأحكام الآية ، ومن الخير أن نتعرض لتفسير كل جزء منها على حدة ، والله ولي التوفيق .
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ . . .
أي : فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة ، أو الهاتفة المثيرة ، ما يستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال .
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . .
عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق ، ويسترنها حتى لا يراها أحد .
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا . . .
أي : ولا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب ، إلا ما لا يمكن إخفاؤه مما جرت العادة بظهوره كالخاتم والكحل والخضابة ، فلا يؤاخذن إلا في إبداء ما خفى منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط ، لأن هذه الزينة واقعة في مواضع من الجسد – وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن – لا يحل النظر إليها .
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ . . .
الخمر جمع خمار ، وهو ما يخمر به – أي : يغطى به – الرأس . والجيوب جمع جيب ، وهو الصدر ، فالمراد بضرب النساء بخمرهن على جيوبهن ، أي يغطين رءوسهن وأعناقهن ونحورهن وصدورهن بكل ما فيها من زينة وحلي ، على خلاف ما كانت عليه حال النساء في الجاهلية .
لقد كانت المرأة في الجاهلية تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء ، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها ؛ فأمر الله المؤمنات أن يستترون في هيئاتهن وأحوالهن .
ويقول الزمخشري في تفسيره عن نساء الجاهلية : كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها ، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة ؛ فأمرن بأن يسدلنهامن قدامهن حتى يغطينها .
كانت نساء الجاهلية قريبات الشبه بحال المرأة في الجاهلية الحديثة في عصرنا ، فلما نزل القرآن بهذه الآيات تهذب الذوق الإسلامي ، سارعت النساء إلى امتثال أمر الله ، فحجبن مفاتن أجسامهن طائعات ، وهذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة .
روى البخاري ، عن عائشة أنها قالت : رحم الله نساء المهاجرات148 الأول لما نزل : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ . . . شققن أزرهن فاختمرن بها149 .
وأخرج أبو داود ، عن صفية بنت شيبة قالت : بينما نحن عند عائشة ، قالت : فذكرن نساء قريش وفضلهن ؛ فقالت عائشة – رضي الله عنها - :
إن لنساء قريش لفضلا ، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ، أشد تصديقا لكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل ، لما نزلت سورة النور : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ . . . انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته ؛ فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل150 ، فاعتجرت151 به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه ، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معتجرات كأن على رءوسهن الغربان152 . وفي مسند أبي داود ما يفيد أن الخمار ينبغي أن يكون من الثوب الغليظ ، ولا يكفي أن يكون ثوبا شفافا يصف ما تحته153 .
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ . . .
من هنا يشرع الله – سبحانه و تعالى – في ذكر من يحوز للمرأة المسلمة أن تبدى لهم زينتها ، أما الذين ليسوا في دائرة هؤلاء سواء أكانوا من الأقارب أم الأجانب ؛ فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تبرز إليهم بزينتها .
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ . . . .
أي : قل للمؤمنات لا يظهرن هذه الزينة الخفية إلا لأزواجهن ، فالمرأة مأمورة شرعا بأن تتزين لزوجها ، وأن تبحث عما يشبع رغبته ، ويسر ناظريه ومسامعه .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ، إن نظر إليها زوجها سرته ، وإن أمرها أطاعته ، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه )154 .
وكذلك أمر الإسلام الرجل أن يتزين لزوجته ليشبع عاطفتها ، وليشبع حاجاتها النفسية والفطرية ، وقد أخذ العلماء هذا الحق من قوله تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ . . . ( البقرة : 228 ) . فكل ما يطلبه الرجل من زوجته من أمانة وعفة ونظافة ، هو مطالب به أيضا ، بيد أن الله جعل القوامة للرجال فقال سبحانه : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ . . . ( النساء : 34 ) .
