تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ} (91)

90

المفردات :

العهد : كل ما يلتزم به الإنسان باختياره ، والوفاء بالعهد لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ، ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة ، ويدخل فيه الوعد .

توكيدها : توثيقها وتغليظها .

نقض اليمين : الحنث فيها .

كفيلا : شاهدا ورقيبا .

{ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون } .

تدعو هذه الآية إلى : الوفاء بالعهود ، وعدم الحنث في الأيمان ، وهي في جملتها داخلة في الآية السابقة ، لكن القرآن أفرد الوفاء بالعهد نصا في آية مستقلة ؛ لما له من أهمية في حياة الفرد والمجتمع ، فإذا حافظ الفرد والمجتمع على العهود والمواثيق ؛ أدى ذلك إلى الأمن والأمان ، ونعم الناس بالهدوء والاطمئنان .

أخرج ابن جرير في أسباب نزول الآية : أن الآية نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ، كان من أسلم يبايع على الإسلام فقال تعالى : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } .

فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه ، وكثرة المشركين ، أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام ، وإن كان في المسلمين قلة وفي المشركين كثرة .

ومعنى الآية :

أوفوا بالعهد والميثاق ، الذي أوجبتموه على أنفسكم ، حقا لمن عاهدتموه وواثقتموه عليه ، ويدخل في ذلك كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره ، والوعد من العهد .

قال ميمون بن مهران :

من عاهدته وفّ بعهده ، مسلما كان أو كافرا ، فإنما العهد لله تعالى .

{ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } .

لا يليق بالرجل أن يخلف وعده أو يحنث في عهده ، وكانوا يوثقون عهدهم بالأيام ، وإشهاد الله تعالى ، فأمرهم الله ألا يفكوا ارتباطاتهم ، وألا يحنثوا في أيمانها ، وقد أشهدتم الله على أيمانكم ، وجعلتموه راعيا وكفيلا يرعى الموفى للعهد بالخير ، والناقض له بالجزاء والعقاب .

{ إن الله يعلم ما تفعلون } .

فهو سبحانه يشاهد عقودكم وعهودكم وأفعالكم ، سيجازيكم ويكافئكم على الوفاء ، ويعاقبكم على الحنث في الأيمان وعلى نقض العهود ، وقد أكد القرآن الكريم والسنة الصحيحة : احترام العهود والوفاء بها .

قال تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } ( الفتح : 10 ) .

وقال تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } ( الفتح : 18 ) .

وقال تعالى : { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا }( الإسراء : 34 ) .

وقال سبحانه : { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون } ( البقرة : 40 ) .

وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ) ، ولا تعارض بين هذه الآية وبين ما ورد في الصحيحين من أن : " من حلف على يمين ورأى غيرها خير منها ؛ فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " 58 .

فالآية تتحدث عن الوفاء بوجه عام ، وتأمر بالالتزام بالأيمان والبر بها بين الأفراد والجماعات ، والحديث يتحدث عن إنسان يقسم على شيء ثم يرى غيره خيرا منه ، فالآية عامة في نهيها عن نقض الأيمان ، والسنة الصحيحة خصصت هذا النعيم ، وأباحت النقض إذا كان اليمين مانعا عن عمل خير ، ويؤيد هذا التخصيص قوله تعالى : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس . . . } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ} (91)

ولما تقررت هذه الجمل التي جمعت - بجمعها للمأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور ، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب ، أنها بلغت قاموس البحر وتعالت عن طوق البشر ، عطف على ما أفهمه السياق - من نحو : فتذكروا ، أو فالزموا ما أمرتم به ، ونابذوا ما نهيتم عنه - بعض ما أجملته ، وبدأ بما هو مع جمعه أهم ، وهو الوفاء بالعهد ، الذي يفهم منه العلماء بالله ما دل عليه العقل من الحجج القاطعة بالتوحيد ، وصدق الرسل ووجوب اتباعهم ، فكانت أعظم العهود ، ويفهم منه غيرهم ما يتعارفونه مما يجري بينهم من المواثيق ، فإذا ساروا فيها بما أمر سبحانه وتحروا رضاه ، علماً منهم بأنه العدل ، قادهم ذلك إلى رتبة الأولين ، فقال تعالى : { وأوفوا } ، أي : أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره . { بعهد الله } ، أي : الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل والنقل ، من التوحيد وغيره من أصول الدين وفروعه .

( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق }[ الرعد :20 ] ، { وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } .

[ البقرة :27 ] { إذا عاهدتم } ، بتقبلكم له ، بإذعانكم لأمثاله من الأدلة فيما عرف من عوائدكم ، وصرحتم به عند شدائدكم ، { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } ، ثم عطف عليه ما هو من جنسه وأخص منه ، فقال تعالى : { ولا تنقضوا الأيمان } ، واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى : { بعد توكيدها } ، وحذف الجار ؛ لأن المنهي عنه إنما هو استغراق زمان البعد بالنقض ، وذلك لا يكون إلا بالكذب الشامل له كله ، بعضه بالقوة وبعضه بالفعل ، ولعله جمع إشارة إلى أن المذموم استهانتها من غير توقف على كفارة ؛ لأن من فعل ذلك ولو في واحدة كان فاعلاً ذلك في الجميع ، بخلاف من ينقض ما نقضه خير بالكفارة ، فإنه ناقض للبعض لا للكل ؛ لأنه دائر مع الخير والأول دائر مع الهوى ؛ ثم حذرهم من النقض بأنه مطلع قادر ، فقال تعالى مقبحاً حالهم إذ ذاك : { وقد جعلتم الله } ، أي : الذي له العظمة كلها ، { عليكم كفيلاً } ، أي : شاهداً ورقيباً .

ولما كان من شأن الرقيب حفظ أحوال من يراقبه ، قال تعالى مرغباً مرهباً : { إن الله } ، أي : الذي له الإحاطة الكاملة ، { يعلم ما تفعلون * } ، فلم تفعلوا شيئاً إلا بمشيئته وقدرته ، فكانت كفالته مجعولة بهذا الاعتبار ، وإن لم يصرح بالجعل ، فمتى نقضتم ، فعل بكم فعل الكفيل القادر بالمكفول ، المماطل من أخذ الحق والعقوبة .