تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (96)

94

المفردات :

ما عندكم ينفد وما عند الله باق : ما عندكم يفنى وينقضي ، وما عند الله في الآخرة باق لا يزول .

التفسير :

{ ما عندكم ينفد وما عند الله باق . . . } .

فالحياة الدنيا فانية ، والآخرة باقية ، والدنيا كلها إلى زوال وفناء ، وإن طال الأمد وجلّ العدد ، وما في خزائن الله باق لا نفاد له .

وفي الحديث الشريف :

( يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت )60 .

وفي الحديث النبوي الشريف :

( إن الصدقة توضع في يد الله قبل أن توضع في يد السائل ؛ فينميها كما ينمي أحدكم فصيله )61 .

{ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } .

ولنكافئن الذين صبروا على طاعتنا ، واجتنبوا معصيتنا ، ووفوا بعهودنا ، بجزاء أفضل وأكرم ، مما كانوا يعملونه في الدنيا ، من خيرات وطاعات ، وفي الآية عدة جميلة ، باغتفار ما عسى أن يكون قد فرط منهم ، أثناء ذلك من جزع يعتريهم بحسب الطبيعة البشرية .

وقد رغب القرآن والسنة في التزام الوفاء بالعهد ، وصار ذلك من ركائز الإسلام ودعائمه ، ودخلت في الإسلام جماعات وشعوب ، بسبب ما رأوه من وفاء المسلمين بعهدهم ، ومن صدقهم في وعدهم ومن إخلاصهم في معاملاتهم .

روى : أنه كان بين معاوية بن أبي سفيان وملك الروم أمد ، فسار إليهم في آخر الأمد ، حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم وهم غارّون لا يشعرون ؛ فقال له عمر بن عتبة : الله أكبر يا معاوية ، وفاء لا غدر ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقدة حتى ينقضي أمدها )62 ، فرجع معاوية بالجيش ، والروايات عن حفظ العهود متواترة مشهورة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (96)

ثم بين خيريته وكثرته بقوله تعالى على سبيل التعليل : { ما عندكم } ، أي : من أعراض الدنيا ، وهو الذي تتعاطونه بطباعكم ، { ينفد } ، أي : يفنى ، فصاحبه منغص العيش ، أشد ما يكون به اغتباطاً بانقطاعه ، أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم . { وما عند الله } ، أي : الذي له الأمر كله من الثواب ، { باق } ، فليؤتينكم منه إن ثبتم على عهده ، ثم لوح بما في ذلك من المشقة عطفاً على هذا المقدر فقال تعالى مؤكداً لأجل تكذيب المكذبين : { ولنجزين } ، أي : الله - على قراءة الجماعة بالياء ، ونحن - على قراءة ابن كثير وعاصم بالنون التفاتاً إلى التكلم للتعظيم ، { الذين صبروا } على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي ، { أجرهم } ، ولما كان كرماء الملوك يوفون الأجور بحسب الأعمال من الأحسن وما دونه ، أخبر بأنه يعمد إلى الأحسن فيرفع الكل إليه ويسوي الأدون به فقال : { بأحسن ما كانوا } ، أي : كوناً هو جبلة لهم { يعملون * } .