وقال سبحانه : وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ . . . ( البقرة : 228 ) . وهي درجة القوامة ، والعشرة بالمعروف والتسامح ، ولين الجانب . وقد أباح الله للزوج النظر إلى جميع بدن زوجته ، فقد خلق الله حواء لتكون سكنا لآدم . وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً . . . ( الروم : 21 ) .
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ . . . أي : فإنهم المقصودون بالزينة ، ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج ، لكن بكراهة على المشهور . وقال الإمام أبو الحسن بن القطان في كتاب ( أحكام النظر ) : عن أصبغ : لا بأس به وليس بمكروه ، وروى عن مالك : لا بأس أن ينظر إلى الفرج في الجماع ، ثم ذكر أن ما روى من أن ذلك يورث العمى ، حديث لا يصح ، لأن فيه بقية ، وقد قالوا : بقية أحاديثه غير نقية155 .
قال تعالى : أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ . . .
أي : لأن هؤلاء محارمهن الذين تؤمن الفتنة من قبلهم ، فإن آباءهن أولياؤهن الذين يحفظونهن عما يسوءهن ، وآباء بعولتهن يمنعون عن أبنائهم ما يسوءهم ، وأبناءهن شأنهم خدمة الأمهات ، وهم منهن ، وأبناء بعولتهن شأنهم خدمة أحبابهم ، وإخوانهم هم الأولياء بعد الآباء ، وبنيهن أولياء بعدهم ، وكذا بني أخواتهن ، هم كبني إخوانهن في القرابة فيتعيرون بنسبة السوء إلى الخالة ، تعيرهم بنسبته إلى العمة ، هذا ما أشار له المهايمي156 .
وأجمل ذلك الزمخشري بقوله : وإنما سومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون ، لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلهم ومخالفتهم157 . ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم ، ولما في الطباع من النفرة عن ممارسة القرائب ، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك .
قيل : هن المؤمنات أخذا من الإضافة ، فليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية ، وقيل : النساء كلهن سواء في حل نظر بعضهن إلى بعض .
قال في الإكليل : فيه إباحة نظر المرأة إلى المرأة كمحرم .
وروى ابن أبي حاتم ، عن عطاء ، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدموا بيت المقدس ، كان قوابل نسائهم اليهوديات والنصرانيات .
وقال الرازي : القول الثاني هو المذهب ، وقول السلف الأول محمول على الاستحباب والأولى158 .
وقد ساق المودودي آراء الفقهاء والمفسرين في المراد بقوله تعالى : أو نسائهن . وخلاصتها ما يأتي :
1 . تقول طائفة منهم : إن المراد بها النساء المسلمات فقط .
2 . تقول طائفة أخرى : إن المراد جميع النساء ، وهذا هو أصح المذاهب عند الإمام الرازي .
3 . وتقول طائفة ثالثة – وقولهم هو المعقول والأقرب إلى ألفاظ القرآن - : إن المراد النساء المختصات بهن بالصحبة والخدمة والتعارف ، سواء أكن مسلمات أم غير مسلمات ، وأن الغرض من الآية أن تخرج من دائرة النساء الأجنبيات اللاتي لا يعرف شيء عن أخلاقهن وآدابهن وعاداتهن ، أو تكون أحوالهن الظاهرة مشتبهة لا يوثق بها ، يقولون : ليست العبرة في هذا الشأن بالاختلاف الديني ، بل هي بالاختلاف الخلقي ، فللنساء المسلمات أن يظهرن زينتهن بدون حجاب ولا تحرج للنساء الكريمات المنتميات إلى البيوت المعروفة الجديرة بالاعتماد على أخلاق أهلها ، سواء أكن مسلمات أم غير مسلمات ، وأما الفاسقات اللائي لا حياء عندهن ، ولا يعتمد على أخلاقهن وآدابهن ، فيجب أن تحتجب عنهن كل امرأة صالحة ، ولو كن مسلمات ، لأن صحبتهن لا تقل عن صحبة الرجال ضررا على أخلاقها .
