تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (49)

ولا تفتني : ولا توقعني في المعصية بتخلفي من غير إذن .

49 – { وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ . . . . }

أي : ومن المنافقين من يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الإذن له بالعقود عن الجهاد ؛ خشية أن يقع في الفتنة بمشاهدة نساء الروم والإعجاب بهن .

لكن هؤلاء المنافقين قد وقعوا وسقطوا في أشد أنواع الفتنة وهي الكفر بالدين والجبن والخوف وعدم الامتثال لهدى سيد المرسلين .

جاء في تفسير ابن كثير وغيره في روايات عن ابن عباس ، وأخرى عن جابر بن عبد الله : أن هذه الآية نزلت في الجد بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جد بن قيس( وكان من شيوخ المنافقين ) ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ، فقال : يا رسول الله ، أتأذن لي ؛ فإني رجل أحب النساء ، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنه : قد أذنت لك ، فنزلت الآية86 .

ولما نزلت الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة – وكان الجد بن قيس منهم : من سيدكم يا بني سلمة ؟ قالوا : جد بن قيس ، غير أنه بخيل جبان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأي داء أدوى من البخل ؟ بل سيدكم الغني الأبيض بشر بن البراء بن معرور .

قال الآلوسي : وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة ، تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة ، المفضحة عن ترديهم في دركات الردى أسفل سافلين . ا ه .

وقال الفخر الرازي : وفيه تنبيه على أن القوم إنما اختاروا القعود ؛ لئلا يقعوا في الفتنة ، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ؛ لأن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله وبرسوله ، والتمرد على قبول التكاليف التي كلفنا الله بها . . . ا ه .

{ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } .

وهذا وعيد وتهديد لهؤلاء المنافقين ؛ بأن نار جهنم ستحاصرهم يوم القيامة ؛ لكثرة خطاياهم فلا يجدون عنها محيصا ولا مهربا ؛ كما قال تعالى :

{ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } . ( البقرة : 81 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (49)

ولما أجملهم في هذا الحكم ، وكان قد أشار إلى أن منهم من كان قد استأذن في الخروج توطئة للاعتذار عنه ، شرع يفصلهم ، وبدأ المفصلين بمن{[36505]} صرح بالاستئذان في القعود فقال عاطفاً على{[36506]} " لقد ابتغوا " : { ومنهم من يقول } أي في جبلته تجديد هذا القول من غير احتشام { ائذن لي } أي في التخلف عنك { ولا تفتني } أي تكن سبباً في فتنتي بالحزم بالأمر بالنفر{[36507]} فأفتتن إما بأن أتخلف فأكون مصارحاً بالمعصية أو أسافر فأميل إلى نساء بني الأصفر فأرتد عن الدين{[36508]} فإنه لا صبر لي عن النساء ، وقائل ذلك هو الجد ابن قيس ، كان من الأنصار منافقاً .

ولما أظهروا أنهم قصدوا البعد من شيء فإذا هم قد ارتكبوا فيه ، انتهزت فرصة{[36509]} الإخبار بذلك على أبلغ وجه بإدخال ناف على ناف لتحصيل{[36510]} الثبوت الأكيد بإقرار المسؤول فقيل : { ألا في الفتنة سقطوا } أي بما قالوا وفعلوا ، فصارت ظرفاً لهم فوضعوا أنفسهم بذلك في جهنم ، و{[36511]} في التعبير بالسقوط دلالة على انتشابهم في أشراك الفتنة انتشاباً سريعاً بقوة فصار يعسر خلاصهم معه { وإن جهنم لمحيطة } أي بسبب إحاطة الفتنة - التي أسقطوا{[36512]} أنفسهم فيها - بهم ، وإنما قال : { بالكافرين* } تعميماً وتنبيهاً على الوصف الذي حملهم على ذلك .


[36505]:في ظ: ممن.
[36506]:سقط من ظ.
[36507]:في ظ: بالسفر.
[36508]:من ظ، وفي الأصل: الدنيا.
[36509]:من ظ، وفي الأصل: قصه ـ كذا.
[36510]:في ظ: ليحصل.
[36511]:زيد ما بين الرقمين من ظ.
[36512]:من ظ، وفي الأصل: سقطوا.