تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا} (31)

31-{ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا }

استخلف الله الإنسان في الأرض ، وأرسل إليه الرسل ، وأنزل له الكتب لهدايته ، ودعوته إلى الحق والإيمان ، وقد وقف أهل الباطل في وجه دعوة الحق ، لحكمة إلهية عليا ، فلو نجحت دعوة الحق بدون معارضة ، لكثر الأدعياء وكثرت دعاوى الباطل ، لكن مشيئة الله الغالبة ، أرادت أن تكون هناك مقاومة للحق من المجرمين المضلين ، حيث إن هؤلاء أشبه بالحشرات والديدان ، تكره الماء الصالح النقي ، وترغب الحياة في الماء الآسن ، والتربة الآسنة ، ومن حكمة الله أن يبدأ الصراع بين دعاة الحق . ودعاة الباطل ، وأن تقف الكثرة من الناس منتظرة متفرجة ، فإذا طال العذاب والتضحيات ، قال الكثرة المتفرجة : ماذا يحمل هؤلاء على الصمود والتضحيات ؟ لا بد أن هناك شيئا ما ، يهوّن عليهم الصبر والمصابرة ، فيدخلون في دعوة الحق لمشاهدة هذا الشيء ، ويكون ذلك سببا في هدايتهم إلى الحق ، وانتصار الحق على الباطل ، كما قال تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون*ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } [ الأنعام : 112-113 ] .

والآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، ليصبر على إيذاء قومه ، وليعلم أن هذه ضريبة الدعوة ، قد دفعها الرسل السابقون ، كما سيدفعها اللاحقون ، قال تعالى : { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل . . } [ الأحقاف : 35 ]

جاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم :

كما جعلنا قومك-يا محمد- يعادونك ويكذبونك ، جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ، يعادونه ويقاومون دعوته ، وسينصرك الله ويهديك إلى قهرهم وكفى به هاديا ونصيرا . اه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا} (31)

ولما كان في هذا الكلام معنى الشكاية وشدة التحرق ، وعظيم التحزن كما يشير إليه إثبات يا التي للبعد ، على خلاف ما جرت به العادة في نداء الخواص الذين هو أخصهم ، والاستفهام عن سبب هجرانهم مع ما لهم إليه من الدواعي ، كان كأنه قيل : ذلك بأن من فعله عاداك حسداً لك ، وعطف عليه : { وكذلك } أي ومثل ما فعلنا من هذا الفعل العظيم وأنت أعظم الخلق لدينا { جعلنا } بما لنا من العظمة { لكل نبي } أي من الأنبياء قبلك ، رفعة لدرجاتهم { عدواً من المجرمين } الذين طبعناهم على الشغف بقطع ما يقتضي الوصل فأضللناهم بذلك إهانة لهم ، فاصبر كما صبروا فإني سأهدي بك من شئت ، وأنصرك على غيرهم ، وأكرم قومك من عذاب الاستئصال تشريفاً لك .

ولما كان موطناً تعلق فيه النفوس متشوقة إلى الهداية بعد هذا الطبع ، والنصرة بعد ذلك الجعل ، كان كأنه قيل : لا تحزن فلنجعلن لك ولياً ممن نهديه للإيمان ، ولننصرنهم على عدوهم كما فعلنا بمن قبلك ، بل أعظم حتى نقضي أممهم من ذلك العجب ، ولا يسعهم إلا الخضوع لكم والدخول في ظلال عزكم ، ولما كان ذلك - لكثرة المعادين - أمراً يحق له الاستبعاد ، قال عاطفاً على ما تقديره ؛ ثم نصر إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على من جعلهم أعداءهم ربُّك الذي أرسلهم : { وكفى بربك } أي المحسن إليك { هادياً } يهدي بك من قضى بسعادته { ونصيراً* } ينصرك على من حكم بشقاوته .