{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَأن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ( 169 ) وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إنا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( 170 ) }
خلف : المراد بهم هنا : الأولاد ، وأكثر ما يستعمل الخلف بسكون اللام في الشر ومنه : سكت ألفا ونطق خلف ، وأكثر ما يستعمل الخلف بفتح اللام في الخير وأصل الخلف بصيغتيه : ما يكون وراء غيره أو بعده .
عرض هذا الأدنى : العرض : ما لا ثبات له ، وفي النهاية : العرض – بالفتح – متاع الدنيا وحطامها . والمراد بهذا الأدنى : الدنيا . وأشير إلها " بهذا " وهو للمذكر ، على تقدير : هذا الشيء الأدنى .
ميثاق الكتاب : المراد بالكتاب : التوراة . وبميثاقه : عهده الوثيق المؤكد .
{ 169 - فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى… } الآية .
أي : فجاء من بعد الصالحين والطالحين الأولين من بني إسرائيل ذرية خلفهم ، ورثوا كتاب التوراة عن أسلافهم ، وهم الذين عاصروا النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكنهم هجروا التوراة ، وآثروا الدنيا ومتاعها وزينتها ، وتفانوا في جمع حطامها ، لا يبالون حلالا كان أو حراما ، أي : من غير طريق شرعي ، كالسحت والرشوة والمحاباة في الحكم ، والاتجار في الدين ، وتحريف الكلم عن مواضعه .
{ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَأن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } . زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وأن الله لا يعذبهم على أعمالهم ، ومع هذا فإنهم مقيمون على المعاصي ، مصرون على الذنوب ، لا يتورّعون عن ضم الحرام إلى غيره ، فأن يأتيهم عرض آخر من عروض الدنيا مثل الذي أخذوه أولا بالباطل ، يأخذوه بلهف دون تعفف ، و هم يعلمون أن وعد الله بالمغفرة مخصوص بالتائبين ، الذين يقلعون عن ذنوبهم .
{ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق } .
أي : أن الله تعالى ينكر عليهم صنيعهم هذا ؛ لأنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق ، ألا يقولوا على الله إلا الحق ، فكيف يطمعون في مغفرة ذنوبهم مع إصرارهم عليها ، وتكرر وقوعها منهم ، بدون ندم أو إقلاع وتوبة .
وهذا هو المذكور في التوراة : من ارتكب ذنبا عظيما : فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة ، ومن جملة الميثاق أن يبينوا للناس الحق ولا يكتمونه ، وألا يحرّفوا الكلم ، وألا يغيروا الشرائع لأجل أخذ الرشوة48 .
أي : والحال أنهم قد درسوا التوراة دراسة تامة ، فعرفوا ما فيها من تحريم أكل مال الغير بالباطل ، والكذب على الله .
إنها دراسة نظرية لم تتغلغل في وجدانهم ، ولم تؤثر في قلوبهم .
وهذا شأن كل منافق عليم اللسان ، يسخّر علمه ودراسته ومعرفته ، لإلباس الباطل ثوب الحق .
{ والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } .
أن ثواب الآخرة بقى ، ونعيم الآخرة أدوم ، فكيف يليق بعاقل أن يبيع الباقي الدائم ، ويشتري الخسيس القليل .
ولو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى ؛ لوجب إيثار ما يبقى على ما يفنى ، فكيف والحال أن الآخرة من ذهب يبقى ، والدنيا من خزف يفنى .
إن عقيدة الإيمان بالآخرة هي التي صنعت الرجال الأبطال ، الذين مارسوا الجهاد في الميدان ، وفي الفقه والتشريع والقضاء ، وأن إيثار العاجلة هو الذي يوسوس للضعفاء ولذلك يقول القرآن لليهود ، تحريضا لهم على العودة إلى حكم التوراة :
{ أفلا تعقلون } ، فإن متاع الدنيا قليل ومتاع الآخرة كثير دائم .
