تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ} (19)

{ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ( 19 ) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ( 20 ) وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ( 21 ) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ( 22 ) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ( 23 ) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ( 24 ) } .

19

التفسير :

19 - هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ .

خصمان : الخصم المخاصم ، مذكرا أو مؤنثا ، مفردا أو مثنى أو جمعا ، وهو من له رأي غير رأيك في موضوع ما ، وكل منهما يحاج صاحبه .

اختصموا في ربهم : وقع الجدال بينهم في شأن ربهم .

قطعت لهم : قدرت لهم .

الحميم : الماء الحار ، الذي بلغت حرارته أقصى الغاية .

تنازع الكافرون والمؤمنون في الله وصفاته وآلائه ، وما يجب له من الكمالات ، وما يستحيل عليه من النقص . أما الكافرون فهم فرق متعددة ، منهم من نسب لله ولدا ، ومنهم من عبد النجوم أو الشمس أو النار أو الأصنام والأوثان ، وهذا الفريق كله سيدخل جهنم ، وتفصل لهم ثياب من النار ، ويصب الماء الحار شديد الغليان فوق رءوسهم ، فينفذ من الجمجمة إلى بطونهم ، فيحرقهم من الباطن كما يحرقهم من الظاهر ، وهذه ألوان من العذاب مرعبة مفزعة ، والتعبير ب ثياب للإشارة إلى تراكم طبقات النار المحيطة بهم ، وكون بعضها فوق بعض ، وفي آية أخرى يقول القرآن الكريم : سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ . ( إبراهيم : 50 ، 51 ) .

فالعذاب متنوع ، والذل ظاهر ، والهوان ملازم لأهل النار جزاء كفرهم وجحودهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ} (19)

ولما قسم الناس إلى مخالف ومؤالف ، أتبعه جزاءهم بما يرغب المؤالف ويرهب المخالف على وجه موجب للأمر بالمعروف الذي من جملته الجهاد لوجهه خالصاً فقال : { هذان } أي الساجد والجاحد من جميع الفرق { خصمان } لا يمكن منهما المسالمة الكاملة إذ كل منهما في طرف .

ولما أشار بالتثنية إلى كل فرقة منهم صارت - مع كثرتها وانتشارها باتحاد الكلمة في العقيدة - كالجسد الواحد ، صرح بكثرتهم بالتعبير بالجمع فقال : { اختصموا } أي أوقعوا الخصومة بغاية الجهد ، ولما كانت الفرق المذكورة كلها مثبتة وقد جحد أكثرهم النعمة ، قال : { في ربهم } أي الذي هم بإحسانه إليهم معترفون ، لم يختصموا بسبب غيره أصلاً ، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب - الذين هم أول من برز للمخاصمة بحضرة رسول الله - صلى الله عليه ورضي عنهم - للكفرة من بني عمهم : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، في غزوة بدر - أولى الناس بهذه الآية لما روي في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه " أنه كان يقسم أنها نزلت فيهم ، ولذلك قال علي رضي الله عنه : أنا أول من يحثو بين يدي الرحمن عز وجل يوم القيامة للخصومة " أخرجه البخاري في صحيحه ، ولعله رضي الله عنه أول الثلاثة ، قام لمنابذتهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان أشبّهم .

ولما ذكر خصومتهم وشرطها ، ذكر جزاءهم عليها في فصل الأمر الذي قدم ذكره ، وبدأ بالترهيب لأن الإنسان إليه أحوج فقال : { فالذين كفروا } منابذين لأمر ربهم { قطعت } تقطيعاً لا يعلم كثرته إلا الله ، بأيسر أمر ممن لا أمر لغيره { لهم } الآن وهيئت وإن وافقوا مراد ربهم بمخالفتهم أمره { ثياب من نار } تحيط بهم وهي على مقاديرهم سابغة عليهم كما كانوا يسبلون الثياب في الدنيا تعاظماً وتكبراً حال كونهم { يصب } إذا دخلوها { من فوق رؤوسهم الحميم* } أي الماء الحار حرارة لا يدري مقدارها إلا بالذوق - أعاذنا الله منه ،