{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 65 أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ 66 }
65 { وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا . . . } الآية .
كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية قومه ، وكان الحزن يشتد عليه بسبب تكذيبهم وإيذائهم له ، وكان القرآن يمسح آلامه ويدعوه إلى التسرية وانشراح الصدر .
قال تعالى : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بها الحديث أسفا } . ( الكهف : 6 ) .
قال تعالى : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . ( الأنعام : 33 ) .
وفي هذه الآية يقول الله تعالى : { ولا يحزنك قولهم } .
لا يشتد حزنك من قولهم : إن محمدا ساحر أو كاهن أو شاعر أو كذاب ، أو ينقل أساطير الأولين . و النهي عن الحزن وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه ، والمراد به هنا : النهي عن لوازمه كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ، وتعظيم أمرها ، وبذلك تتحدد الآلام ويصعب نسيانها .
إن القوة الكاملة ، والقدرة الكامنة ، والخلق الأمر بيد الله وحده ، لا راد لأمره ولا معقب لقضائه ؛ فالخلق جميعا في قبضته ، والملك كله في يده ، وهؤلاء المشركون لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ؛ فهم مخلوقون مربوبون خاضعون لقدرة الله .
قال تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } . ( آل عمران : 26 ) .
وعزة المؤمنين مستمدة من عزة الله ، فهم في طاعته و كنفه وهو يفيض عليهم من فضله ونعمه .
قال تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين . . . } . ( المنافقون : 8 ) ، فلا تعارض بين هذه الآية والآية التي معنا ؛ فإن العزة جميعا لله سبحانه ، كما قال عز شأنه : { أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا } . ( النساء : 139 ) .
وقال عز شأنه : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } . ( الصافات : 180 ) .
قال الشوكاني في تفسير هذه الآية :
أي : إن الغلبة والقهر له في مملكته وسلطانه ، فكيف يقدرون عليك حتى تحزن لأقوالهم .
فهو السميع لكل مسموع ، العليم بهم وبجميع من في الكون ؛ فينصرك عليهم ويحقق لك الغلبة ، وقد تحقق وعد الله لرسوله ؛ فتم له النصر والفتح ، وذلك من المبشرات التي عجلها الله لرسوله في الدنيا .
ولما تقدمت البشرى بنفي الخوف والحزن معاً{[38188]} عن الأولياء ، علم أن المعنى : هذه{[38189]} البشرى للأولياء وأنت رأسهم فلا تخف ، فعطف عليه قوله : { ولا يحزنك قولهم{[38190]} } أي{[38191]} في نحو قولهم : إنهم يغلبون{[38192]} ، وفي تكذيبك والاستهزاء بك وتهديدك ، فإن ذلك قول يراد به تبديل كلمات الله الغني القدير ، وهيهات ذلك من الضعيف الفقير فكيف بالعلي الكبير ! وإلى هذا يرشد التعليل لهذا{[38193]} النهي بقوله : { إن العزة } أي الغلبة والقهر وتمام العظمة { لله } أي الملك الأعلى حال كونها { جميعاً } أي فسيذلهم ويعز دينه ، والمراد بذلك التسلية عن قولهم الذي يؤذونه به .
ولما بدئت الآية بقولهم ، ختمها بالسمع له والعلم به وقصرهما عليه لأن صفات كل موصوف متلاشية بالنسبة إلى صفاته فقال : { هو } أي وحده { السميع } أي البليغ السميع لأقوالهم { العليم } أي المحيط العلم بضمائرهم وجميع أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء فيجازيهم بما تقتضيه ، وهو تعليل لتفرده{[38194]} بالعزة لأنه تفرد بهذين الوصفين فانتفيا عن غيره ، ومن انتفيا عنه كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون{[38195]} له عزة ! والعزة : قدرة على كل جبار بما لا يرام ولا يضام ، والمعنى أنه يعزك على من ناواك ، والنهي في { ولا يحزنك } في اللفظ للقول وفي المعنى للسبب المؤدي إلى التأذي بالقول ، وكسرت " إن " هاهنا للاستئناف بالتذكير{[38196]} بما ينفي الحزن ، لا لأنها بعد القول لأنها ليست حكاية عنهم ، وقرىء بفتحها على معنى " لأن " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.