الذي عنده علم : سليمان ، أو آصف بن برخيا وزير سليمان ، وقيل : الخضر ، وقيل : ملك أيده الله به .
الطرف : تحريك الأجفان ، والمراد بذلك : السرعة العظيمة .
مستقرا : ساكنا قارا على حاله التي كان عليها .
أم أكفر : أقصر في أداء واجب الشكر .
40-{ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك . . } الآية .
أي : قال شخص عنده علم بأسرار الكتاب الإلهي ، والتشريع وألوان الهدايات : أنا أحضره لك في لمح البصر ، قبل أن تغمض عينيك ، وقبل أن يرجع إليك نظرك ، وهذا العالم ، قيل : كان من الملائكة ، إما جبريل وإما غيره من الملائكة ، أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام ، وقيل : كان من الإنس ، وهو آصف بن برخيا وزير سليمان ، وهو المشهور من قول ابن عباس ، وكان يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجيب ، وقيل : يا حيّ يا قيوم ، هو الاسم الأعظم ، وقيل : الذي عنده علم من الكتاب هو الخضر عليه السلام .
والراجح في رأي الرازي أنه سليمان عليه السلام : لأنه أعرف بالكتاب من غيره ، لأنه هو النبي .
وقال أبو حيان : ومن أغرب الأقوال : أنه سليمان عليه السلام ، كأنه يقول لنفسه : أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك ، والمهم أنه حدث ما وعد به هذا العالم ، والله أعلم به ، والأوفق أن يقال : عبد صالح عالم بكتاب الله وشرائعه ، أو أسرار أسمائه الحسنى ، أحضر العرش في طرفة عين ، وكان ما عنده من علم بالكتاب باعثا له على الترقي الروحي والسمو النفسي ، واستخدام ما وهبه الله من قوى وأسرار .
{ فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر . . }
لمست هذه النعمة قلب سليمان ، حين رأى العرش مستقرا وموجودا في مكان يجاوره ، في سرعة لمح البصر ، فأرجع النعمة إلى المنعم ، وقال : هذا من فضل الله ومعونته ، ليختبرني هل أشكر النعمة فأنسبها إلى صاحبها وهو الله ، أم أجحد وأقول إن ذلك بحسن تقديري وقدرتي .
{ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم } .
من شكر الله تعالى فإن الله يزيده من نعمائه ، ويعطيه المعونة والتوفيق والبركة ، ومن كفر فإن الله غني عنه ، كريم متفضل يعطي العباد ولا ينتظر الجزاء .
قال تعالى : { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } [ فاطر : 15 ] .
وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل : " يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ؛ فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " .
ولما كانت القصة لإظهار فضل العلم المستلزم للحكمة ، دلالة على أنه تعالى حكيم عليم ، ترغيباً في القرآن ، وحثاً على ما أفاده من البيان ، قال حاكياً لذلك استئنافاً جواباً لاستشرافه صلى الله عليه وسلم لأقرب من ذلك : { قال الذي عنده } .
ولما كان لكتب الله من العظمة ما لا يحيطه إلا الله ، اشار إلى ذلك بتنكير ما لهذا الذي يفعل مثل هذا الخارق العظيم من ذلك فقال : { علم } تنبيهاً على أنه اقتدر على ذلك بقوة العلم ليفيد ذلك تعظيم العلم والحث على تعلمه ، وبين أن هذا الفضل إنما هو للعلم الشرعي فقال : { من الكتاب } أي الذي لا كتاب في الحقيقة غيره ، وهو المنسوب إلينا ، وكأنه الذي كان شهيراً في ذلك الزمان ، ولعله التوراة والزبور ، إشارة إلى أن من خدم كتاباً حق الخدمة كان الله - تعالى كما ورد في شرعنا - سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، أي إنه يفعل له ما يشاء ، وقيل في تعيينه إنه آصف بن برخيا وكان صديقاً عالماً : { أنا آتيك به } وهذا أظهر في كونه اسم فاعل لأن الفعل قارن الكلام ؛ وبين فضله على العفريت بقوله : { قبل أن يرتد } أي يرجع { إليك طرفك } أي بصرك إذا طرفت بأجفانك فأرسلته إلى منتهاه ثم رددته ؛ قال القزاز : طرف العين : امتداد بصرها حيث أدرك ، ولذلك يقولون : لا أفعل ذلك ما ارتد إليّ طرفي ، أي ما دمت أبصر ، ويقال : طرف الرجل يطرف - إذا حرك جفونه ، وقيل : الطرف اسم لجامع البصر لا يثنى ولا يجمع . وبين تصديق فعله لقوله أنه استولىعليه قبل أن يتحكم منه العفريت فبادر الطرف إحضاره كما أشار إليه قوله تعالى : { فلما رآه } أي العرش .