أما النساء الأجنبيات اللاتي لا يعرف شيء عن أحوالهن فحدود إظهار الزينة لهن – عندنا – هي ما يجوز إظهاره للرجال من الأقارب غير المحارم ، أي : على المرأة المؤمنة ألا تكشف لهن من جسدها وزينتها أكثر من وجهها ويديها159 .
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ . . .
من الجواري ، أما العبيد فقد اختلفوا فيهم ، فقال قوم : عبد المرأة محرم لها ، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفا ، وله أن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم ، وروى ذلك عن عائشة وأم سلمة ، وقد روى أن عائشة كانت تمتشط وعبدها ينظر إليها . وقال قوم : هو كالأجنبي معها ، وهو رأى ابن مسعود والحسن وابن سيرين ، ومن ثم قالوا : لا ينظر العبد إلى شعر مولاته . وسئل طاووس : هل يرى غلام المرأة رأسها وقدمها ؟ قال : ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاما صغيرا ، فأما رجل ذو لحية فلا .
أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ . . .
الإربة والأرب : الحاجة ، والمراد بالإربة هنا : الحاجة إلى النساء ، والمراد بالتابعين : الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم ، ولا غرض لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم إلى النساء ، وفي تعيين المراد بغير أولى الإربة أقوال كثيرة للسلف :
قال عبد الله بن عباس : هو المغفل الذي لا حاجة له إلى النساء .
وقال قتادة : هو التابع يتبعك ليصيب من طعامك .
وقال مجاهد : هو الأبله الذي لا يتبع إلا بطنه ، ولا يعرف شيئا من أمر النساء .
وقال الشعبي : من تبع الرجل وحشمه ، الذي لم يبلغ إربه أن يطلع على عورة النساء .
وقال ابن زيد : هو الذي يتبع القوم حتى كأنه كان منهم ونشأ فيهم ، وليس يتبعهم لإربة نسائهم ، وليس له في نسائهم إربة ، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إياه .
وقال الزهري وطاووس : هو الذي لا همة له بالنساء ولا أرب160 .
ويمكن أن نختصر ما ورد عن السلف في الآتي : الشيخ الذي فنيت شهوته ، أو الأبله الذي لا يدري من أمر النساء شيئا ، أو المجبوب ، أو الخصى ، أو الممسوح ، أو خادم القوم للعيش ، أو المخنث . والذي عليه المعول أن المراد به : كل من ليس له حاجة إلى النساء ، وأمنت من جهته الفتنة ونقل أوصاف النساء للأجانب .
ومن ذلك نعرف أن هؤلاء الخدام والغلمان ، المكتملين شبابا في البيوت أو المطاعم والفنادق ، لا يشملهم هذا التعريف للتابعين غير أولى الإربة بحال من الأحوال . أخرج مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وغيرهم ، عن عائشة رضي الله عنها – قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أم سلمة وعندها هذا المخنث ، وعندها أخوها عبد الله بن أبي أمية .
والمخنث يقول : يا عبد الله ، إن فتح الله عليكم الطائف غدا ، فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان161 . فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( يا عدو الله ، لد غلغلت النظر فيها ) . ثم قال : لأم سلمة : ( لا يدخلن هذا عليك ) . فأمر بإخراجه من المدينة ، فكان بالبيداء يدخل في كل جمعة مرتين ، فيسأل ثم يرجع162 ، وكذلك أخرج من المدينة من كان بها من المخنثين غيره ، لأن النساء ما كن يحتجبن منهم ، وكانوا يبينون للرجال أحوال النساء في البيوت .
أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء . . .
أي : لم يفهموا أحوالهن ولم يعرفوا ما العورة لصغرهم . ( وهم الأطفال الذين لا يثير فيهم جسم المرأة وحركاتها شعورا بالجنس ، وهذا التعريف لا ينطبق إلا على من كان في نحو عشر أو اثنتي عشرة سنة على الأكثر من الأطفال ، وأما الأطفال الكبار عن هذه السن فإن الشعور بالجنس يبدأ يثور فيهم ، ولو كانوا لم يبلغوا الحلم )163 .
و لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ . . .
أي : ولا يضربن بأرجلهن الأرض لتقعقع خلاخلهن ، فإن ذلك مما يهيج الرجال ويورث ميلا إليهن ، وللنساء أفانين في هذا ، فقد يجعلن الخرز ونحوه في جوف الخلخال ؛ فإذا مشين ولو هونا كان له رنين وصوت خاص ، ومن الناس من يتأثر بوسوسة الحلى أكثر من رؤيتها .
يدخل في هذا ، النهي عن كل شيء من زينتها كان مستورا فتحركت بحركة ، لتظهر ما خفى منها ، ومن ذلك ما ورد من نهيها عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها ، فروى الترمذي ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( كل عين زانية ، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا ) . وقال قولا شديدا164 .
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .
أي : ارجعوا إليه ، بالعمل بأوامره واجتناب نواهيه ، لكي تفوزوا بسعادة الدارين .
أي : افعلوا ما أمركم به من الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة ، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة ، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به رسوله ، وترك ما نهى عنه ، والله المستعان .
ونلحظ أن القرآن يختم أوامره بهذه الدعوة الرقيقة إلى التوبة والاستقامة ، فالله يفتح بابه للتائبين ، وهو عفو غفور رحيم ، وبذلك يثير الحساسية برقابة الله ، وعطفه و رعايته وعونه للبشر في ضعفهم أمام الميل الفطري العميق ، الذي لا يضبطه مثل الشعور بالله وبتقواه .
1 . نقل القرطبي عن مكي قال : ليس في كتاب الله – تعالى – آية أكثر ضمائر من هذه ، جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع .
2 . إذا كان السبب في تحريم ضرب الخلخال ، ما يؤدي إليه من الفتنة والفساد ، كان كل ما في معناه ملحقا به في التحريم ، كتحريم الأيدي بالأساور ، وتحريك الجلاجل في الشعر ، فالتنصيص على الضرب بالأرجل ليس لقصر النهي عليه ، لأنه كان السبب في نزول الآية .
3 . بالقياس على ما تقدم قال الفقهاء : إنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها متعطرة بحيث تشم منها رائحة الطيب ، فقد أخرج أبو داود ، وابن ماجة ، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة )165 .
4 . استدل الحنفية بهذا النهي على أن صوت المرأة عورة ، فإنها إذا كانت منهية عن فعل يسمع له صوت خلخالها ، فهي منهية عن رفع صوتها بالطريق الأولى ، والظاهر أنه إن أمنت الفتنة لم يكن صوتها ، عورة ؛ فإن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كن يروين الأخبار للرجال وفيهم الأجانب من غير نكير ولا تأثيم166 .
5 . نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلو أحد من الرجال بامرأة . ولو كان من أقربائها ، إذا لم يكن معها أحد من محارمها .
عن جابر بن عبد الله : أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا تلجوا على المغيبات )167 ، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم )168 .
وعن جابر أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم ، فإن ثالثهما الشيطان )169 .
6 . ما أباح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يمس الرجل بيده جسد امرأة غير ذات محرم ، فكان يصافح الرجال عند البيعة ولا يصافح النساء ، فعن عروة : أن عائشة - رضي الله عنها – أخبرته عن بيعة النساء قالت : ما مس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يد امرأة قط إلا أن يأخذ عليها ، فإذا أخذ عليها فأعطته قال : ( اذهبي فقد بايعتك )170 .
7 . نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشدة عن الاختلاط بين الرجال والنساء ، وبذل سعيه للقضاء عليه . فلا يخفى على أحد ما للجمعة والصلاة بالجماعة في المسجد من الأهمية في الحياة الإسلامية ، ومع ذلك فقد أعفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء من وجوب الجمعة ، وأعفاهن من وجوب الجماعة .
