{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ 119 }
الصدق طريق النجاة في الدنيا والآخرة ، وقد كان صدق هؤلاء الثلاثة في توبتهم طريقا إلى قبول الله لتوبتهم وفي تعقيب هذه الآية على قبول توبة التائبين تقول :
119 { يا أيها الذين آمنوا بالله } ورسوله ، { اتقوا الله } بامتثال أمره واجتناب ما نهى عنه .
{ وكونوا مع الصادقين } . المجاهدين المخلصين في جهادهم إذا جاهدوا ، و في عهودهم إذا عاهدوا ، وفي أقوالهم ووعودهم إذا حدثوا ووعدوا ، وفي توبتهم إذا أذنبوا أو قصروا .
وقد ورد في القرآن والسنة الصحيحة مدح الصدق ؛ لأنه سلاح المؤمن وتاج الإنسان ، ومبعث إلى الثقة والاحترام بين الناس . كما حذر الإسلام من الكذب فهو صفة المنافقين ، ودليل ضعف الشخصية وغضب الله على الإنسان .
أخرج البيهقي ومسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عليكم بالصدق ؛ فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى حتى يكتب عند الله كذابا )156 .
ولما كان الذي نالوا به الإقبال من مولاهم عليهم - مما وصفهم به من الضيق وما معه{[37363]} - هو التقوى والصدق في الإيمان كما كان ما يجده{[37364]} الإنسان في نفسه مما الموت عنده والقذف في النار أحب إليه من التلفظ به صريح الإيمان بشهادة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، رغب سبحانه في الصدق فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك { اتقوا الله } أي خافوا سطوة من له العظمة الكاملة تصديقاً لدعواكم فلا تفعلوا إلا ما يرضيه { وكونوا } أي كوناً صادقاً بجميع الطبع والجبلة { مع الصادقين* } أي في كل أمر يطلب منهم{[37365]} ، ولعله أخرج الأمر مخرج العموم ليشمل كل مؤمن ، فمن كان مقصراً كانت آمرة له باللحاق ، ومن كان مسابقاً{[37366]} كانت حاثة له على حفظ مقام الاستباق ، ولعله عبر ب { مع } ليشمل أدنى الدرجات ، وهو الكون بالجثت ، وقد روى البخاري توبة كعب أحد هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم في مواضع من صحيحه منها التفسير ، وكذا رواه غيره عن كعب نفسه رضي الله عنه " أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط غير غزوتين : غزوة العسرة{[37367]} - يعني هذه - وغزوة بدر ، وأن تخلفه ببدر إنما كان لأن النبي صلى الله عليه وسلم{[37368]} لم يندب الناس إليها {[37369]}ولا حثهم عليها{[37370]} لأنه ما خرج أولاً إلا لأجل العير ، قال{[37371]} : فأجمعت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قل ما يقدم من سفر سافره إلا ضحى ، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي - يعني مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي - ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا ، فاجتنب{[37372]} الناس كلامنا فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر ، وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي عليّ النبي صلى الله عليه وسلم أو يموت النبي صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ ، فأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة رضي الله عنها ، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية{[37373]} في أمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ياأم سلمة ! تيب على كعب ، قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره ؟ قال : إذن يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليلةحتى إذا صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا{[37374]} ، وكان إذا استبشر استنار{[37375]} وجهه حتى كأنه{[37376]} قطعة من القمر ، وكنا - أيها الثلاثة الذين خلفوا - خلفنا عن الأمر الذي قبل من هؤلاء الذين اعتذروا حين أنزل الله لنا التوبة ، فلما ذكر الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المتخلفين واعتذروا بالباطل ذكروا بشر{[37377]} ما ذكر به أحد ، قال الله عز وجل { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } " .
قوله : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } بعد ذكر الثلاثة الذين صدقوا الله فنفعهم صدقهم وثباتهم على دينهم وإيمانهم –يأتي هذه الجملة معترضة لتنبيه على درجة الصدق في ميزان الله . لا جرم أنها درجة رفيعة وعظيمة يجلها الله إجلال ويكرم بها الصادقين من المؤمنين .
وبذلك يأمر الله في الآية عباده المؤمنين أن يكونوا كهؤلاء الثلاثة في صدقهم وثباتهم وخلوص نياتهم ، وقيل : أن يكونوا كالذين صدقوا في دين الله قولا وعملا{[1921]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.