تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ} (58)

المفردات :

تخافن من قوم خيانة : أي : تتوقع من قوم خيانة بنقض العهد ونكثه .

فانبذ إليهم على سواء : فاطرح إليهم عهدهم على طريق سوى من العدل بأن تخبرهم بذلك .

58 – { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ } .

أي : إن توقعت من قوم معاهدين الخيانة ، وغلب ذلك على ظنك ، بأمارات غالبة ، بنقض العهد الذي بينك وبينهم .

{ فانبذ إليهم على سواء } .

فاطرح إليهم عهدهم ، وأعلمهم بذلك وأنه لا عهد بعد اليوم ، ولتكن أنت وهم في ذلك العلم وطرح العهد على سواء ، فتكون أنت وهم متساوين في العلم بنقض العهد ، وبأنك حرب لهم ، وهم حرب لك .

أي : قيام حالة الحرب ؛ لئلا يتهموك بالغدر إن أخذتهم بغتة . والنبذ لغة : الرمي والرفض ، والسواء : المساواة والاعتدال .

{ إن الله لا يحب الخائنين } .

إن الله يكره الخيانة ، ويعاقب عليها ، حتى ولو حتى ولو في حق الكفار ، فلا يك منك إخفاء نكث العهد .

من تفسير ابن كثير

أورد الإمام ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية ، تحث على الوفاء وتحرم الغدر ، وتدعو إلى أداء الأمانة إلى أهلها ؛ سواء أكان صاحبها مسلما أم كافرا .

قال الإمام أحمد : عن شعبة عن سليم بن عامر قال : كان معاوية يسير في أرض الروم ، وكان بينه وبينهم أمد ، فأراد أن يدنو منهم ، فإذا انقضى المد غزاهم ، فإذا غزاهم ، فإذا شيخ على دابة يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، وفاء لا غدرا ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كان بينه وبين قوم عهدا فلا يحلن عقدة ولا يشدها ، حتى ينقضي أمدها ، أو ينبذ إليهم على سواء ، مبلغ ذلك معاوية فرجع ، فإذا بالشيخ عمرو بن عبسة رضي الله عنهxlviii .

وروى البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

" ثلاثة : المسلم والكافر فيهن سواء :

من عاهدته فوفّ بعهده مسلما كان أو كافرا ؛ فإنما العهد لله ، ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها ، مسلما كان أو كافرا ، ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه ، مسلما كان أو كافرا " xlix .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ} (58)

ولما أمره بما يفعل تحقق نقضه ، أرشده إلى ما يفعل بمن خاف غدره فقال : { وإما تخافن } وأكده إشارة إلى{[35202]} ظهور القرائن ووضوح الأمارت { من قوم } أي ذوي قوة ، بينك وبينهم عهد { خيانة } أي في ذلك العهد { فانبذ } أي اطرح طرح مستهين محتقر { إليهم } أي ذلك العهد نبذاً كائناً { على سواء } أي أمر مستوٍ في العلم بزواله بينكم وبينهم وعدل ونصفه ولا تناجزوهم{[35203]} وهم على توهم من بقاء العهد ، وهذا{[35204]} إشارة إلى أن يكونوا على غاية الحذر والفحص عن{[35205]} أخبار العدو بحيث لا يتركونه إلى أن ينقض ثم يعلمون ميله إلى النقض فينبذون إليه عهده لأن ذلك أردع له{[35206]} ، فهو أدعى إلى السلم ؛ ثم علل جواز النبذ ووجوب النصفة بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { لا يحب الخائنين* } أي لا يفعل بهم فعل المحب لا منكم ولا من غيركم .


[35202]:سقط من ظ.
[35203]:من ظ، وفي الأصل: لا يتاجزوهم ـ كذا.
[35204]:في ظ: هذه.
[35205]:في ظ: على.
[35206]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ} (58)

قوله تعالى : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يجب الخائنين 58 ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون } تأويل هذه الآية : أنك إن خشيت يا محمد من عدو لك بينك وبينه عهد أن ينكث عهده وينقص ميثاقه فيغدر بك غدرا وخيانة { فانبذ إلهم على سواء } أي فناجزهم بالحرب ، وأعلمهم قبل أن تقاتلهم أنك قد فسخت ما بينك وبينهم من عهد أو ميثاق لما ظهر منهم من أمارات الغدو والخيانة تلوح لك ؛ وذلك حتى تصير أنت وإياهم على سواء في العلم بأنك محار بلهم ، فتبرأ من التلبس بالخيانة أو الغدر { إن الله لا يحب الخاسرين } .

وبعبارة أخرى : فإنه إذا خيف من العدو أن ينقض عهده مع المسلمين لما تبدي من آثار الغش والغدر وعلائم النكث والغدر ، جاز المسلمين أن ينبذوا إليهم عهدهم ؛ أي يطرحوه لهم . وذلك أن يخبروهم إخبارا مكشوفا جليل أنهم قطعوا ما بينهم وبينهم من عهد ، حتى يستووا جميعا في العلم بانقطاع العهد بينهم ، وأنهم كلهم باتوا الآن في احتراب فيما بينهم . لا جرم أن هذه ظاهرة بلجة من ظواهر العدل المطلق الذي يتجلى في هذا الدين العظيم . الذين الذي يأبى الغدر أو الغش أو الخيانة في كل الأحوال والظروف حتى في زمن الحرب ، حيث المخاطر والأهوال والأحوال العصيبة الرهيبة التي تحدق بالمسلمين والتي يشتد فيها الحذر والوجل . فإن الإسلام بالرغم من ذلك كله يندد بالغدر والخيانة في كل الأحوال والوجوه ، سواء في السلم أو الحرب . في مقابلة المسلمين أو الكافرين وهو كذلك يأمر أمرا جازما بدوام التلبس بفضائل الخلق الكريم وروائع القيم الرقية كالصدق والوفاء والحياء والمروءة وغير ذلك من وجوه الخلق الرفيع الذي لا يتجلى بمثل هذا القدر المطلق البالغ إلا في الإسلام .