تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

{ وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوّا كبيرا ( 21 ) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ( 22 ) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا( 23 ) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا( 24 ) ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا( 25 ) الملك يومئذ الحق للرحمان وكان يوما على الكافرين عسيرا( 26 ) ويوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا( 27 ) يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا( 28 ) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا( 29 ) }

المفردات :

لا يرجون : لا يخافون ، أو لا يتوقعون .

لقاءنا : الرجوع إلينا للحساب ، أو لقاء جزائنا .

لولا أنزل : هلا أنزل علينا الملائكة لكي يخبرونا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم .

أو نرى ربنا : أو هلا نرى ربنا جهرة ومعانية ، ليقول لنا إن محمدا رسول من عندي .

استكبروا في أنفسهم : أوقعوا الاستكبار في شأن أنفسهم ، بعدّها كبيرة الشأن .

العتوّ : تجاوز الحدّ في الظلم والعدوان .

عتوا كبيرا : وصلوا إلى الغاية القصوى منه ، حين كذبوا الرسول الذي جاء بالوحي ، ولم يكترثوا بالمعجزات التي أتاهم بها .

التفسير :

21- { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا . . }

قال الكفار الذين لا أمل لهم في البعث والجزاء والحساب ، لأنهم ينكرون البعث ولا يتوقعونه ، قالوا على سبيل التعنت والعناد : هلا أنزل علينا الملائكة ، لكي يخبرونا بصدق محمد ، أو هلا نرى ربنا فينبئنا بذلك .

وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : أو { تأتي بالله والملائكة قبيلا } [ الإسراء : 92 ] } أي : ليشهدوا بصدقك .

{ لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } .

لقد أضمروا في أنفسهم الكبر والغرور ، والبعد عن الحق ، والظلم والطغيان ، ووصلوا في عتوّهم إلى الغاية القصوى منه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

ولما ذكر هذا الابتلاء بعد أن ذكر أول السورة ما هو سبحانه عليه من العظمة من سعة الملك ، وكثرة الصنائع ، والإحسان إلى جميع الخلق ، وكان من حق كل مربوب أن يتعرف إلى ربه ، كائناً من كان ، لا سيما إذا كان بهذه الصفة ، لينال من إحسانه ، ويتعزز به على أقرانه ، أتبع ذلك أنه كشف الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى : { وقال } وأظهر في موضع الإضمار الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال : { الذين لا يرجون } أي ليست لهم عقول لكونهم نسوا { لقاءنا } فهم لا يعملون عملاً يطمعون في إثباتنا لهم عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد ، ومن أعرض عنها كانت عليه فهلك ، فصارت لذلك عقولهم تبعاً لشهواتهم ، فصاروا يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم ، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال ، والانهماك في الضلال ، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف : { لولا } أي هلا ولم لا .

ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة ، عبر بالإنزال فقال : { أنزل } أي على أيّ وجه كان من أيّ منزل كان { علينا الملائكة } أي كما أنزلت عليه فيما يزعم { أو نرى ربنا } بما له إلينا من الإحسان وما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها ، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة .

ولما كان هذا القول مما لا ينبغي لبشر أن يجترىء عليه ، لأن فيه اعتراضاً على من لا يحد وصف عظمته ، ولا تدرك مقاصد حكمته ، قال مصدراً بحرف التوقع لما أرشد إليه السياق جواباً لمن كأنه سأل : ما حالهم في هذا ؟ { لقد } أي وعزتنا لقد { استكبروا } أي طلبوا بل أوجدوا الكبر . ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في الظاهر ، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم ، قال : { في أنفسهم } أي بطلب رؤية الملائكة .

ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واسطته الملك ، وزادوا عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله ، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية ، قال : { وعتو } أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار ، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء المقام له بقوله : { عتواً كبيراً* } وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتواً وظلماً أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعاً بعجزهم عن الإتيان بشيء منه على صدقه صلى الله عليه وسلم عن الله في كل ما يقوله ، وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب فالمعنى : ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم !