تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

المفردات :

إصرهم : الإصر في اللغة : الأمر الثقيل : والمراد به هنا : التكاليف الشاقة على اليهود بسبب ظلمهم ، كتحريم بعض الطيبات عليهم .

الأغلال : المواثيق الشديدة المشبهة للأغلال في الأعناق .

وعزروه : وعظموه ووقروه ، أو أعانوه .

التفسير :

{ 157 – الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل…

1 – الصفات الأولى لهذا النبي :

تتابع هذه الآية صفات هؤلاء الذين يستحقون الرحمة فتذكر أن هؤلاء المؤمنين قد آمنوا بالنبي الأمي الذي أرسل في أمة أمية ، وكانت الأمية آية ومعجزة له ؛ فقد جاء بكتاب منزل عليه اشتمل على أكمل العلوم وأجداها : في العقيدة والعبادة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق والأعمال .

2 – والصفة الثانية لهذا النبي :

أن هذا الرسول الأمي محمد صلى الله عليه وسلم قد وردت صفاته في التوراة والإنجيل ، ويعرفه أحبار اليهود كما يعرفون أبناءهم ، ولذلك آمن به بعض علماء اليهود ، مثل : عبد الله بن سلام ، وبعض علماء النصارى مثل : تميم الداري .

جاء في الباب الثالث والثلاثين في التوراة في سفر تثنية الاشتراع :

" جاء الرب من سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلى من جبال فاران ، ومعه ألوف الأطهار في يمنيه قبس من نار " .

ومجيئه من سيناء : إعطاؤه التوراة لموسى ، وإشراقه من ساعير : إعطاؤه الإنجيل لعيسى ، واستعلاؤه من جبال فاران : إنزاله القرآن ؛ لأن فاران من جبال مكة .

وقال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام : { مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد( الصف : 6 ) .

وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص الله عنهما قال : قرأت في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم : " محمد رسول الله عبدي ورسولي سميته : المتوكل ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة ، بل يعفو ويصفح ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العرجاء ؛ بأن يقولوا لا إله إلا الله " 34 .

وقد جاء في كتب التفسير قديما وحديثا جانب كبير مما نقله العلماء للدلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته35 .

3 – والصفة الثالثة لهذا النبي أنه :

{ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } .

أن هذا الرسول يأمر الناس بالمعروف حيث يدعوهم إلى الإسلام والإيمان ومكارم الأخلاق والعبادات والمعاملات والشرائع . وينهاهم عن المنكر . الذي يتناول الكفر والمعاصي وما تنكره العقول القلوب من مساوئ الأخلاق وقبيح الأفعال والأقوال .

4 – والصفة الرابعة لهذا النبي :

{ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } .

أي : أنه يحل لهم ما تستطيبه الأذواق من الأطعمة وفيه فائدة في التغذية ، وخاصة ما حرم على بني إسرائيل من الطيبات كالشحوم وغيرها بسب ظلمهم وفسوقهم ؛ وعقوبة لهم .

{ ويحرم عليهم الخبائث } : أي : ما تستقذره النفوس كالميتة ، والدم المسفوح ، والخنزير في المأكولات ، وكأخذ الربا والرشوة ، والنصب والخيانة في المعاملات .

5 – والصفة الخامسة لهذا النبي :

{ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } .

الإصر : الثقل الذي يأصر صاحبه ويحبسه عن الحركة .

الأغلال : جمع غل وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد . والمراد : أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم قد أرسله الله بشريعة سمحة سهلة لا حرج فيها ولا مشقة ، وهذا الرسول جاء ؛ ليرفع عن بني إسرائيل ما قل عليهم من تكاليف كلفهم الله بها ، بسبب ظلمهم كاشتراط قتل الأنفس في صحة التوبة والقصاص في القتل العمد أو الخطأ ، من غير شرع الدية ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقطع موضع النجاسة من الثوب ، وتحريم العمل يوم السبت .

قال الإمام ابن كثير : أي : أنه جاء بالتيسير والسماحة كما ورد في الحديث : " بعثت بالحنيفية السمحة " 36 . وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ، وأبي موسى الأشعري ، حين أرسلهما إلى اليمن : " بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا ، وتطاوعا ولا تختلفا " 37 .

