تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (57)

المفردات :

بشرا : مبشرات برحمته وهي الغيث .

أقلت سحابا : حملته ورفعته .

ثقالا : مثقلة بحمل الماء .

لبلد ميت : مجدب لا ماء فيه ولا نبات .

التفسير :

57- وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء . . . الآية .

بشرا : أي : مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق .

بين يدي رحمته : أي : أن الرياح تتقدم نزول المطر وهو رحمة .

سحابا ثقالا . غيما حافلا بالمطر .

والمعنى : أن الله تعالى ينعم على عباده بالعديد من النعم ، وهو الذي يرسل الرياح مبشرات بنزول الغيث والمطر ، حتى إذا حملت الرياح سحابا قد ثقلت بالماء الذي تحمله ، ساق الله ذلك السحاب إلى بلد مجدب لا نبات فيه ولا مرعى ، فأنزل الماء بذلك البلد .

فأخرجنا به من كل الثمرات .

فأخرج الله بهذا الماء من جميع الثمار التي تناسب تربة البلد الذي نزل به على حسب مشيئة الله وفضله وإحسانه .

كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون .

أي : مثل إخراج الثمرات نخرج الموتى من القبور يوم حشرهم ، فالتشبيه في مطلق الإخراج من العدم بدليل ملزم .

فحيث أمكن بقدرة الله تعالى إخراج الثمر على تلك الصورة العجيبة ، فما الذي يعجزه عن إخراج الموتى من قبورهم .

لعلكم تذكرون . تذييل قصد به الحث على التدبر والتفكر .

أي : لعلكم تعتبرون بما وصفنا لكم ، فتعلمون قدرة الله وبديع صنعته وأنه قادر على بعثكم .

يقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن :

( في الآية الكريمة عرض لمظهر من مظاهر قدرة الله ، وما تحمل هذه الفقرة إلى الناس من رحمة .

فهذه الرياح ، يرسلها رسل رحمة إلى الناس ، حيث تحمل السحاب مثقلا بالماء ، فتسوقه إلى الأرض الجديب ، والبلد الميت ، ثم تنزل ما حملت من ماء ، فتسيل به الوديان ، وتجري منه العيون ، وإذا هذا الجدب ، وذلك الموات ، حياة تدب في أوصال الكائنات ، من جماد ونبات وحيوان ، تلك بعض مظاهر القدرة القادرة ، تلبس الجماد ثوب الحياة ، وتخرج من الأرض الجديب زروعا ناضرة ، وثمارا دانية القطوف ، مختلفة الطعوم .

فهل تعجز هذه القدرة ، عن إحياء الموتى ، ونشر الهامدين من القبور ؟ ذلك ما لا يقول به عاقل . . . ) ( 62 ) .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (57)

قوله تعالى : { وهو الذي يرسل الرياح بشرًا } قرأ بالباء وضمها ، وسكون الشين هاهنا وفي الفرقان ، وسورة النمل ، ويعني : أنها تبشر بالمطر بدليل قوله تعالى : { الرياح مبشرات } [ الروم :46 ] وقرأ حمزة والكسائي ( نشرًا ) بالنون وفتحها ، وهي الريح الطيبة اللينة ، قال الله تعالى : { والناشرات نشرًا } [ المرسلات :3 ] وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين ، وقرأ الآخرون بضم النون والشين ، جمع نشور ، مثل صبور وصبر ، ورسول ورسل ، أي متفرقة وهي الرياح التي تهب من كل ناحية .

قوله تعالى : { بين يدي رحمته } أي : قدام المطر .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، أنبأنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا الثقة عن الزهري ، عن ثابت بن قيس عن أبي هريرة قال : أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر حاج ، فاشتدت ، فقال عمر رضي الله عنه لمن حوله : ما بلغكم في الريح ؟ فلم يرجعوا إليه شيئًا ، فبلغني الذي سأل عمر عنه من أمر الريح ، فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر رضي الله عنه وكنت في مؤخر الناس ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أخبرت أنك سألت عن الريح ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها ، وسلوا الله من خيرها ، وتعوذوا به من شرها ) . ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بإسناده .

قوله تعالى : { حتى إذا أقلت } حملت الرياح .

قوله تعالى : { سحابًا ثقالاً } بالمطر .

قوله تعالى : { سقناه } ورد الكناية إلى السحاب .

قوله تعالى : { لبلد ميت } أي : إلى بلد ميت محتاج إلى الماء ، وقيل : معناه لإحياء بلد ميت لا نبات فيه .

قوله تعالى : { فأنزلنا به } أي : بالسحاب . وقيل : بذلك البلد .

قوله تعالى : { الماء } يعني من المطر .

قوله تعالى : { فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى } ، واستدل بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى .

قوله تعالى : { لعلكم تذكرون } قال أبو هريرة وابن عباس : إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله عليهم مطرًا كمني الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان ، فينبتون في قبورهم نبات الزرع ، حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ، ثم يلقي عليهم النوم فينامون في قبورهم ، ثم يحشرون في بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم ، فعند ذلك يقولون : { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } [ يس :52 ] .