تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (89)

المفردات :

باللغو : اللغو في اليمين : الحلف من غير قصد القسم .

بما عقدتم الأيمان : أصل العقد : نقيض الحل . فعقد الأيمان وتعقيدها : توكيدها بالقصد والتصميم .

فكفارته : أصل الكفارة من الكفر . وهو : الستر والتغطية ، ثم صارت – في اصطلاح الشرع – اسما لأعمال تكفر – أي تمحو – بعض الذنوب .

من أوسط ما تطعمون أهليكم : الأوسط ؛ المعتدل من كل شيء . والمراد هنا : الأغلب من الطعام ، الذي هو وسط بين الدون الذي يتقشف به ، وبين الأعلى الذي يتوسع به .

أو تحرير رقبة : أي اعتناق رقيق ملوك له .

تمهيد في : أنواع الأيمان .

تنقسم الأيمان إلى ثلاثة أقسام :

يمين اللغو : وهو ما يسبق إليه اللسان بالحلف بدون قصد مثل قوله : لا والله ، وبلى والله ، أو من حلف على شيء يعتقد أنه صادق فيه ، وكان الأمر بخلافه ، كمن حلف أنه ليس معه نقود أو قلم ، ثم تبين وجود نقود أو قلم في جيبه ، بدون أن يعلم بوجوده .

أما اليمين المنعقدة : فهي الحلف على شيء أن يفعله أو لا يفعله عاقدا العزم مؤكدا النية على ذلك فإذا حنث في هذا اليمين فتلزمه الكفارة وهو مخير في هذه الكفارة بين ثلاثة أشياء .

1- إطعام عشرة مساكين يغديهم ويعيشهم ، أو يعطي لكل مسكين نصف صاع من قمح أو صاعا من شعير .

2- إعطاء كل مسكين ثوبا يستره ويصلح للصلاة فيه .

3- إعتاق رقبة .

قال في البحر المحيط : وأجمع العلماء على أن الحانث مخير بين الإطعام والكسوة والعتق .

فإذا عجز المسلم عن أداء أي واحد من الثلاثة المذكورة فكفارة اليمين له صيام ثلاثة أيام واشترط الأحناف والحنابلة التتابع في الأيام .

وقال الشافعي ومالك : لا يجب التتابع ، واختار الطبري أنه كيفما صامهن مفرقة أو متتابعة أجزأه .

89- لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم . . . الآية يسر الله التشريع والأحكام فقال تعالى : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج . ومن هذا التيسير أنه رفع عن هذه الأمة ما حدثت به نفسها ، ورفع عنها اثم ما سبق إليه اللسان ، بدون قصد من القلب ، كقول الحالف لا والله وبلى والله .

كما سامح المؤمن في الحلف على شيء أنه فعله أو لم يفعله معتقدا صدق ذلك ثم تبين أن الأمر بخلافة .

يسمى ذلك اليمين اللغو وهي يمين نرجوا أن يسامحنا الله فيها .

ولكن يؤاخذكم بما عقدتم اليمان . أي ولكن يؤاخذكم بما وثقتم الأيمان عليه بالقصد والنية إذا حنثتم .

فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم . أي كفارة اليمين عند الحنث أن تطعموا عشرة مساكين من الطعام الوسط الذي تطعمون منه أهليكم .

جاء في فتح القدير للشوكاني :

المراد بالوسط هنا : المتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير ، وليس المراد به الأعلى كما في غير هذا الموضع : أي أطعموهم من المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه ، ولا يجب عليكم أن تطعموهم من أعلاه ، ولا يجوز لكم أن تطعموهم من أدناه ، وظاهره أنه يجزئ إطعام عشرة حتى يشبعوا .

وقد روى عن على أنه قال : لا يجزئ إطعام العشرة غذاء دون عشاء حتى يغديهم ويعيشهم ، قال أبو عمرو : هو قول أئمة الفتوى بالأمصار .

وقال الحسن البصري وابن سيرين : يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا وسمنا أو خبزا ولحما .

وقال عمر بن الخطاب وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعى وميمون بن مهران وأبو مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبو قلابة ومقاتل : يدفع إلى كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر .

وقال أبو حنيفة نصف صاع بر ، وصاع مما عداه .

( أو كسوتهم ) أي كسوة المساكين لكل مسكين ثوب يستر البدن .