والخلاصة : أن بني إسرائيل كانوا قد أخذوا بالشدة في أحكام العبادات ، والمعاملات الشخصية والمدنية والعقوبات ، فكان مثلهم مثل من يحمل أثقالا يئن منها ، وهو موثق بالسلاسل والأغلال في عنقه ويديه ورجليه ، وقد خفف المسيح عنهم بعض التخفيف في الأمور المادية ، وشدد في الأحكام الروحية ، إلى أن جاءت الشريعة السمحة التي أرسل الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم38 .

ثم بين الحق سبحانه وتعالى صفة أتباعه عليه الصلاة والسلام فقال :

فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون .

فالذين آمنوا به . من اليهود أو من العرب أو من سائر الناس وصدقوا برسالته وأطاعوه فيها .

وعزروه : أي : عظموه ووقروه وأعانوه بمنع أعدائه عنه .

ونصروه : بكل وسائل النصر ، باللسان والسنان .

واتبعوا النور الذي أنزل معه . أي : اهتدوا بهدى القرآن وهو نور وهداية ، وهو أيضا ظاهر واضح ، يهدي متبعه إلى العقيدة السليمة والعمل الصالح ، كما يهدي النور الحسي من يتبعه إلى سواء السبيل .

{ أولئك هم المفلحون } .

أي : هؤلاء الموصوفون بتلك الصفات الجليلة ، هم وحدهم دون غيرهم الذين بلغوا غاية الفوز بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

156

قوله تعالى : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو نبيكم ، كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) . وهو منسوب إلى الأم ، أي هو على ما ولدته أمه . وقيل : هو منسوب إلى أمته ، أصله أمتي ، سقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني ، وقيل : هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة .

قوله تعالى : { الذي يجدونه } أي : يجدون صفته ونعته ونبوته .

قوله تعالى : { مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل } . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن سنان ، حدثنا فليح ، حدثنا هلال ، عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ، قال : أجل والله ، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ، وحرزاً للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله ، ويفتح به أعيناً عمياً ، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً ) . تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة .

وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن ابن سلام ، أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني ، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي ، أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر ابن بسطام ، أنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي ، حدثنا عبد الله ابن عثمان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قال : إني أجد في التوراة مكتوباً : محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحمادون ، يحمدون الله في كل منزلة ، ويكبرونه على كل نجد ، يأتزرون على أنصافهم ، ويوضئون أطرافهم ، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء ، مناديهم ينادي في جو السماء ، لهم في جوف الليل دوي النحل ، مولده بمكة ، ومهاجره بطابة ، وملكه بالشام .

قوله تعالى : { يأمرهم بالمعروف } أي : بالإيمان .

قوله تعالى : { وينهاهم عن المنكر } أي : عن الشرك ، وقيل : المعروف : الشريعة والسنة ، والمنكر : مالا يعرف في شريعة ولا سنة ، وقال عطاء : { يأمرهم بالمعروف } بخلع الأنداد ، ومكارم الأخلاق ، وصلة الأرحام ، { وينهاهم عن المنكر } : عن عبادة الأوثان ، وقطع الأرحام .

قوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات } يعني : ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام .

قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } يعني : الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، والزنا وغيرها من المحرمات .

قوله تعالى : { ويضع عنهم إصرهم } ، قرأ ابن عامر ( آصارهم ) بالجمع ، والإصر : كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل ، قال ابن عباس ، والحسن ، والضحاك ، والسدي ، ومجاهد ، يعني العهد الثقيل ، كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة . وقال قتادة : يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين .

قوله تعالى : { والأغلال } ، يعني : الأثقال .

قوله تعالى : { التي كانت عليهم } ، وذلك مثل : قتل النفس في التوراة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض ، وتعيين القصاص في القتل ، وتحريم أخذ الدية ، وترك العمل في السبت ، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس ، وغير ذلك من الشدائد ، شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق .

قوله تعالى : { فالذين آمنوا به } ، أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى : { وعزروه } . وقروه .

قوله تعالى : { ونصروه } على الأعداء .

قوله تعالى : { واتبعوا النور الذي أنزل معه } . يعني : القرآن .

قوله تعالى : { أولئك هم المفلحون } .