وقد صرح بأن صلاتهن في البيوت خير من صلاتهن في المساجد ، روى أحمد ، وأبو داود ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تمنعوا نساءكم المساجد ، وبيوتهن خير لهن )171 . وبعض العلماء العاملين في زماننا يدعو إلى حث النساء على حضور مجالس العلم ، وإحياء نشاط المرأة المسلمة لتفهم أصول دينها ، وتدرك معالم الشريعة الغراء ، وتستغنى بنظام الإسلام ، عن نظام الغرب وتقاليده ، ويحث على أن تكون في المساجد أماكن للنساء ، حتى يلتزمن بأحكام الإسلام وآدابه ، بعيدا عن تقاليد الجاهلية القديمة والحديثة .
( وإنه ليتضح من أحكام الشريعة أن المجالس المختلطة من الرجال والنساء لا تتفق بحال مع طبيعة الإسلام ومزاجه ، فالدين الذي لا يسمح باختلاط الجنسين للعبادة في مواضعها ، هل لأحد أن يتصور عنه أنه يبيح الاختلاط بينهما في الكليات والمكاتب والمجالس والنوادي الساهرة )172 .
اختلف الفقهاء في معنى قوله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها . . .
( أ ) فرأى الإمام أحمد بن حنبل أن معناه : أن النساء منهيات عن إبداء الزينة ، إلا الزينة التي ظهرت بنفسها من غير قصد فمعفو عنها ، كأن كشف الريح عن نحر امرأة أو ساقها . وذهب الإمام أحمد إلى أن بدن المرأة كله عورة ؛ فيحرم إبداء شيء منه للأجنبي ، وهو أصح قولي الشافعي ، وقالوا : إن المراد بما ظهر منها : ما ظهر بنفسه بغير قصد إلى إظهاره .
( ب ) وذهب الحنفية والمالكية إلى أن معنى الآية : ولا يبدين زينتهن إلا شيئا جرت العادة بظهوره ، فلسن منهيات عن إبدائه ، وذلك هو الوجه والكفين وما فيهما من زينة كالكحل والخضاب والخاتم ، وعلى هذا التأويل تكون الزينة نوعين : ظاهرة ، وباطنة . فالله قد حظر إبداء شيء من الزينة الباطنة لغير من استثنى في بقية الآية ، ولم يحظر إبداء الزينة الظاهرة لأن الحاجة تقضي بظهورها .
( ت ) وعلى هذا قال الحنفية والمالكية : إن الوجه والكفين ليسا بعورة وهو أحد قولي الشافعي ، واستشهدوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا أسماء ، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا ) . وأشار إلى وجهه وكفيه173 . وفي رواية عن أبي حنيفة – رحمه الله – أن القدمين ليستا من العورة أيضا ، ونظر في ذلك إلى أن الحرج في سترهما أشد منه في ستر الكفين ، لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء القرى الفقيرات ، اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات ، وعن أبي يوسف أن الذراعين ليستا بعورة كذلك لما في سترهما من الحرج .
وقالوا : إن النساء منهيات عن إبداء زينتهن إلا ما دعت الحاجة إلى ظهوره ، وجرى عرف الناس في عصر التنزيل على أنه من الزينة الظاهرة ، التي لم يحظر إبداؤها .
( ج ) وقد رجح الأستاذ أبو الأعلى المودودى رأي الحنابلة ؛ لأن الظاهر من الآية أن القرآن ينهى عن إبداء الزينة ، ويرخص فيها إذا ظهرت من غير قصد ، فالتوسع في هذه الرخصة إلى حد إظهارها عمدا مخالف للقرآن ، ومخالف للروايات التي يثبت بها أن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كن يبرزن إلى الأجانب سافرات الوجوه ، وأن الأمر بالحجاب كان شاملا للوجه ، وكان النقاب قد جعل جزءا من لباس النساء إلا في الإحرام174 .