( أو تحرير رقبة ) أي إعتاق عبد مملوك لوجه الله .

( قمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) أي فمن لم يجد شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام .

( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم .

( واحفظوا أيمانكم ) أي احفظوها من الابتذال ولا تسارعوا إلى الحلف ، وإذا حنثتم فلا تتركوها بغير تكفير .

( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) أي مثل ذلك التبيين يبين الله لكم الأحكام الشرعية ويوضحها لتشكروه على هدايته وتوفيقه لكم .

في أعقاب الآية :

أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال :

لما نزلت : يا أيها الذين آمونا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم . في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم اللحم والنساء ، قالوا : يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (89)

{ لا يؤاخذكم الله } أي على ما له من تمام الجلال { باللغو } وهو ما يسبق إليه اللفظ من غير قصد{[27511]} { في أيمانكم } على أني لم أعتمد على سبب النزول في المناسبة إلا لدخوله في المعنى ، لا لكونه سبباً ، فإنه ليس كل سبب يدخل في المناسبة - كما بينته في أول غزوة أحد في آل عمران ، وإنما كان السبب هنا داخلاً في مناسبة النظم ، لأن تحريم ما أحل يكون تارة بنذر وتارة بيمين ، والنذر في المباح - وهو مسألتنا - لا ينعقد وكفارته{[27512]} كفارة يمين{[27513]} ، فحينئذ لم تدع الحاجة إلا إلى التعريف بالأيمان وأحكامها ، فقسمها سبحانه إلى قسمين : مقصود{[27514]} وغير مقصود{[27515]} ، فأما غير المقصود{[27516]} فلا اعتبار به ، وأما المقصود فقسمان : حلف على ماض ، وحلف على آت ، فأما الحلف على الماضي فهو اليمين الغموس التي لا كفارة لها عند بعض العلماء ، وسيأتي في آية الوصية ، وأما الحلف على{[27517]} الآتي - وهو الذي يمكن التحريم به - فذكر حكمه هنا بقوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم } .

ولما كان مطلق الحلف الذي منه اللغو يطلق عليه عقد لليمين ، أعلم أن المؤاخذة إنما هي بتعمد القلب ، وهو المراد بالكسب في الآية الأخرى ، فعبر بالتفعيل في قراءة الجماعة ، والمفاعلة على قراءة ابن عامر{[27518]} تنبيهاً على أن ذلك هو المراد من قراءة حمزة والكسائي{[27519]} بالتخفيف فقال{[27520]} { بما عقدتم الأيمان{[27521]} } أي بسبب توثيقها وتوكيدها وإحكامها بالجمع بين اللسان والقلب ، سواء كان على{[27522]} أدنى الوجوه{[27523]} كما تشير{[27524]} إليه قراءة التخفيف ، أو على أعلاها كما تشير إليه قراءة التشديد ، فلا يحل لكم الحنث فيها إلا بالكفارة بخلاف اللغو فإنه باللسان فقط ، فلا عقد فيه فضلاً عن تعقيد ، و " ما " مصدرية .

ولما أثبت المؤاخذة سبب عنها قوله : { فكفارته } أي الأمر الذي يستر{[27525]} النكث{[27526]} والحنث عن هذا التعقيد ، ويزيل أثره بحيث تصيرون{[27527]} كأنكم ما حلفتم { إطعام عشرة مساكين } أي{[27528]} أحرار{[27529]} مساكين ، لكل مسكين ربع صاع ، وهو مد من طعام ، وهو رطل وثلث { من أوسط ما{[27530]} } كان عادة لكم أنكم { تطعمون أهليكم } أي{[27531]} من أعدله في الجودة والقدر كمية{[27532]} وكيفية ، فهو مد جيد من غالب القوت ، سواء كان من الحنطة أو من التمر أو غيرهما .

ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفاً ورحمة ، عطف على الإطعام ترقياً قوله : { أو كسوتهم } أي بثوب{[27533]} يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق{[27534]} عليه اسم الكسوة { أو تحرير } أي إعتاق { رقبة } أي مؤمنة سليمة عما يخل بالعمل - كما تقدم في كفارة القتل - حملاً لمطلق الكفارات على ذلك المقيد ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في كفارة إلا اختبر إيمانها ، هذا ما على المكلف على سبيل التخيير من غير تعيين . والتعيين إليه إذا كان واجداً للثلاثة أو لأحدها{[27535]} ، والإتيان بأحدها{[27536]} مبرئ من العهدة ، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها{[27537]} على الإبهام ، والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام { فمن لم يجد } أي واحداً منها فاضلاً عن قوته وقوت{[27538]} من تلزمه{[27539]} مؤنته { فصيام } أي فالكفارة صيام { ثلاثة أيام } ولو متفرقة .

ولما تم ذلك . أكده في النفوس وقرره بقوله : { ذلك } أي الأمر العدل الحسن الذي{[27540]} ذكر { كفارة أيمانكم } أي المعقدة { إذا حلفتم } وأردتم نكثها{[27541]} سواء كان ذلك قبل الحنث أو بعده .

ولما كان التقدير : فافعلوا ما قدرتم عليه منه ، عطف عليه{[27542]} لئلا تمتهن{[27543]} الأيمان لسهولة الكفارة قوله : { واحفظوا أيمانكم } أي فلا تحلفوا ما وجدتم إلى ذلك سبيلاً ، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ، فإنه سبحانه عظيم ، ومن أكثر الحلف وقع في المحذور ولا بد ، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير ، ويجوز للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل ، وحلُّه بما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في التلويح في بحث أو : والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة أنه يمتنع في التخيير الجمع{[27544]} ولا يمتنع في الإباحة ، لكن الفرق هاهنا أنه لا يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب ، وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر وثبت الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال : بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع الجمع ويجب الاقتصار على الواحد .

لأنه المأمور به . وإن كان الأصل فيه{[27545]} الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية ، وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة - انتهى .

ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل : هل يبين كل ما يحتاج إليه هكذا ؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله : { كذلك } أي مثل هذا البيان العظيم الشأن { يبين الله } أي{[27546]} على ما له من العظمة { لكم آياته } أي أعلام{[27547]} شريعته وأحكامه{[27548]} على ما لها من العلو بإضافتها إليه{[27549]} .

ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحِكَم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها من الاعتبار على نِعَم جسيمة وسنن جليلة عظيمة ، ناسب{[27550]} ختمُها بالشكر المُربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة : { لعلكم تشكرون * } أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية .


[27511]:هو عند الشافعي، وهو المروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله وعائشة رضي الله تعالى عنهم- كما في روح المعاني 2/370.
[27512]:وفي روح المعاني: وتعقيد الأيمان شامل للغموس عند الشافعية وفيه طفارة عندهم.
[27513]:زيد من ظ.
[27514]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27515]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27516]:زيد من ظ.
[27517]:سقط من ظ.
[27518]:من روح المعاني 1/371، وفي الأصل: ابن عمر- كذا، والعبارة من " والمفاعلة" إلى هنا ساقطة من ظ.
[27519]:زيد في روح المعاني: وابن عياش عن عاصم.
[27520]:زيد من ظ.
[27521]:سقط من ظ.
[27522]:في ظ: دنى الوجه- كذا.
[27523]:في ظ: دنى الوجه- كذا.
[27524]:في ظ: أشير.
[27525]:من ظ، وفي الأصل: يشير.
[27526]:في ظ: العمت- كذا.
[27527]:في ظ: يصيرون.
[27528]:سقط من ظ.
[27529]:في ظ: حرام.
[27530]:زيد بعده في الأصل: أي، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[27531]:سقط من ظ.
[27532]:في ظ: والكمية.
[27533]:في ظ: ثوب.
[27534]:في ظ: ينطق.
[27535]:في ظ: لأحدهما.
[27536]:في ظ: بإحدهما.
[27537]:في ظ: أحدهما.
[27538]:زيد بعده في ظ: عياله.
[27539]:في ظ: تلتزمه.
[27540]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[27541]:سقط من ظ.
[27542]:زيد من ظ.
[27543]:في ظ: لئلا يمتهن.
[27544]:سقط من ظ.
[27545]:زيد من ظ والتلويح- مبحث " أو".
[27546]:زيد من ظ.
[27547]:من ظ، وفي الأصل: اعلا- كذا.
[27548]:في ظ: إيمانه.
[27549]:سقط من ظ.
[27550]:زيد من ظ.