تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا} (32)

قصة صاحب الجنتين

{ واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا ( 32 ) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا ( 33 ) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعزّ نفرا ( 34 ) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا ( 35 ) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربّي لأجدن خيرا منها منقلبا ( 36 ) قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلا ( 37 ) لكن هو الله ربّي ولا أشرك بربي أحدا ( 38 ) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ( 39 ) فعسى ربّي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا ( 40 ) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا ( 41 ) وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ( 42 ) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا ( 43 ) هنالك الولاية لله الحقّ هو خير ثوابا وخير عقبا ( 44 ) }

المفردات :

الجنة : البستان ، سميت بذلك ؛ لاجتنان أرضها ، واستتارها بظل الشجر ، وكل مادة ( ج ن ن ) تفيد : الخفاء والاستتار ؛ كالجنين ، والجن ، والمجنون ؛ لاستتار عقله ، وجنّ الليل : أظلم إلى نحو ذلك .

أعناب : كروم منوعة .

وحففناهما بنخل : أي : جعلنا النخل محيطا بهما ، مطبقا بجانبيهما ، يقال : حفّه القوم أي : طافوا به . ومنه قوله : { حافّين من حول العرش . . . } ( الزمر : 75 ) . وحففته بهم : إذا جعلتهم حافين حوله .

32

التفسير :

32- { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا } .

أي : اذكر يا محمد لهؤلاء الكفار ، الذين طلبوا منك أن تطرد الفقراء عم مجلسك هذا المثل .

قال المفسرون :

هما أخوان من بني إسرائيل أحدهما : مؤمن ، والآخر : كافر ، ورثا مالا عن أبيهما ؛ فاشترى الكافر بماله حديقتين ، وأنفق المؤمن ماله في مرضاة الله ؛ حتى نفد ماله فعيّه الكافر بفقره ؛ فأهلك الله مال الكافر ، وضرب هذا مثلا للمؤمن الذي يعمل بطاعة الله ، والكافر الذي أبطرته النعمة .

وسواء أصحت هذه الرواية أم لم تصح ؛ فإن ضرب المثل لا يتوقف على صحتها ، والقصة هنا نموذج للعظة والاعتبار ، والتحذير من إغراء المال .

{ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا } .

فهذا الغني الكافر ؛ كان يملك بستانين من شجر العنب مثمرين بأنواع العنب اللذيذ ، وقد وسع الله على صاحب البستانين بأنواع التوسعة ، فأرضه جمعت القوت والفواكه ، وهي متواصلة متشابكة ؛ فلها منظر ورواء حسن ، ووضع أنيق يخلب اللب ؛ بجماله وبهجته إذا امتلأ منه البصر ، وعلى حافة البستانين أشجار النخيل ، تطوف حولهما في سياج يطوف حول الأرض ، وتتوسط الأرض الزروع والثمار ، وتتفجر بينها الأنهار .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا} (32)

ولما كان إنما محط حال المشركين العاجل ، وكان قد تقدم قولهم

{ أو يكون لك جنة من نخيل وعنب }[ الإسراء : 91 ] الآية ، وقوله تعالى :

{ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها }[ الكهف :7 ] الآية ، وقوله تعالى : في حق فقراء{[46191]} المؤمنين الذين تقذروهم{[46192]}

{ ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا }[ الكهف : 28 ] الآية واستمر إلى أن ختم بأن جنات المؤمنين عظيم حسنها من جهة الارتفاق ، عطف على قوله تعالى

{ وقل الحق من ربكم }[ الكهف : 29 ] قوله تعالى كاشفاً بضرب المثل أن ما فيه الكفار من الارتفاق العاجل ليس أهلاً لأن يفتخر به لأنه إلى زوال{[46193]} : { واضرب لهم } أي لهؤلاء{[46194]} الضعفاء {[46195]}والمتجبرين الذين يستكبرون على المؤمنين ، ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم : { مثلاً } لما آتاهم الله من زينة الحياة الدنيا ، فاعتمدوا عليهم وركنوا إليه ولم يشكروا{[46196]} من آتاهم إياه عليه ، بل أداهم إلى الافتقار والتكبر على من زوى ذلك عنه{[46197]} إكراماً له وصيانة عنه { رجلين } فكأنه قيل : فما{[46198]} مثلهما ؟ فقيل : { جعلنا } {[46199]}أي بما لنا من العظمة{[46200]} { لأحدهما } {[46201]}وهو المجعول مثلاً لهم{[46202]} { جنتين }{[46203]} أي بساتين يستر ما فيهما{[46204]} من الأشجار من يدخلهما على أي وضع من الأوضاع كانتا ، ومن جملة الأوضاع أن تكون إحداهما في السهل والأخرى في الجبل ، ليبعد عموم عاهة لهما لأنها إما من برد أو حر { من أعناب } لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر ، {[46205]}وهي فاكهة وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها{[46206]} { وحففناهما } {[46207]}أي حطناهما بعظمتنا{[46208]} { بنخل } لأنها من{[46209]} أشجار البلاد الحارة ، وتصبر على البرد ، وربما منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات ، {[46210]}وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر والخل فكأن النخل كالإكليل من وراء العنب ، وهو{[46211]} مما يؤثره الدهاقين لأنه في غاية البهجة والمنفعة { وجعلنا بينهما } أي أرضي{[46212]} الجنتين { زرعاً * } لبعد شمول الآفة للكل ، لأن زمان {[46213]}الزرع ومكانه غير زمان{[46214]} أثمار الشجر المقدم ومكانه ، {[46215]}وذلك هو العمدة في القوت ، فكانت الجنتان أرضاً جامعة لخير الفواكه وأفضل الأقوات ، وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها ، مع سعة الأطراف ، وتباعد الأكناف ، وحسن الهيئات والأوصاف{[46216]} .


[46191]:من مد، وفي الأصل وظ: فقر.
[46192]:من ظ ومد وفي الأصل: يقذروهم.
[46193]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46194]:من ظ ومد، وفي الأصل: أحوال.
[46195]:سقط من ظ.
[46196]:من ظ وفي الأصل ومد: لم يشركوا.
[46197]:زيد من ظ ومد.
[46198]:من مد وفي الأصل وظ: ما.
[46199]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46200]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46201]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46202]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46203]:العبارة من هنا إلى "من يدخلهما" ساقطة من ظ.
[46204]:من مد، وفي الأصل وظ: بينهما.
[46205]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46206]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46207]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46208]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46209]:زيد من ظ ومد.
[46210]:العبارة من هنا إلى "البهجة والمنفعة" ساقطة من ظ.
[46211]:زيد من مد.
[46212]:من مد، وفي الأصل وظ: أرض.
[46213]:تكرر في مد.
[46214]:تكرر في مد.
[46215]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46216]:سقط ما بين الرقمين من ظ.