( د ) أما الأستاذ الشيخ محمد على السايس فقد رجح رأي الحنفية فقال : ولعلك إذا نظرت إلى أن الشريعة سهلة سمحة ، لا حرج فيها ولا مشقة ، ترجح القول بأن الوجه والكفين من الأجنبية ليسا من العورة ، فإن في تكليف النساء ستر الوجه والكفين حرجا ومشقة عليهن ، ولا سيما الفقيرات اللاتي ليس لهن خدم ، فيضطررن إلى قضاء حاجاتهن من الأسواق بأنفسهن175 .
وينبغي أن يكون القول بهذا الرأي خاصا بالحالات التي تؤمن فيها الفتنة ، أما في غيرها من الحالات التي تخشى فيها الفتنة ، وفي الأوقات التي يكثر فيها الفساق في الأسواق والطرقات ، فلا يجوز للمراة أن تخرج سافرة عن وجهها ، ولا أن تبدي شيئا من زينتها .
قوله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } عما لا يحل لهن { ويحفظن فروجهن } عمن لا يحل . وقيل أيضاً : يحفظن فروجهن يعني : يسترنها حتى لا يراها أحد . وروي عن أم سلمة : " أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه ، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احتجبا منه ، فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه " قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن } يعني : لا يظهرن زينتهن لغير محرم ، وأراد بها الزينة الخفية ، وهما زينتان خفية وظاهرة ، فالخفية : مثل الخلخال ، والخضاب في الرجل ، والسوار في المعصم ، والقرط والقلائد ، فلا يجوز لها إظهارها ، ولا للأجنبي النظر إليها ، والمراد من الزينة موضع الزينة . قوله تعالى : { إلا ما ظهر منها } أراد به الزينة الظاهرة . واختلف أهل العلم في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى : قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي : هو الوجه والكفان . وقال ابن مسعود : هي الثياب بدليل قوله تعالى : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } وأراد بها الثياب . وقال الحسن : الوجه والثياب . وقال ابن عباس : الكحل والخاتم والخضاب في الكف . فما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة ، فإن خاف شيئاً منها غض البصر ، وإنما رخص في هذا القدر أن تبديه المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة ، وسائر بدنها عورة يلزمها ستره . قوله عز وجل : { وليضربن بخمرهن } أي : ليلقين بمقانعهن ، { على جيوبهن } وصدورهن ليسترن بذلك شعورهن وصدورهن وأعناقهن وأقراطهن . قالت عائشة : رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله عز وجل : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } شققن مروطهن فاختمرن بها . { ولا يبدين زينتهن } يعني : الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب ، وهو ما عدا الوجه والكفين { إلا لبعولتهن } قال ابن عباس ومقاتل : يعني لا يضعن الجلباب ولا الخمار إلا لبعولتهن ، أي إلا لأزواجهن ، { أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن } فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة ، ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة ، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره له النظر إلى فرجها . قوله تعالى : { أو نسائهن } أراد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة إلا ما بين السرة والركبة كالرجل المحرم ، هذا إذا كانت المرأة مسلمة ، فإن كانت كافرة فهل يجوز للمسلمة أن تنكشف لها ؟ اختلف العلم فيه ، فقال بعضهم : يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء ، وقال بعضهم : لا يجوز لأن الله تعالى قال : أو نسائهن والكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين ، وكانت أبعد من الرجل الأجنبي . كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات . قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن } اختلفوا فيها ، فقال قوم : عبد المرأة محرم لها ، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفاً ، وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة ، كالمحارم وهو ظاهر القرآن . وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة ، وروي ثابت عن أنس { عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها ، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك " . وقال قوم : هو كالأجنبي معها ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وقال : المراد من الآية الإماء دون العبيد . وعن ابن جريج أنه قال : ( أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن ) أنه لا يحل لامرأة مسلمة أن تتجرد بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون تلك المرأة المشركة أمةً لها . قوله عز وجل : { أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال } قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر غير بنصب الراء على القطع لأن التابعين معرفة وغير نكرة . وقيل : بمعنى إلا فهو استثناء ، معناه : يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة . وقرأ الآخرون بالجر على نعت التابعين والإربة والأرب : الحاجة . والمراد بالتابعين غير أولي الإربة هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك ، ولا حاجة لهم في النساء ، وهو قول مجاهد وعكرمة والشعبي . وعن ابن عباس أنه الأحمق العنين . وقال الحسن : هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن . وقال سعيد بن جبير : هو المعتوه ، وقال عكرمة : المجبوب . وقيل : هو المخنث . وقال مقاتل : الشيخ الهرم والعنين والخصي والمجبوب ونحوه .