ولما كانت الرؤية قد تكون عن بعد ومجازية ، وكذلك العندية ، بين أنها حقيقية بإظهار العامل في الظرف ومن حقه في غير هذا السياق الحذف فقال : { مستقراً عنده } أي ثابتاً ثباتاً لا مرية فيه ، ما هو بسحر ولا منام لا مثال ؛ قال الإمام جمال الدين بن هشام في الباب الثالث من كتابه المغني : زعم ابن عطية أن { مستقراً } هو المتعلق الذي يقدر في أمثاله قد ظهر ، والصواب ما قاله أبو البقاء وغيره من أن هذا الاستقرار معناه عدم التحرك لا مطلق الوجود والحصول ، فهو كون خاص . { قال } أي سليمان عليه السلام شكراً لما آتاه الله من هذه الخوارق : { هذا } أي الإتيان المحقق { من فضل ربي } أي المحسن إليّ ، لا بعمل أستحق به شيئاً ، فإنه أحسن إليّ بإخراجي من العدم وتطويقي للعمل ، فكل عمل نعمة منه يستوجب عليّ به الشكر ، ولذلك قال : { ليبلوني } أي يفعل معي فعل المبتلي الناظر { ءأشكر } فأعترف بكونه فضلاً { أم أكفر } بظن أني أوتيته باستحقاق . ثم زاد في حث نفسه على الشكر بقوله : { ومن شكر } أي أوقع الشكر لربه { فإنما يشكر لنفسه } فإن نفعه لها ، وأما الله تعالى فهو أعلى من أن يكون له في شيء نفع أو عليه فيه ضر { ومن كفر فإن ربي } أي المحسن إليّ بتوفيقي لما أنا فيه من الشكر { غني } أي عن شكر ، لا يضره تركه شيئاً { كريم* } يفعل معه بإدرار النعم عليه فعل من أظهر محاسنه وستر مساوئه ، ثم هو جدير بأن يقطع إحسانه إن استمر على إجرامه كما يفعل الغني بمن أصر على كفر إحسانه فإذا هو قد هلك .
قوله : { قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } الذي عنده علم الكتاب رجل صالح من بني إسرائيل كان وزيرا لسليمان وكان تقيا صديقا وذا علم بالكتاب المنزل من عند الله . فقد قال سليمان { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } يعني آتيك بعرش بلقيس في مقدار ما تفتح فيه عينك ثم تطرفها ، أي في لحظة عين . والطرف : تحريك الأجفان عند النظر . ولا عجب فهذه معجزة من الله تشهد بصدق نبوة سليمان وأنه رسول رب العالمين ، أما في حق الرجل الصالح الذي جاء بعرشها في طرفة عين ، فهذه كرامة من الكرامات يؤتيها الله أولياءه الصالحين من عباده المؤمنين .
قوله : { فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي } لما رأى سليمان عرش بلقيس ثابتا بين يديه هتف شاكرا محبورا من أمر الله وفضله عليه وهو قوله : { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي } أي هذا العطاء والتوفيق والتمكين مما أنعم به ربي علي { لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } أي ليمتحنني ربي أأشكر نعمته علي أم أجحدها .
قوله : { وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } أي من شكر الله على ما تفضل به وأنعم فذكر ذلك لله مقرا معترفا بمنه وكرمه فإنما ينفع بهذا الشكران نفسه ، والله جل وعلا يزيد الشاكرين خيرا منه وفضلا .
قوله : { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } الله غني عن العالمين فلا يعبأ بهم وبكفرهم ، وهو سبحانه كريم في نفسه سواء شكره العباد أو كفروه{[3439]} .