تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ} (184)

{ أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين( 184 ) أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون( 185 ) من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون( 186 ) } :

المفردات :

جنة : بكسر الجيم جنون .

التفسير :

{ 184 - أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة . . . }

سبب النزول :

جاء في تفسير الطبري ، وابن كثير ، والدر المنثور للسيوطي ، وغيرهم ، أن سبب نزول هذه الآية ، هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صعد على الصفا ليلة ، ودعا قريشا فخذا فخذا : يا بني فلان ، يا بني فلان ، يا بني فلان فحذرهم بأس الله وعقابه ، فقال قائلهم : إن صاحبكم لمجنون ؛ بات يصوّت حتى الصباح ، فنزلت هذه الآية .

ومعنى الآية :

أغفلوا عما امتاز به الرسول – صلى الله عليه وسلم – بينهم من رجاحة العقل ، وصدق القول ، والأمانة الكاملة ، فقد عرفوه بالصادق الأمين ، والمفكر السليم ، وقد صاحبوه قبل الرسالة أربعين سنة ، وصاحبوه بعد الرسالة ، يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته وحده ، كما دعاهم إلى إصلاح شئونهم ، وتنظيم حياتهم الدينية والمدنية والاجتماعية .

وكل ذلك لا يصدر من مجنون ، بل الذي يقتضيه العقل ، ويسرع إليه الفكر ، أن ما قدمه هذا النبي من قرآن وهداية وتشريع ونظام ، وهو أمي لم يناظر ولم يجادل ولم يفاخر أحدا فيما مضى ، إن هو إلا وحي من الله ، نزل به الروح الأمين ، والله يختص بفضله ورحمته من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .

{ إن هو إلا نذير مبين } .

أي : أنه ليس بمجنون بل هو منذر ناصح ومبلغ عن الله ، فهو ينذركم ما يحل لكم من عذاب الدنيا والآخرة ، إذا لم تستجيبوا له ، وقد دعاكم إلى ما فيه صلاح الفرد والمجتمع في الدنيا ، وصلاح أمركم في الآخرة .

في أعقاب الآية :

تكرر اتهام كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم بالجنون ؛ لصرف الناس عن دعوته ورسالته .

قال تعالى : { أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون } . ( المؤمنون : 70 ) .

وقال سبحانه : { وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون * لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين } .

وقال عز شأنه : { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } . ( الصافات : 36 ) .

وقد جرت عادة الكفار أن يرموا رسلهم بالجنون ؛ لأنهم ادعوا أن الله خصهم برسالته ووحيه مع كونهم بشرا لا يمتازون عن سائر الناس بزعمهم .

فقد حكى الله عن قوم نوح أنهم اتهموه بالجنون فقالوا :

{ إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين } . ( المؤمنون : 25 ) .

وقال في شأنهم : { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } . ( القمر : 9 ) .

وقال حكاية عن فرعون في موسى عليه السلام : قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون . ( الشعراء : 27 ) .

وقد بين سبحانه ذلك على وجه عام74 فقال :

{ كذلك ما أتى من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } . ( الذاريات : 52 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ} (184)

ولما كان السياق من أول السورة لإنذارهم ، وكان لا بد في صحة الإنذار{[34217]} من تصحيح الرسالة ، وختم بأمر الاستدراج ، وكانوا قد واقعوا من المعاصي ما لا يجترىء عليه إلا مطموس البصيرة ، وكان عندهم أن من قال : إنهم على حال سيىء ، - مع ما هم فيه من النعم الظاهرة - مجنون ، وكان التقدير دلالة على صحة الاستدراج ؛ ألم يروا أنهم يقدمون على ما لا يرضاه لنفسه عاقل من عبادتهم للحجر وشماختهم عن{[34218]} أكمل البشر ووصفه بالجنون ووصفهم أفضل الكلام بالسحر{[34219]} والكذب إلى غير ذلك مما يغضب من ليس {[34220]}النفع والضر{[34221]} إلا بيده ، وهو مع ذلك يوالي عليهم النعم ، ويدفع عنهم النقم ، هل{[34222]} ذلك إلا استدراج ؛ قال منكراً عليهم عطفاً على ما أرشد السياق والعطف على غير معطوف عليه إلى تقديره : { أولم يتفكروا } أي يعملوا أفكارهم ويمعنوا{[34223]} في ترتيب المقدمات ليعلموا أنه لا يتوجه لهم طعن يورث شبهة بوجه من الوجوه ، وبين المراد من هذا التفكر و{[34224]}عينه بقوله : { ما بصاحبهم } أي الذي طالت خبرتهم لأنه أمتنهم عقلاً وأفضلهم شمائل ولم يقل : ما برسولي ونحوه ، لئلا يقول متعنتهم مالا يخفى ، وأغرق في النفي فقال : { من جنة } أي حالة من حالات الجنون .

ولما نفى أن يكون به{[34225]} شيء مما نسبوه إليه وافتروه عليه فثبتت رسالته ، حصر أمره في النذارة لأنها النافعة لهم{[34226]} مع أن المقام لها في هذه السورة فقال : { إن } أي ما { هو إلا نذير } أي بالغ في نذارته{[34227]} { مبين* } أي موضح للطريق إيضاحاً لا يصل إليه غيره ، ومن أدلة ذلك عجز الخلق عن معارضة شيء مما{[34228]} يأتي به من أنه أحسن الناس خَلقاً وأعلاهم خُلقاً وأفضلهم عشرة وأرضاهم طريقة وأعدلهم سيرة وأطهرهم سريرة وأشرفهم عملاً وأحكمهم{[34229]} علماً وأرصنهم رأياً وأعظمهم عقلاً وأشدهم أمانة وأظهرهم نبلاً{[34230]} .


[34217]:- من ظ، وفي الأصل: الأبدان-كذا.
[34218]:- من ظ، وفي الأصل: على.
[34219]:- في ظ: بسحر.
[34220]:- في ظ: الضر والنفع.
[34221]:- في ظ: الضر والنفع.
[34222]:من ظ، وفي الأصل: من.
[34223]:- في الأصل وظ: يمنعوا.
[34224]:- سقط من ظ.
[34225]:-سقط من ظ.
[34226]:- زيد من ظ.
[34227]:- في ظ: نذارته.
[34228]:- سقط من ظ.
[34229]:- في ظ: اكملهم.
[34230]:- في ظ: مثلا.