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنبأنا أحمد بن الحسين الحيري ، أنبأنا محمد ابن أحمد بن محمد بن معقل بن محمد الميداني ، أنبأنا محمد بن يحيى ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : " كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال : إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلن عليكن هذا ، فحجبوه " . { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } أراد بالطفل الأطفال ، يكون واحداً وجمعاً ، أي : لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع فيطلعوا عليها . وقيل : لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر ، وهو قول مجاهد . وقيل : لم يطيقوا أمر النساء . وقيل : لم يبلغوا حد الشهوة . { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها ، فنهيت عن ذلك . { وتوبوا إلى الله جميعاً } من التقصير الواقع في أمره ونهيه . وقيل : راجعوا طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة ، { أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } قرأ ابن عامر : ( آيه ) المؤمنون وبآية الساحر وآيه الثقلان بضم الهاء فيهن ، ويقف بلا ألف على الخط ، وقرأ الآخرون بفتح الهاءات على الأصل .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أنبأنا حميد بن زنجويه ، أنبأنا وهب بن جرير ، أنبأنا شعبة عن عمرو بن مرة ، عن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يا أيها الناس توبوا إلى الله ، فإني أتوب إليه في يوم مائة مرة " .
أخبرنا أبو الحسن عن عبد الرحمن بن محمد الداودي ، أنبأنا محمد بن عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي ، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن حريم الشاشي ، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن حميد الليثي ، حدثني ابن أبي شيبة ، أنبأنا عبد الله بن تمير ، عن مالك بن مغول ، عن محمد بن سوقة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : " إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول : رب اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة " . وجملة الكلام في بيان العورات : أنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى عورة الرجل ، وعورته ما بين السرة والركبة ، وكذلك المرأة مع المرأة ، ولا بأس بالنظر إلى سائر البدن إذا لم يكن خوف فتنة . وقال مالك وابن أبي ذئب : الفخذ ليس بعورة لما روي عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال : " أجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم فرساً في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم " . وأكثر أهل العلم على أن الفخذ عورة .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الفضل الحزقي ، أنبأنا أبو الحسن الطيسفوني ، أنبأنا عبد الله بن عمر الجوهري ، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنبأنا علي بن حجر ، أنبأنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن أبي كثير ، عن محمد بن جحش قال : " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معمر وفخذاه مكشوفتان ، قال : يا معمر غط فخذيك ، فإن الفخذين عورة " وروي عن ابن عباس وجرهد بن خويلد ، كان من أصحاب الصفة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الفخذ عورة " . قال محمد بن إسماعيل : وحديث أنس أسند ، وحديث جرهد أحوط . أما المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبيةً حرةً : فجميع بدنها في حق الأجنبي عورة ، ولا يجوز النظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين ، وإن كانت أمة : فعورتها مثل عورة الرجل ، ما بين السرة إلى الركبة ، وكذلك المحارم بعضهم مع بعض . والمرأة في النظر إلى الرجل الأجنبي كهو معها . ويجوز للرجال أن ينظر إلى جميع بدن امرأته وأمته التي تحل له ، وكذلك هي منه إلا نفس الفرج فإنه يكره النظر إليه ، وإذا زوج الرجل أمته حرم عليه النظر إلى عورتها كالأمة الأجنبية ، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظرن إلى ما دون السرة وفوق الركبة " .