ولما كان العذاب الذي وقع التأذن بسببه ممتداً{[33895]} إلى يوم القيامة ، تسبب عنه قوله : { فخلف } أي نشأ ، ولما كانوا غير مستغرقين لزمان البعد ، أتى بالجار فقال : { من بعدهم خلف } أي قوم هم أسوأ حالاً منهم { ورثوا الكتاب } أي الذي هو نعمة ، وهو التوراة ، فكان لهم{[33896]} نقمة لشهادته عليهم بقبح أفعالهم ، لأنه بقي في أيديهم بعد أسلافهم يقرؤونه ولا يعملون بما فيه ؛ قال ابن فارس : والخلف ما جاء من بعد ، أي سواء كان محركاً أو ساكناً ، وقال أبو عبيد الهروي{[33897]} في الغريبين : ويقال : ؛ خلف سوء - أي بالسكون - وخلَف صدق ، وقال الزبيدي في مختصر العين : والخلف : خلف السوء بعد أبيه ، والخلَف : الصالح ، وقال ابن القطاع في الأفعال : وخَلَفَ خَلَفُ سوء : صاروا بعد قوم صالحين ، وخَلَف سوء ، قال الأخفش : هما سواء{[33898]} ، أي بالسكون{[33899]} ، منهم{[33900]} من يسكن ومنهم من يحرك فيهما جميعاً ، ومنهم من يقول : خلف صدق - أي بالتحريك - وخلف سوء - أي بالسكون{[33901]} - يريد بذلك الفرق بينهما ، وكل ذلك إذا أضاف ، يعني فإذا لم يضف كان السكون{[33902]} - للفساد ، والتحريك للصلاح ؛ وقال في القاموس : خلف نقيض قدام ، والقرن بعد القرن ، ومنه : هؤلاء{[33903]} خلف سوء ، والرديء من القول ، وبالتحريك الولد الصالح ، فإذا كان فاسداً أسكنت{[33904]} اللام ، وربما استعمل كل منهما مكان الآخر ، يقال : هو خلف صدق من أبيه - إذا قام مقامه ، أو{[33905]} الخلف بالسكون وبالتحريك{[33906]} سواء ، الليث : خلف للأشرار خاصة ، وبالتحريك ضده . والمادة ترجع إلى الخلف الذي هو نقيض قدام ، كما بينت ذلك في فن المضطرب من حاشيتي على شرح ألفية العراقي .
ولما كان المظنون بمن{[33907]} يرث الكتاب الخير ، فكان كأنه قيل : ما فعلوه{[33908]} من الخير فيما{[33909]} ورثوه ؟ قال مستأنفاً : { يأخذون } أي يجددون الأخذ دائماً ، وحقر{[33910]} ما أخذوه بالإعلام بأنه مما يعرض ولا يثبت بل هو زائل فقال : { عرض } وزاده حقارة بإشارة الحاضر فقال { هذا } وصرح بالمراد بقوله : { الأدنى } أي من الوجودين ، وهو الدنيا { ويقولون } أي دائماً من غير توبة .
ولما كان النافع الغفران من غير نظر إلى معين ، بنوا للمفعول قولهم : { سيغفر لنا } أي{[33911]} من غير شك ، فأقدموا على السوء وقطعوا بوقوع ما يبعد وقوعه في المستقبل حكماً على من يحكم ولا يحكم عليه ، وصرح بما أفهمه ذلك من{[33912]} إصرارهم معجباً منهم في جزمهم بالمغفرة مع ذلك بقوله : { وإن } أي والحال أنه إن { يأتهم عرض مثله } أي في الدناءة والخسة{[33913]} - والحرمة كالرشى { يأخذوه{[33914]} } .
ولما كان هذا عظيماً ، أنكر عليهم مشدداً{[33915]} - {[33916]}للنكير بقوله{[33917]} مستأنفاً{[33918]} : { ألم يؤخذ عليهم } بناه للمفعول إشارة إلى أن العهد يجب الوفاء به على كل حال ، ثم عظمه بقوله : { ميثاق الكتاب } أي الميثاق المؤكد في التوراة{[33919]} { أن لا يقولوا } أي قولاً من الأقوال وإن قل{[33920]} { على الله } أي الذي له كمال العظمة { إلا الحق } أي المعلوم ثباته ، وليس من المعلوم ثباته إثبات المغفرة على القطع بغير توبة ، بل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب .
ولما كان ربما وقع في الوهم أنه أخذ على أسلافهم ولم يعلم هؤلاء به ، نفى ذلك بقوله : { ودرسوا ما فيه } أي ما في ذلك الميثاق{[33921]} بتكرير القراءة للحفظ { والدار الآخرة } أي فعلوا ما تقدم من مجانبة التقوى والحال أن الآخرة { خير } أي مما يأخذون { للذين يتقون } أي وهم يعلمون ذلك بإخبار كتابهم ، ولذلك أنكر عليهم{[33922]} بقوله : { أفلا يعقلون* } أي حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى بدلاً مما{[33923]} يسعدهم ويبقى ، وعلى قراءة نافع وابن عامر وحفص بالخطاب يكون المراد الإعلام بتناهي الغضب .