شهيدا على هؤلاء : المراد بهؤلاء : أمته ، الحاضر منهم بعد عصر التنزيل ، ومن بعدهم إلى يوم القيامة .
تبيانا : بيانا لأمور الدين ، إما نصا فيها ، أو ببيان الرسول واستنباط العلماء المجتهدين في كل عصر .
{ ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } .
تستعرض الآيات موقف المشركين يوم القيامة ، وزيادة العذاب ومضاعفته لهم ، ويستكمل المشهد بمجيء النبيين والشهداء ، أي : الصالحين من أتباع الأنبياء ؛ ليشهدوا للمؤمنين بالإيمان والاستجابة للدعوة له وليشهدوا على الكافرين بالكفر والتكذيب ، ثم يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته ، وعلى أهل مكة ، وغيرهم ممن بلغتهم الدعوة ، ومنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة معروفة ، فقد آتاه الله الشفاعة والمقام المحمود الذي يحمده عليه جميع الخلائق ، ويرى بعض المفسرين : أن شهادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم تكون للأنبياء والأمم كلها ، لكن السياق يرجع أن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن أرسل إليهم سابقا أو لاحقا ، وقريب من ذلك ما روي عن عبد الله بن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : ( اقرأ علي القرآن ) ، قلت : يا رسول الله ، أقرؤه عليك وعليك أنزل ؟ ! قال : ( نعم ، إني أحب أن أسمعه من غيري ) ، فقرأت صدرا من سورة النساء فلما وصلت إلى قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا }( النساء : 41 ) .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( حسبك ) ، قال ابن مسعود : فالتفتت فإذا عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان55 .
{ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } . أي : نزلنا عليك القرآن مشتملا على أصول العقائد ، وبيان الحلال والحرام ، وبيان ألوان الهداية والرحمة ، وبشارة المسلمين بالجزاء الأوفى .
والسنة المطهرة مشتملة على بيان القرآن وتوضيحه وتفسيره .
قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } ( النحل : 44 ) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أوتيت الكتاب ومثله معه )56 .
ويلحق ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ، بيان الصحابة والتابعين ، قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضّوا عليها بالنواجذ )57 .
كما أوضح القرآن : وجوب اجتهاد من استكمل شروط الاجتهاد ، وبذل الجهد في استنباط الأحكام ، قال تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم . . . }( النساء : 83 ) .
وأوضح : أن إجماع المسلمين على أمر يجب إتباعه وعدم مخالفته ، وبذلك أصبح الإجماع من أصول التشريع .
قال تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى . . . }( النساء : 115 ) .
وأرشد القرآن إلى استخدام القياس بقوله تعالى : { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ( الحشر : 2 ) .
والاعتبار هو النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس ، وهو حمل النظير على النظير ، وقياس أمر لا حكم له ، على أمر معروف الحكم ؛ لاشتراكهما في العلة ، وبهذه الطرق فتح الإسلام أبواب الاجتهاد والاستنباط ، أمام العلماء المختصين ، وأرشد الناس إلى إتباع العلماء في اجتهادهم .
قال تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }( النحل : 43 ) .
كما حث القرآن على استخدام العقل والفكر والرأي ، وأوجب على المسلمين أن تكون منهم أمة من أهل الاختصاص والنظر ، تتابع أمور المسلمين ، وتجتهد في شئونهم ، ومعرفة أحكام ما يستجد من أمور وأحداث ، قال تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة : 122 ) .
وبهذا فتح القرآن ينابيع الفكر والفقه والرأي ، ووضع أصول الاجتهاد ، وبين قواعد التشريع ، التي تعتمد على القرآن والسنة والاجتهاد والإجماع والقياس ، وسيظل القرآن الكريم كلي الشريعة وأصل أصولها فهو بحق تبيان وبيان وإرشاد لكل شيء ؛ لأنه حث على اتباع السنة ، وبين أصول الاجتهاد والاستنباط ، واشتمل القرآن على بيان الرحمة والتيسير ، والبشارة بالجنة للمؤمنين الطائعين ، وبالنار للمكذبين وأرشد إلى الفضائل ، ونهى عن الرذائل .
ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السالفة ، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم ، وتكون بحضرتهم ، فقال تعالى : { ويوم } ، أي : وخوفهم يوم : { نبعث } ، أي : بما لنا من العظمة ، { في كل أمة } من الأمم { شهيداً } ، أي : هو في أعلى رتب الشهادة { عليهم } .
ولما كانت بعثة الأنبياء السابقين عليهم السلام خاصة بقومهم ، إلا قليلاً ، قال : { من أنفسهم } ، وهو نبيهم .
ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه ، وكذا شهادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، عبر بالماضي إشارة إلى ذلك ، وإلى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفاً بهذه الصفة العلية ، فقال تعالى : { وجئنا } ، أي : بما لنا من العظمة ، { بك شهيداً } ، أي : شهادة هي مناسبة لعظمتنا ، { على هؤلاء } ، أي : الذين بعثناك إليهم ، وهم أهل الأرض ، وأكثرهم ليس من قومه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولذلك لم يقيد بعثته بشيء ؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه ؛ فإنه لا حجة في ذلك اليوم لمن خالف أمره اليوم ؛ لأنه سبحانه أزاح العلل ، وترك الأمر على بيضاء نقية ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك ، فقال عاطفاً على قوله : { وما أنزلنا عليك الكتاب } - الآية ، المتعقب لقوله : { لا جرم } - الآيتين : { ونزلنا } ، أي : بعظمتنا ، بحسب التدريج والتنجيم ، { عليك الكتاب } الجامع للهدى ، { تبياناً } ، أي : لأجل البيان التام ، قالوا : وهو اسم وليس بمصدر ، كتلقاء . { لكل شيء } ورد عليك من أسئلتهم ووقائعهم ، وغير ذلك ، وهو في أعلى طبقات البيان ، كما أنه في أعلى طبقات البلاغة ؛ لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر في الإدراك ، والنفس أشد تقبلاً له لما هو عليه من حسن النظام ، والقرب إلى الأفهام ، وإنما احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في العلم بمذاهب العرب ، الذين هم الأصل في هذا اللسان ، وتقصير العرب عن جميع مقاصده ، كما قصروا عن درجته في البلاغة ، فرجعت الحاجة إلى تقصير الفهم ، لا إلى تقصير الكلام في البيان ، ولهذا تفاوت الناس في فهمه ؛ لتفاوتهم في درجات البلاغة ، ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها ؛ قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في آخر خطبة الرسالة ، بعد أن دعا الله تعالى أن يرزقه فهماً في كتابه ، ثم في سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم : فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة ، إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها ، واحتج بآيات منها هذه ، وذلك لأنه سبحانه بين فيه التوحيد ، والمبدأ والمعاد ، والأمر والنهي ، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، بالنص على بعضها ، وبالإحالة على السنة في الآخر ، وعلى الإجماع في نحو قوله تعالى :{ ويتبع غير سبيل المؤمنين }[ النساء : 115 ] ، وعلى الاقتداء بالخلفاء الراشدين في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " عليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي . " ، وبالاقتداء بجميع أصحابه رضي الله عنهم في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " أصحابي كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم " ، وقد اجتهدوا وقاسوا ، ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد ، ولم يخرج أحد منهم عن الكتاب والسنة ، فهو من دلائل النبوة في كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهيداً ؛ لكونه ما أخبر عنهم إلا بما هم أهله .
ولما كان التبيان قد يكون للضلال ، قال تعالى : { وهدى } ، أي : موصلاً إلى المقصود . ولما كان ذلك قد لا يكون على سبيل الإكرام ، قال تعالى : { ورحمة } ، ولما كان الإكرام قد لا يكون بما هو في أعلى طبقات السرور ، قال سبحانه : { وبشرى } ، أي : بشارة عظيمة جداً { للمسلمين } ، ويجوز أن يكون التقدير : { في كل أمة شهيداً عليهم } ، وهو رسولهم ، الذي أرسلناه إليهم في الدنيا . { وجئنا بك شهيداً على هؤلاء } ؛ لكوننا أرسلناك إليهم ، وجعلناك أميناً عليهم . { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء } ، فلا عذر لهم ، فيكون معطوفاً على ما دل الكلام السابق دلالة واضحة على تقديره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.