تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ} (12)

{ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وضائق بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ 12 أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 13 فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ 14 } .

المفردات :

فلعلك : هنا للاستفهام الإنكاري الذي يراد به النفي أو النهي أي : لا تترك .

تارك بعض ما يوحى إليك : فلا تبلغهم إياه ، وهو ما يخالف رأي المشركين ؛ مخافة ردهم واستهزائهم .

وضائق به صدرك : وعارض لك ضيق الصدر .

أن يقولوا : كراهة أن يقولوا .

لولا أنزل عليه كنز : أي : هلا صحبه كنز ينفقه ؛ لكسب الأتباع كالملوك ، والكنز : المال الحاصل بغير كسب .

أو جاء معه ملك : يصدقه كما اقترحنا .

إنما أنت نذير : ليس عليك إلا الإنذار والتخويف من العاقبة لا الإتيان بما اقترحوه .

12

التفسير :

12 { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وضائق بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ . . . } الآية .

أي : لعلك أيها الرسول تارك بعض ما يوحى إليك أحيانا أن تلقيه إليهم ، وتبلغه إياهم ؛ مخافة ردهم له وتهاونهم به ، كسب آلهتهم ، وأمرهم بالإيمان بالله وحده .

أي : لا يمكن منك ذلك ، بل تبلغهم جميع ما أنزل إليك ، أحبوا ذلك أم كرهوا ، ولا يضق صدرك بأقوالهم الذميمة ، بل واصل دعوتك ، وبلغ رسالة الحق ، وفي هذا المعنى قال تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } . ( الحجر : 97 ) .

{ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنز } .

أي : لا تتضايق لأجل أن يقولوا : هلا أنزل عليه كنز من عند ربه يغنيه عن التجارة والكسب ، ويدل على صدقه .

{ أو جاء معه ملك } . أي : ينزل عليه ملك من السماء يؤيد دعوته .

وهذا التحذير من الله ؛ لا يستلزم وقوع مثله من الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه ثبت : أن الله عصم رسوله صلى الله عليه وسلم من الخيانة ، أو الامتناع عن تبليغ وحي السماء .

جاء في تفسير أبي السعود :

فكأنه صلى الله عليه وسلم لما عاين اجتراءهم على اقتراح مثل هذه العظائم ، غير قانعين بالبينات الباهرة ، مثل حاله بحال من يتوقع منه أن يضيق صدره ؛ بتلاوة تلك الآيات الساطعة عليهم ، وتبليغها إليهم ، فحمل على الحذر بما في لعل من الإشفاق ا ه .

{ إنما أنت نذير } .

أي : ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك ، غير مبال بما يقولون ، ولا بما يقترحون ؛ ولك أسوة في الرسل من قبلك ؛ حيث كذبوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل .

{ والله على كل شيء وكيل } . أي : والله هو الرقيب على عباده الحفيظ للأمور ، وهو سبحانه سيجازيهم الجزاء الأوفى .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ} (12)

ولما استثنى سبحانه من الجارين مع الطبع الطائشين {[38904]}في الهوى{[38905]} من تحلى برزانة{[38906]} الصبر الناشىء عن وقار العلم المثمر لصالح العمل ، وكان صلى الله عليه وسلم رأس الصابرين ، وكان ما مضى من أقوالهم وأفعالهم مثل قولهم { ما يحبسه } وتثنيهم صدورهم أسباباً لضيق صدره صلى الله عليه وسلم ، فربما كانت مظنة لرجائهم تركه صلى الله عليه وسلم بعض ما يوحى إليه من عيب آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه أحلامهم ، وغير ذلك مما يشق عليهم طمعاً في إقبالهم أو خوفاً من إدبارهم فإنهم كانوا يقولون : ما نراه يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكرنا به من الشر ، قال تعالى مسبباً عن ذلك ناهياً في{[38907]} صيغة الخبر : { فلعلك تارك{[38908]} } أي إشفاقاً أو طمعاً { بعض ما } ولما كان الموحى قد صار معلوماً لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول قوله : { يوحى إليك } كالإنذار وتسفيه أحلام آبائهم { وضآئق به } أي بذلك البعض { صدرك } مخافة ردهم له{[38909]} إذا بلغته لهم ؛ ثم {[38910]}علل ذلك{[38911]} بقوله : { أن } أي مخافة أو لأجل أن { يقولوا } تعنتاً ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين لكفتهم آية واحدة { لولا } أي هلا ولم لا { أنزل عليه كنز } يستغني به ويتفرغ لما يريد ، وبنوه للمفعول لأن المقصود مطلق حصوله{[38912]} وكانوا يتهاونون بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى فكانوا لا يعدونه آية عناداً ومكابرة { أو جاء معه ملك } أي ليؤيد{[38913]} كلامه وليشهد{[38914]} له ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بمثل أقوالهم هذه ويثقل عليه أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه فحركه الله بهذا لأداء الرسالة كائناً فيها ما كان ، فكان المعنى : فإذا تقرر أن الإنسان مطبوع على نحو هذا من {[38915]}التقلبات ، فلا تكن{[38916]} موضع رجائهم في أن تكون{[38917]} تاركاً ما يغيظهم مما نأمرك{[38918]} به ، بل كن{[38919]} من الصابرين ؛ قال أهل السير : فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه{[38920]} قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها ، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه إلا من عصمه{[38921]} الله ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا .

ولما أفهم هذا{[38922]} السياق الإنكار لما يفتر عن الإنذار ، كان كأنه قيل له{[38923]} : هذا{[38924]} الرجاء المرجو منكر{[38925]} ، والمقصود الأعظم من الرسالة النذارة لأنها هي الشاقة على النفوس ، وأما البشارة{[38926]} فكل من قام يقدر على إبلاغها فلذا قال : { إنما أنت نذير } فبلغهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا يهمنك فليس عليك إلا البلاغ{[38927]} وما أنت عليهم بوكيل تتوصل{[38928]} إلى ردهم إلى الطاعة بالقهر{[38929]} والغلبة بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء{[38930]} { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة .

ولما كان السياق لإحاطته سبحانه ، قدم قوله : { على كل شيء } منهم ومن غيرهم ومن قبولهم وردهم ومن حفظك منهم ومن غيره { وكيل* } فهو يدبر الأمور على ما يعلمه من الحكم ، فإن شاء جاء بما سألوا وإن لم يشأ لم يأت به ولا اعتراض عليه{[38931]} فتوكل عليه في كل أمر وإن صعب ، ولعله اقتصر على النذارة لأن المقام يقتضيها من أجل أنهم أهل لها{[38932]} وأنها هي التي يطمعون في تركها بإطماعهم في المؤالفة بالإعراض عما يوجب المخالفة ؛ والصدر : مسكن القلب ، يشبه به رئيس القوم والعالي المجلس لشرف منزلته على غيره من الناس ؛ والكنز : المدفون ، وقد صار في الدين صفة{[38933]} ذم لكل مال{[38934]} لم يخرج منه الواجب من الزكاة وإن لم يكن مدفوناً ، والآية من الاحتباك : نفي أولاً قدرته صلى الله عليه وسلم على الإتيان بما سألوا دليلاً على قدرة مرسله على ذلك وغيره ثانياً . وأثبت الوكالة ثانياً دليلاً على نفيها أولاً{[38935]} .


[38904]:في ظ: بالهوى.
[38905]:في ظ: بالهوى.
[38906]:من ظ، وفي الأصل: برازته.
[38907]:في ظ: عن.
[38908]:في ظ: باخع.
[38909]:في ظ: به.
[38910]:في ظ: عللوا.
[38911]:في ظ: عللوا.
[38912]:زيد من ظ.
[38913]:من ظ، وفي الأصل: ليوثر.
[38914]:في ظ: يشهد.
[38915]:في ظ: التقلبات فلا يكن.
[38916]:في ظ: التقلبات فلا يكن.
[38917]:من ظ، وفي الأصل: يكون.
[38918]:من ظ، وفي الأصل: يأمرك.
[38919]:زيد من ظ.
[38920]:زيد من ظ.
[38921]:في ظ: عصم.
[38922]:سقط من ظ.
[38923]:زيد من ظ.
[38924]:سقط من ظ.
[38925]:في ظ: منكم.
[38926]:من ظ، وفي الأصل: النذارة.
[38927]:زيد من ظ.
[38928]:من ظ، وفي الأصل: يتوسل.
[38929]:في ظ: والقهر.
[38930]:من ظ والقرآن الكريم، وليس في الأصل.
[38931]:زيد من ظ.
[38932]:في ظ: إنما.
[38933]:من ظ، وفي الأصل: صنعة.
[38934]:في ظ: ما.
[38935]:زيد من ظ.